سألني صديقي: ما حدود هذا المثقف في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لابتكار فكرة، أو بحثا عن حجة دفاعا، أو ردا على غيره؟ وأين وصلت مسألة الحسم في ملكية الفكرة المستنبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي؟
فأجبت:
لنتفق أولا على معنى الابتكار. هل تأتي الفكرة من فراغ؟ وهل يوجد إنسان يخلق فكرة من العدم؟
أغلب ما نسميه “إبداعًا” هو إعادة تركيب لعناصر موجودة أصلا: قراءة، وتجربة، وملاحظة، وحوار، وربط بين أفكار متباعدة لم يكن الربط بينها ظاهرًا من قبل. حتى أعظم المفكرين كانوا يبنون على من سبقهم. ولهذا قال نيوتن: “إذا كنتُ قد رأيت أبعد، فلأنني وقفت على أكتاف العمالقة”.
والذكاء الاصطناعي لا يغيّر هذه الحقيقة، بل يسرّع بعض مراحلها. فهو يقترح، ويقارن، ويذكّر، ويعرض اعتراضات، ويربط بين مراجع قد لا تخطر في البال. لكنه لا يقرر ما الذي يستحق أن يُقال، ولا لماذا يُقال، ولا يتحمل مسؤوليته الأخلاقية أو الفكرية. تلك تبقى وظيفة الإنسان. ميزته الأساسية هي كمية المعلومات الضخمة التي يمكنه معالجتها.
لذلك، لا أرى أن السؤال الحقيقي هو: هل جاءت الفكرة من الذكاء الاصطناعي أم من الإنسان؟ بل: من الذي مارس الحكم العقلي عليها؟ من الذي اختارها من بين عشرات البدائل، وربطها بسياقها، وصقلها، ودافع عنها، ويتحمل مسؤوليتها أمام الناس؟
أما مسألة ملكية الفكرة، فأميل إلى أن الفكرة لا تصبح ملكًا لأحد لأنها خطرت له أولًا، بل لأنها صيغت ضمن رؤية متماسكة وأصبحت جزءًا من بناء فكري يتحمل صاحبه مسؤوليته.
الذكاء الاصطناعي قد يقترح عليك فكرة، كما قد يقترحها صديق، أو كتاب، أو محاضر، أو خصم. لكن مجرد الاقتراح ليس إبداعا.
الإبداع هو أن تعرف ماذا تفعل بهذا الاقتراح، وأين تضعه ضمن رؤية متماسكة.