كلما رحل كاتب أو مثقف، تذكرت أن الموت لا ينتظر أحدًا، ولا يفرّق بين من أنهى مشروعه ومن كان لا يزال في أول الطريق. نظن أن أمامنا سنوات طويلة لنكتب، ونراجع، ونصحح، ونكمل ما بدأناه، ثم يأتي الموت ليضع نقطة النهاية في موضع لم يختره صاحبه.

صابر النفزاوي كان غزير الكتابة، واضح الانشغال بقضايا الفكر والدين، ويكتب بعقل منشغل بمشروع يريد أن يبلغه ويدافع عنه. وقد يختلف المرء مع هذا المشروع أو يتفق، لكن من الإنصاف ألا نساوي بين من بذل سنوات في القراءة والكتابة وبناء رؤية متماسكة، وبين من لا يعرف سوى الشتم أو إطلاق الأحكام السريعة. فالإنتاج الفكري، في حد ذاته، قيمة تستحق الاحترام، لأنه يثري النقاش العام ويدفع الآخرين إلى التفكير، حتى عندما يدفعهم إلى الاختلاف.

ما يؤسف أكثر هو أن صابر عاش في سياق تونسي يعاني أزمة حقيقية في القراءة. فكثيرون يمدحون الكاتب دون أن يقرأوا له، وكثيرون يهاجمونه بالطريقة نفسها. يكتفون بعنوان، أو بمنشور مقتطع، أو بما ينقله الأنصار والخصوم، ثم يبنون مواقفهم على ذلك. وهكذا يصبح الكاتب مشهورًا أو مكروهًا لأسباب لا علاقة لها بما كتب فعلًا. وهذه، ليست مشكلة صابر وحده، بل هي أحد مظاهر التراجع الثقافي الذي تعيشه تونس اليوم.

أما علاقتي الفكرية بصابر، فلم تكن علاقة انطباعات أو مواقف مسبقة. قرأت له بتركيز، ثم اختلفت معه، وخصصت ثلاث مقالات مطولة لنقد بعض أطروحاته، كما كتب هو أيضًا في نقد بعض آرائي. وهذا، في نظري، هو المعنى الحقيقي للنقاش الفكري: أن نقرأ أولًا، ثم نحلل ونفهم، ثم نوافق أو نعترض، لا أن نصدر الأحكام قبل الاطلاع.

أما على المستوى الفكري، فرغم محدودية التفاعل، فقد كان بيننا خلاف، انصبّ أساسًا على ما رأيته تأثرًا واضحًا بالبنية الفكرية لحزب التحرير، وعلى موقفه الرافض للديمقراطية بوصفها إطارًا سياسيًا معاصرًا، وعلى اعتماده خطابًا يقوم على المفاصلة العقدية أكثر من التفاعل مع تعقيدات الواقع (مقاربة سيد قطب).

كما انتقدت قراءته لخطاب الهوية، وما اعتبرته ميلًا إلى اختزال تيارات فكرية وسياسية متنوعة في تصنيفات أيديولوجية عامة، دون التمييز بين مدارسها وتجاربها المختلفة، وهو ما ظهر أيضًا في تناوله للديمقراطية الاجتماعية وغيرها من التيارات.

كذلك ناقشت منهجه في قراءة الواقع السياسي والفكري، ورأيت أنه ينتهي في كثير من الأحيان إلى أحكام كلية لا تمنح ما يكفي من الاعتبار للتاريخ، والسياق، وتنوع التجارب الإنسانية.

وقد خصصت لهذه القضايا ثلاث مقالات مطولة، كما كتب هو أيضًا في الرد عليّ، فكان بيننا حوار فكري حقيقي، لا مجرد تبادل للمواقف أو الأحكام.

رحم الله صابر النفزاوي، وغفر له. ولعل في رحيله تذكرة لنا جميعًا: أن أعمارنا أقصر من مشاريعنا، وأن ما يبقى من الإنسان، بعد رحيله، هو أثره، وما تركه من قول أو فكر أو عمل.