دعا محمد عبو مؤخّرًا نخب المعارضة إلى ما سمّاه الجلوس حول طاولة واحدة، قائلًا إنّ المطلوب اليوم “ليس الاتفاق على حكومة مشتركة أو دستور جديد أو برنامج اقتصادي موحّد، وإنما الاتفاق على كيفية إخراج تونس من أزمتها الحالية ووضع حدّ لحالة الانسداد السياسي”. دعوةٌ تبدو في ظاهرها نداءً وطنيًا جامعًا. لكنها تصطدم فورًا بسؤالٍ لا مفرّ منه: هل سيجلس عبو إلى الطاولة نفسها مع حركة النهضة — الفاعل الأساسي في المعارضة التونسية حتى اللحظة — وهي التي ظلّ هو نفسه يصفها بـ”الفساد” و”الإجرام” و”موت الضمير”؟ أيجلس مع من يراهم مجرمين وفاسدين؟ ألا يرى نفسه في تناقض يستوجب التوضيح؟

وبدايةً: ليست المفارقة في السياسة عيبًا في ذاتها، فالمواقف تتطوّر والرجال يراجعون. لكنّ توجد مواقف لا يمحو ضررَها البالغ مجردُ التراجع عنها، بل تحتاج إلى خطواتٍ أشجع بكثير من كلمة اعتذارٍ أو مراجعةٍ عابرة. وثمّة دعواتٌ يصعب أن تجد طريقها إلى القلوب لمجرّد صدورها، حين لا يجد القارئ في قائلها القدوة ولا النموذج الذي يبرّر النداء. ودعوة عبو إلى التكاتف تثير هذا السؤال بإلحاح: فهي لا تُناقَش لأنها خاطئة في ذاتها، بل لأنها صادرة عمّن أمضى سنواتٍ في تسعير الخصومة التي يطلب اليوم تجاوزها.

وصمةٌ بلا دليل منشور

لنبدأ من جوهر المسألة. لم يكتفِ عبو، حين كان وزيرًا مكلفًا بالحوكمة ومكافحة الفساد في حكومة إلياس الفخفاخ، بإحالة ملفٍّ على النيابة العامة يتعلق بامتلاك النهضة لأربع قنوات تلفزيونية. هذا الفعل، في ذاته، مشروع ومن صميم وظيفته. المشكلة في ما رافقه وما تلاه: حملة تعميمٍ وتجريمٍ إعلامية وسياسية تقول إنّ “ضمير الحركة مات”، وإنّ قياداتها “تحوّلوا من مناضلين إلى منحرفين”، وإنهم “دمّروا البلاد”.

وهنا وقع الانحراف الخطير الذي لا يجوز أن يصدر عن محامٍ ووزير مكلّف بمكافحة الفساد. فحين سُئل عن دليله على التبييض، كان جوابه عموميات فضفاضة ثم تحدث عن أنّ الإعلانات التي تبثّها تلك القنوات “لا يمكن أن تغطّي مصاريفها، وهذه قرينة قطعية”. والحال أن القنوات تعمل بالخسارة في كل بلاد الدنيا، وتموَّل من ملّاكها أو من مستثمرين أو من قروض، وامتلاك سياسيين أو محسوبين على أحزاب لحصصٍ إعلامية ظاهرة عابرة للأحزاب لا يجرّمها القانون التونسي. ونبيل القروي ملك قناة وترشّح للرئاسة. فالعبرة ليست في الملكية، بل في إثبات مصدرٍ غير مشروع للتمويل — وهو بالضبط ما لم يقدّمه عبو. بل قدّم استنتاجًا، وألبسه ثوب اليقين.

ولم يكن خصومه وحدهم من لاحظ هذا الخلل. الردّ جاء مباشرًا: عبو لم يقدّم دلائل أو قرائن تُثبت ما ادّعى، وإحالة الملف إلى القضاء ليست دليل إدانة، وهو لا يملك أن يلعب دور القاضي. ثم ذهبت الحركة إلى أبعد من ذلك، فرفعت ضده دعوى “الادّعاء بالباطل”. أيًّا كان تقييمنا لهذه الدعوى، فإنها تذكّرنا بالقاعدة التي تجاهلها عبو: أنّ مكان الفصل في تهمة الفساد هو القضاء وحده، بعد محاكمةٍ عادلة وحكمٍ باتّ، لا منبر الندوة الصحفية ولا أستوديو القناة. وليست هذه قاعدةً نُسقطها عليه من خارجه؛ فهي — كما سنرى — القاعدة التي سيقرّرها هو نفسه بأوضح العبارات، حين يصبح في موقع المدافع عن متّهمين يراهم ضحايا.

والمفارقة أنّ عبو نفسه يعرف هذه القاعدة جيّدًا، ويُحسن صياغتها بأبلغ عبارة حين يكون في موقع المدافع لا المهاجم. فقد كتب — معلّقًا على محاكمات ما عُرف بملفّ “الجهاز السري” — كلامًا يقرّر فيه مبدأً سليمًا لا غبار عليه: أنّ القضية ذات البُعد السياسي لا يُوثَق بحكمها ما دام القضاء غير مستقلّ، وأنّ ثمّة فرقًا جوهريًا بين “تأكيد سردية” مسبقة و”كشف الحقيقة”، وأنّ الحقيقة لا تثبت إلا أمام قضاةٍ مستقلّين نزهاء لا تجرؤ أيّ جهة على التأثير فيهم، بل أعلن أنه أوقف متابعة شكاياتٍ سبق أن قدّمها، رفضًا للمحاكمات الصورية. كلامٌ دقيقٌ ومنصف. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه: أين كان هذا المعيار حين اتهم هو النهضة بالتبييض والإجرام؟ المبدأ الذي يطالب اليوم بتطبيقه لحماية متّهمين يراهم ضحايا، هو نفسه المبدأ الذي داسه بالأمس حين نصّب نفسه مدّعيًا وقاضيًا وأصدر حكمه الإعلامي قبل أن ينطق قضاءٌ بشيء. فإمّا أن يكون التجريم قبل المحاكمة العادلة باطلًا دائمًا، وإمّا أن يكون جائزًا دائمًا؛ أمّا أن يبطل حين يكون عبو في قفص الاتهام ويصحّ حين يكون هو المتّهِم، فذلك هو جوهر ازدواجية المعيار.

خلطُ الصفة: حين يرتدي الوزير عباءة الادّعاء

النقطة الثانية أخطر، لأنها تمسّ بنية الدولة لا أشخاصها. الرجل محامٍ، ويعرف تمامًا الفرق بين القرينة والدليل، وبين الشبهة والإدانة، وبين الإحالة والحكم. ومع ذلك اختار أن يُصدر أحكام إدانةٍ إعلامية مسبقة بصيغة الجزم، وهي تقوّض قرينة البراءة التي هي حجر الأساس في كل نظامٍ قانوني محترم.

وقيل له هذا صراحةً في حينه: إنّ موقعه كان يقتضي أن يُمكّن المؤسسات الرقابية من أداء دورها، لا أن “يتقمّص دور المحامي” الذي يترافع ويتّهم ويحكم. فحين يتحوّل المسؤول الموكَل إليه حماية النزاهة إلى خصمٍ سياسيّ يوزّع صكوك التجريم، فإنه لا يضرّ خصمه فحسب، بل يضرب مصداقية الجهاز الذي يُفترض أنه يحرسه. والنزاهة لا تُبنى بأدوات الخصومة، والمحاسبة لا تُؤسَّس على التشهير.

جبهةٌ واحدة بوجهين

ثمّة ملاحظةٌ لا يمكن للمحلّل أن يتغافل عنها. فخصومة عبو مع النهضة لم تكن مسارًا فرديًا منعزلًا، بل جرت بالتوازي مع مسارٍ آخر تحت قبّة البرلمان. ففي الوقت الذي كان فيه محمد عبو يخوض المعركة من موقعه التنفيذي والقانوني، كانت زوجته النائبة سامية عبو في طليعة المواجهة مع رئيس البرلمان راشد الغنوشي، حتى إنها هي من أعلنت تجاوز عريضة سحب الثقة منه عتبة المائة نائب، على خلفية ما وصفته بالتجاوزات الخطيرة في إدارته للمجلس.

لا أزعم توزيعًا متعمّدًا للأدوار، ولا أُسند مواقف نائبةٍ مستقلّة بصفتها التمثيلية إلى زوجها؛ فلكلٍّ ذمّته وموقعه. لكنّ القارئ الذي يتابع المشهد يصعب عليه ألّا يلاحظ أنّ بيتًا سياسيًا واحدًا أنتج، في الآن نفسه، أحدّ خطابين في خصومة النهضة: واحدٌ من بوّابة الحكومة وملفات الفساد، وآخر من منصّة البرلمان وحملات سحب الثقة. وأنّ هذا التطابق في الوجهة، مهما اختلفت المواقع، يضع علامة استفهامٍ مشروعة حول طبيعة المسافة التي يطلب منّا عبو اليوم أن نصدّق أنها تفصله عن خصمٍ يدعونا للجلوس معه على طاولة واحدة.

ازدواجية المعيار: الصرامة مع الخصم، التساهل مع الحليف

وهنا المفارقة الكبرى، التي تُدين عبو بمنطقه هو، لا بمنطق خصومه. ففي الوقت الذي شدّد فيه أقصى الشدّة في ملاحقة “فساد” النهضة استنادًا إلى قرائن استنتاجية، كان موقفه من شبهة الفساد التي طالت حليفه ورئيس حكومته إلياس الفخفاخ مختلفًا تمامًا.

وللتذكير، فملف الفخفاخ لم يكن صناعة عبو ولا النهضة. بل كان مصدره النائب ياسين العياري، الذي رفع القضية وعرض الوثائق ونشر الشكاية الجزائية بنفسه. والجهة التي تحرّكت رسميًا هي الهيئة الوطنية المستقلة لمكافحة الفساد برئاسة شوقي الطبيب، التي أحالت على القطب القضائي الاقتصادي والمالي تقريرًا يتعلق بشبهات تضارب مصالح وفساد مالي حول شركاتٍ يملك الفخفاخ مساهماتٍ فيها. وحين تأكّدت الشبهة، كان حزب عبو يدافع عن الفخفاخ إلى آخر رمق، حتى وجد نفسه مدافعًا عن الشبهة نفسها التي رفع شعار محاربتها. أمّا الفخفاخ، فقد ردّ على الجهاز الرقابي بإقالة رئيس الهيئة في آخر ساعاته الحكومية — في خطوةٍ وُصفت بالتشفّي والانتقام من جهازٍ أدّى واجبه.

فلننظر إلى الصورة مكتملة: صرامةٌ بلا حدود حين يكون المتّهم هو الخصم الأيديولوجي، ولينٌ وتبريرٌ حين يكون المعنيّ هو الحليف الحزبي. هذه ليست مكافحة فساد؛ هذه خصومةٌ تستعير لغة مكافحة الفساد.

ثم اكتملت المفارقة بعد سنوات، حين حلّ قيس سعيّد المجلس الأعلى للقضاء بدعوى وجود قضاة فاسدين، وانبرى عبو معترضًا بأنّ الرئيس “مرّت عليه سبعة أشهر ولم يقدّم ضدهم أيّ ملف فساد”، وأنه “يتكلّم من فراغ”. معيارٌ سليمٌ تمامًا: لا اتهام بلا ملف، ولا إدانة بلا دليل. لكنه المعيار نفسه الذي لم يلتزم به هو حين رمى النهضة بالتبييض والإجرام اعتمادًا على “قرينة قطعية” مصنوعة من استنتاج.

استنتاجٌ لا بدّ من قوله

لم يكن الموقع الذي تولّاه عبو منصبًا عاديًا، بل منصبا حسّاسا تمرّ عبره كبرى ملفات الفساد في البلاد. ومن يجلس في هذا الموقع يملك مفاتيح الوصول إلى معطيات الدولة ووثائقها وتقاريرها. وحين نرى الاستعمال الانتقائي لهذه المعطيات — صرامة في وجهة، وتغاضٍ في وجهةٍ أخرى — يصبح من المشروع أن تثار شبهة توظيف الجهاز العام في معركةٍ حزبية ضد خصمٍ بعينه.

الثورة المغدورة: خطاب القانون والنظافة الممهد للانقلاب

أبهظ ثمنٍ دفعه المسار الديمقراطي التونسي هو أن الثورة التي رفعت شعار الحرية والكرامة وُئدت، والانتقال الديمقراطي الذي بُني بعدها بعرق التونسيين انهار في لحظةٍ واحدة. ولم يكن هذا الانهيار قدرًا نازلًا من السماء، بل مهّدت له سنواتٌ من تجريف الثقة في المؤسسة المنتخبة، حتى صار التونسي مستعدًّا لأن يبارك من يطيح بها.

وهنا يقع موضع المسؤولية الذي لا ينبغي أن يُغفَل: حين يتولّى خصمٌ سياسيّ اتهام أكبر قوة منتخبة بـ”الفساد” و”الإجرام”، لا بخطابٍ سياسيّ يُردّ عليه بخطابٍ سياسيّ، بل بخطابٍ قانونيّ تجريميّ يُلبس الخصومةَ ثوبَ الحقيقة القضائية الثابتة، فإنه يصنع المناخ الذي يجعل الانقلاب على الشرعية يبدو “تطهيرًا” لا اغتصابًا للسلطة. ويمكن القول إنّ هذا النوع من الخطاب التجريميّ ساهم، مع عواملَ أخرى كثيرة، في تهيئة الأرضية التي سهّلت تقبّل إجراءات 25 يوليو لدى جزءٍ من الرأي العام — وهي المفارقة التي ارتدّت في النهاية على عبو نفسه وحزبه، اللذين وجدا نفسيهما بعد ذلك التاريخ في صفّ الضحايا لا المنتصرين. ومن يساهم في إضعاف السقف، لا ينبغي أن يتفاجأ حين يقع الركام عليه هو أيضًا.

وهذا تحديدًا ما يجعل التراجع وحده غير كافٍ. فمن أسهم في تهيئة الأرض لانقلابٍ ابتلع الثورة، لا يكفيه أن يقول اليوم “لو عاد بي الزمن لما طالبت بتفعيل الفصل 80”؛ لأنّ الضرر تجاوز مرحلة الكلمات إلى مرحلة الوقائع المنجزة. المطلوب أعمق من المراجعة اللفظية: مصارحةٌ كاملة بطبيعة ما جرى، واعترافٌ صريح بأنّ تحويل الخصومة السياسية إلى تهمٍ جنائية كان خطأً تأسيسيًا، لا مجرّد تكتيكٍ جانبته الصواب.

التناقض الذي لا يُرمَّم

نعود الآن إلى الطاولة التي يدعو إليها عبو اليوم. هو يطلب من النخب التوافق على “كيفية إخراج تونس من أزمتها”، ويقول إنّ المطلوب توافقٌ ظرفيّ لا تحالفٌ دائم. وهو كلامٌ سليمٌ في ظاهره. لكنه يصطدم بجدارٍ مِن صُنع يده: فإمّا أن تكون النهضة شريكًا سياسيًا تُحترم شرعيته ويُجلَس معه، وعندها وجب عليه أن يسحب وصمة “الإجرام” التي ألصقها بها، أو يقدّم أخيرًا الأدلّة التي لم يقدّمها يومًا؛ وإمّا أن تظلّ في نظره عصابةً “ماتت ضمائرها” و”يجب القبض على مئاتٍ من قادتها”، وعندها تسقط دعوة التكاتف من أساسها، إذ لا يُدعى المجرمون إلى طاولة إنقاذ الوطن.

وقد يقول قائل — وهو اعتراضٌ يُرفع كثيرًا — إنّ هذا ليس وقت نبش الماضي ولا تصفية الحسابات، وإنّ المرحلة تقتضي طيّ الصفحة وتجاوز الخلافات القديمة، فالخطر الداهم على الجميع واحد، والاصطفاف ضدّ الاستبداد أولى من محاسبة رجلٍ على مواقف مضت. وهو كلامٌ في ظاهره وجيه، لكنّه يخلط بين أمرين: بين العفو الذي يُمنح لمن يعترف ويراجع، وبين التغاضي الذي يُطلب لمن يصرّ ويكرّر. ليس المطلوب إقصاء عبو من المشهد، ولا ردّ دعوته لمجرّد شخصه؛ بل دعوة إلى ما هو شرطٌ لنجاح دعوته نفسها. فطيّ الصفحة لا يكون بالقفز فوقها، بل بقراءتها أولًا والاعتراف بما فيها. ومن يطلب من الآخرين أن يتجاوزوا، عليه هو أن يبدأ بالتجاوز الصادق: لا أن يطوي صفحة اتهاماته في صمت، بل أن يواجهها صراحةً. وإلّا فإنّ “طيّ الصفحة” المطلوب لن يكون مصالحةً، بل تبييضًا لخطأٍ لم يُعترف به أصلًا.

لا يملك عبو أن يحتفظ بالاثنين معًا. ومأزقه ليس في أنه عارض النهضة — فالمعارضة حقّ، وليس هنا محل النزاع — بل في أنه عارضها بأدوات التجريم لا بأدوات السياسة، وبلغة القضاء لا بحجج الخصم، وبمكيالين لا بمكيالٍ واحد. وهذا تحديدًا ما دمّر مصداقية دعوته.

من أراد أن يكون جامعًا للصفّ، لا يصحّ أن يكون قد أمضى سنواتٍ في تمزيقه؛ ومن أراد أن يُصدّقه الناس حين يدعو إلى دولة القانون، عليه أولًا أن يكون قد احترم القانون حين كان الخصم في قبضته.

واستعادة المصداقية لا تمرّ عبر دعوةٍ جديدة إلى التكاتف، بل عبر شجاعةٍ (تهرب منها في حواره الأخير مع تونس ميديا) في مواجهة الذات قبل مواجهة الخصوم: أن يعترف صاحب الدعوة بأنّ بعض ما قاله لم يكن خلافًا في الرأي، بل ظلمًا في حقّ خصمٍ وفي حقّ مسارٍ وطنيّ بأكمله. عند تلك اللحظة وحدها — لحظة المصارحة لا المناورة — يستعيد النداء معناه، وتصبح الطاولة التي يدعو إليها جديرةً بأن يجلس إليها الجميع.