وظيفة المثقف، في أبسط تعريف، أن يرتفع عن الواقع، فيكشف أنماطه ويسمّي ما يعجز غيره عن تسميته. لكنّ ما نراه واقعيا هو العكس: نخبةٌ يجذبها الواقع إليه بدل أن ترتفع عنه. تنزل إلى سوق الاصطفافات، وتتبنّى لغة القبائل السياسية، وتُسخّر أدواتها التحليلية لتبرير مواقف اتخذت بالعاطفة لا بالعقل. وصار التحليل عندها خادمًا للهوى، بعد أن كان من المفترض أن يكون قاضيًا عليه.
والعشرية الأخيرة في تونس — من الثورة إلى الانتقال المتعثّر إلى الانقلاب — كشفت ما هو أعمق من أزمة الأحزاب والمؤسسات. كشفت أزمة طبقة كان يُفترض أن تكون عقل البلاد المفكّر: النخبة المثقفة والمسيّسة. فإذا بها، في لحظات الامتحان، تتصرّف كجزء من المشكلة لا كأداة لحلّها. وفي مقابل اهتمام المشهد العام وتركيزه أكثر على نقد السياسيين والأحزاب، لا يتحدث كثيرون عن تقصير المثقفين ومسؤوليتهم في تردي الوعي العام.
تكرر في الآونة الأخيرة موقف لدى بعض الكتّاب: التباهي بعدم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، وتقديم ذلك وكأنه فضيلة فكرية أو شهادة على الأصالة. وهو في حقيقته ليس مجرد اختلاف في أساليب العمل، بل نافذة تكشف عن أزمة أعمق في العلاقة بالمعرفة وبالذات.
وأنا أكتب هذا من موقع تجربة لا من موقع التنظير. فمنذ سنوات أستعين بالذكاء الاصطناعي في عملي بمطار مونتريال في البحث والكتابة وصياغة التقارير وتحسين الأفكار وترتيبها وتقوية الحجج المنطقية ومناقشتها قبل عرضها على المديرين في أفضل وضع ممكن، بل أعمل أيضا على تطوير منصات تكنولوجية تساعد الباحثين الأكاديميين على توظيفه، وأشرفت على تدريب موظفين ومديرين على استعماله بوعي ومسؤولية. ولم أجد في ذلك ما ينتقص من الفكر أو يلغيه، بل وجدته أداةً لا تختلف في جوهرها عن المكتبة، أو قاعدة البيانات، أو الحوار مع زميلٍ ناقد. فالذكاء الاصطناعي يجمع المعلومة أسرع، ويقترح زوايا جديدة، ويختبر تماسك الحجج، ويكشف الثغرات التي قد يغفل عنها صاحب النص. أما الفكرة، والحكم، والمسؤولية، فتبقى مسؤولية الإنسان وحده.
ويزيد المفارقة وضوحًا أنّ الاستعانة بمن يصوغ ويهذّب ليست بدعةً ولا منقصة. ففي السياسة، يستعين الرئيس أو الوزير بمستشارٍ إعلاميّ يصوغ خطبه ومداخلاته: يُملي عليه الأفكار الكبرى، فيحوّلها الخبير إلى نصٍّ محكم يُراجَع مرّاتٍ قبل أن يُقرّ. وفي الشركات الكبرى، تتولى إداراتٌ كاملة للاتصال صياغة البلاغات الرسمية بتوجيه من القيادة. ولم يَعِب أحدٌ على رئيسٍ أنّ كلماته مرّت بيد من صاغها، لأنّ العبرة بمن يملك الفكرة ويتحمّل مسؤوليتها لا بمن أمسك القلم. فإذا كان هذا بديهيًّا في أعلى مواقع القرار، فما الذي يجعل مثقفًا فردًا يستكبر عن أداةٍ تؤدّي له الدور نفسه: تعينه على الصياغة، وتنبّهه إلى تناقضٍ أفلت منه، أو حجّةٍ ضعيفة ظنّها متينة، أو مغالطةٍ تسلّلت إلى نصّه؟
لذلك استوقفني أن يتحول الامتناع عن استعمال هذه الأداة إلى مصدر اعتزاز. مما يدفع للتساؤل: أهو دفاع عن الأصالة فعلًا، أم أن وراءه شيئًا آخر؟
أعتقد أن وراءه ما يمكن تسميته بوهم الذكاء الذاتي.
وهذا الوهم ليس مجرد ثقة الإنسان بذكائه؛ فالثقة بالنفس مطلوبة ما دامت مقرونة بالتواضع والمراجعة. إنما هو الاعتقاد الضمني بأن الذكاء الشخصي يكفي وحده للوصول إلى الحقيقة، وأن ما يختلج في الذهن يغني عن توسيع مصادر المعرفة، أو اختبار الفكرة، أو تعريضها للنقد. وحينها يتحول العقل من أداة للبحث إلى حصن للدفاع عن نفسه، ويصبح همّه حماية صورته أكثر من اكتشاف الحقيقة.
وما رفض الأداة الجديدة إلا أوضح أعراض هذا الوهم، لا حدّه الأقصى. فمن يرفض أن تُختبر فكرته بآلةٍ تكشف ثغراتها، إنما يرفض — في العمق — مبدأ الاختبار نفسه، أيًّا كان مصدره. ولذلك لا يقف هذا الوهم عند علاقة المثقف بالذكاء الاصطناعي، بل يمتدّ إلى علاقته بالقراءة، وبالخصم، وبالواقعة، وبذاته. وهو ما نراه يتجلّى في سلوك النخبة كله، حين ننظر إليه من هذه الزاوية.
في الفضاء التونسي، يكاد النقد يطوف حول كل شيء إلا حول من يمارس النقد نفسه. السياسيون يُحاسَبون، والأحزاب تُدان، والشعب يُلام على اختياراته أو صمته أو انفعاله. أما النخبة التي توزع الأحكام على الجميع، وتشرح أسباب الفشل، وتقدم نفسها مرجعًا أخلاقيًا ومعرفيًا، فنادرًا ما تُسأل: ماذا فعلت هي؟ وكيف ساهم خطابها، بوعي أو بغير وعي، في تشكيل هذا الواقع؟
بهذا الوهم يضع المثقف نفسه خارج دائرة المحاسبة. فهو ينتقد هذا السياسي ويدافع عن ذاك، ويوبّخ الشعب، ويهاجم الإعلام، ويشرح أسباب إخفاق الجميع، لكنه نادرًا ما يتعامل مع خطابه هو باعتباره جزءًا من المشكلة أو جزءًا من الحل.
ومن هنا يفقد المسافة النقدية التي تميز المثقف الحقيقي. فلا يعود يقف على مسافة من الواقع ليفهمه، بل يصبح طرفًا في معاركه. ويتحول التحليل من محاولة لتفسير الظواهر إلى وسيلة لتبرير الاصطفافات، ويصبح المقال أو التدوينة أو المداخلة محاكمةً جاهزة تبحث عن أدلة تؤكد حكمًا صدر سلفًا.
ولذلك، حين يُكشف تقصير هذا الصنف من النخبة، لا يراجع نفسه، بل يعيد تأويل تقصيره فضيلة. فإذا لم يقرأ، سمّى ذلك حدسًا. وإذا لم يتثبت، سمّى ذلك وضوح رؤية. وإذا رفض الإنصات، سمّى ذلك ثباتًا على المبدأ. وإذا أغلق الباب أمام أدوات جديدة لاختبار أفكاره، سمّى ذلك حفاظًا على الأصالة. وهكذا يتحول الخوف من المراجعة إلى قيمة أخلاقية، ويصبح الامتناع عن الاختبار دليلًا على التفوق لا على القلق.
وقد غذّى الفضاء الرقمي هذه النزعة أكثر مما صنعها. فوسائل التواصل لا تكافئ التفكير المركب، بل تكافئ الجملة القاطعة، والموقف النهائي، والانحياز الصاخب. ومع الوقت يتعلم المثقف أن الاعتراف بالتعقيد لا يجلب التفاعل، وأن التواضع المعرفي أقل جاذبية من اليقين الواثق. فيصبح أسير الصورة التي صنعها لنفسه، ويخشى كل ما قد يهزها، ولو كان أداة تساعده على التفكير بصورة أفضل.
لذلك لا يكفي أن نسأل: لماذا فشل السياسيون؟ ولماذا انخدع الشعب؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: أين كانت النخبة حين كان الوعي العام يتآكل؟ هل ساعدت الناس على الفهم، أم دفعتهم إلى مزيد من الاصطفاف؟ هل قاومت الشعبوية، أم أنتجت شعبوية أكثر أناقة، ترتدي لغة الثقافة بدل لغة الشارع؟
النخبة التي تطالب المجتمع بالمراجعة مطالبة قبل غيرها بأن تراجع نفسها. والمثقف الذي يدعو الناس إلى مساءلة أوهامهم، لا يحق له أن يحصّن أوهامه الخاصة باسم الذكاء، أو الخبرة، أو الأصالة.
فليست الأصالة أن ترفض الأدوات الجديدة، بل أن تظل قادرًا على التفكير الحر مهما تغيرت الأدوات. وليست الشجاعة أن تثق بعقلك إلى حد الاكتفاء به، بل أن تثق به إلى الحد الذي يجعلك لا تخاف من اختباره.
وأختم بدعوة صادقة إلى الكتاب والمثقفين: استعينوا بالذكاء الاصطناعي، رفقا بأنفسكم وبقرائكم وبخصومكم.
رفقا بأنفسكم، كي تعرضوا أفكاركم على محك يكشف تحيزاتكم قبل أن يكشفها غيركم، وينقي نصوصكم من التناقض والمغالطة قبل أن تخرج إلى الناس.
ورفقا بقرائكم، فهم يستحقون حججا أقوى وأكثر تماسكا، لا انفعالات متعجلة تزيد الغبار غبارا.
ورفقا بخصومكم، فإن نقدا محكما منصفا أكرم لهم — ولكم — من تجريح متهافت.
ليست الأداة بديلا عن عقولكم، بل مرآة لها. وكلما ارتفع تماسك ما نكتب، ارتفع معه الوعي العام، وضاقت مساحة التفكير المعوج. وتلك، في النهاية، وظيفة المثقف التي بها بدأنا: أن يرتفع بالناس، لا أن ينزل بهم. والذكاء الاصطناعي أداة للارتفاع.