في إحدى مهامي، عرضتُ على أحد العملاء وثيقةَ «ملخَّص المتطلبات» التي كنتُ قد أعددتُها، بعد جلستين من الاستماع والاستفسار. كنّا قد اتفقنا على أن نمرَّ بالوثيقة فصلاً فصلاً. ما إن فُتحت الصفحة الأولى حتى قاطعني قائلاً: «المقدِّمة، نتجاوزها. السياق، نتجاوزه. العوامل المؤثِّرة، نتجاوزها. كلُّ هذا كلامٌ زائد. أنا أريد أن أرى المتطلبات والحلَّ المقترح.»

ساد صمتٌ قصير. لم يكن صمتَ امتعاضٍ، بل صمتَ تأمُّل، لأنّي رأيتُ في كلمته شيئاً أعمقَ ممّا كان يقصده. ابتسمتُ، وأجبتُه بما معناه: «أعرف أنّي أُطيل أحياناً. لكن لنُنفق خمس دقائق فقط في قراءة هاتين الفقرتين بصوتٍ مسموع، ثم ننتقل إلى ما تريد. لا يوجد متطلَّبٌ واحد يُفهم خارج سياقه، خصوصاً لقرّاءٍ لن تكون لهم معرفتُك الحميمة بالملف. هذه الوثيقة، بمقدِّمتها وسياقها، هي أنت كما ستظهر أمام اللجنة التوجيهية.»

اعتذر عن مقاطعته — «لم أقصد إساءةً ولا تقليلاً من شأن عملك» — وقرأنا الفقرتين معاً. لكن ليس الاعتذار ما علَق في ذهني. ما علَق هو البداهة التي جعلته، قبل دقيقة واحدة، يصف بـ«الكلام الزائد» ما كان في الحقيقة الجزءَ الأصعبَ والأعمقَ والأكثرَ تشكيلاً في عملي كلِّه. وما علَق أكثر من ذلك، أنّي لم أستطع أن أؤاخذه. لم يكن في كلامه أيُّ سوء. كان يقول، بصدق، ما يفكِّر فيه كثيرون ويتحرَّج معظمُهم من قوله بهذه الصراحة: أنّ قيمة المحلِّل تُقاس بكمِّ المعلومات النافعة التي يستخرجها، وأنّ كلَّ ما عدا ذلك — التأطير، ووضع الأمور في منظورها، وبناء المعنى — مجرَّدُ زخرفة.

هذا المشهد ليس استثناءً. إنّه الصيغة المركَّزة لسوء فهمٍ يخترق المهنة بأسرها، وهو سوءُ فهمٍ — كما أودُّ أن أُبرهن في هذا المقال — صنعناه نحن، محلِّلي الأعمال، بأيدينا.

مهنةٌ قبلت أن تُعرَّف بآثارها

حين تسأل طبيباً عمّا يفعل، لا يجيبك بأنّه يكتب الوصفات. وحين تسأل مهندساً معمارياً عمّا يفعل، لا يقول لك إنّه يرسم المخطَّطات. الوصفات والمخطَّطات موجودة، وهي ضرورية، لكن لا أحد من هؤلاء يقبل أن تُختزل مهنتُه فيها. هم يعرفون ذلك، ومن حولهم يعرفه معهم.

اسأل محلِّلَ أعمال عمّا يفعل. اقرأ توصيفات الوظائف. تصفَّح الشهادات المهنية. افتح دليلَ BABOK. ستجد في كلِّ مكانٍ الشيءَ نفسَه: قائمةً من المخرَجات والتقنيات والوثائق. خطّة تحليل الأعمال. وثيقة متطلبات العمل. حالات الاستخدام. مصفوفة التتبُّع. معايير القبول. توصَفُ المهنة كما يوصَفُ خطُّ إنتاجٍ في مصنع: بما يخرج منها.

هذه الطريقة في تعريف الذات ليست وليدة الصدفة. لها تاريخ. وُلدت من جهدٍ مشروع بذلته المهنة لتنال شرعيتَها داخل مؤسَّساتٍ لم تكن تفهم ماذا يفعل هؤلاء الناس الغرباء، الذين ليسوا تماماً تقنيِّين ولا تماماً إداريِّين، والذين يقضون أيَّامهم في الاجتماعات ويُنتجون وثائقَ لا يقرؤها أحدٌ حتى نهايتها. كان لا بدَّ من إثبات الوجود. ولإثبات الوجود، كان لا بدَّ من مخرَجات. وللمخرَجات، كان لا بدَّ من معايير. هكذا وُلدت BABOK والشهادات والمنهجيات: من حاجةٍ مشروعة إلى الظهور.

غير أنّ ما بدأ استراتيجيةً للاعتراف، صار في النهاية تعريفاً للذات. ومن كثرة قولنا إنّنا نُنتج وثائقَ ومخرَجات، انتهينا إلى أن نصدِّق — ونُصدِّقَ معنا الآخرين — أنّ هذا هو حقيقةُ مهنتنا. قبلنا أن نُختزل في آثارنا. وحين يقول لنا عميلٌ إنّ المقدِّمة والسياق «كلامٌ زائد»، فهو لا يفعل سوى أن يعيد، بصيغةٍ أكثرَ حدّةً، التعريفَ الذي بعناه له نحن.

الفخُّ ينغلق

كان لهذا الخيار ثمنٌ خفيٌّ، لا يظهر بجلاءٍ إلا اليوم. مهنةٌ تُعرِّف نفسها بما تُنتجه، تحكم على نفسها بأن تُعاد صياغتُها كلَّما ظهرت تقنيةٌ قادرةٌ على إنتاج الشيء نفسه. إن كانت مهنتي هي كتابة المواصفات، فإنّ مهنتي تتلاشى يوم تكتب آلةٌ المواصفات. وإن كانت مهنتي هي نمذجة العمليات، فإنّها تتلاشى يوم يُنمذج نظامٌ آليٌّ العمليّاتِ من سجلات النشاط. وإن كانت مهنتي هي ترجمة احتياجات الأعمال إلى متطلَّباتٍ تقنية، فإنّها تتلاشى يوم يقوم نموذجٌ لغويٌّ كبير بهذه الترجمة في خمس عشرة ثانية.

وهذا بالضبط ما يحدث الآن. أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تهدِّد تحليلَ الأعمال في ذاته. إنّها تهدِّد تحليلَ الأعمال المُعرَّفَ بمخرَجاته. تفعل بالضبط ما كان هذا التعريف يصفها بفعله. هي النتيجة المنطقية لفهمِ ذاتٍ أخطأ موضوعَه.

الذكاء الاصطناعي لا يُحوِّل مهنةَ تحليل الأعمال. إنّما يكشف أنّ جزءاً كبيراً ممّا كنّا نسمِّيه «مهنتنا» لم يكن في الحقيقة جوهرَها.

لا أقول هذا لأُضيف هلعاً جديداً إلى مهنةٍ يكفيها ما فيها من قلق. أقوله لأنّ المخرج ليس في سباقٍ تقنيٍّ نحاول فيه أن نظلَّ أسرعَ من الآلة — وهو سباقٌ خاسرٌ سلفاً — بل في عودةٍ إلى السؤال الذي كففنا عن طرحه: ماذا نفعل في الحقيقة، حين نُحسن عملَنا؟

أربعةُ أوهامٍ ينبغي تبديدُها

قبل محاولة الإجابة، لا بدَّ من إزاحة أربع صورٍ تحتلُّ المشهد وتمنعنا من التفكير.

تحليل الأعمال ليس، أوّلاً، عملاً توثيقيّاً. التوثيق ناتجٌ عَرَضيٌّ. هو ما يبقى بعد أن يُنجَزَ العمل. والخلطُ بينه وبين العمل هو خلطٌ بين صورة الطعام والطعام نفسه. والدليل بسيط: أفضلُ لحظات التحليل — تلك التي يبزغ فيها الفهم، حين يرى صاحبُ المصلحة لأوَّل مرَّة ما كان يريد — لا تُوثَّق في الغالب. تحدث في الممرّ، أو في دقيقةٍ صامتة في نهاية اجتماع، أو في جملةٍ قالها أحدهم دون أن يُدرك وزنها. التوثيق يأتي بعد ذلك، كأثرٍ لما حدث، لا كحدثٍ في نفسه.

وتحليل الأعمال ليس، ثانياً، عملَ ترجمةٍ تقنية. الصورة عنيدة: المحلِّل ترجمانٌ بين لغتين، لغة الأعمال ولغة المعلوماتية. لكنّ هذه الصورة خاطئةٌ من وجهين. خاطئةٌ لأنّها تفترض أنّ كلا الطرفين يعرف ما يريد قولَه، وأنّ الأمر مجرَّد نقلٍ بين لغتين. والحال أنّه في معظم المشاريع الجدّية، الطرفان لا يعرفان. الأعمالُ لا تعرف بدقّةٍ ما تريد، لأنّ ما تريده لم يولَدْ بعدُ. والتقنية لا تعرف بدقّةٍ ما هو ممكن، لأنّ الإمكانَ يتوقَّفُ على خياراتٍ لم تُتَّخَذْ بعد. لا يوجد ما يُترجَم، لأنّه لا يوجد نصٌّ بعد. العملُ هو إخراجُ هذا النصِّ إلى الوجود، معاً. وهذا ليس ترجمةً؛ هو ولادة.

وتحليل الأعمال ليس، ثالثاً، وظيفةَ وَصْل. كلمة «وَصْل» تكشف حقيقةَ الوهم: هي تصف سطحَ تماسٍّ سلبيّاً بين نظامين هما اللذان يقومان بالعمل الحقيقيّ. وحين نختزل المحلِّل إلى مجرَّدِ وَصْل، فإنّنا نُقرُّ بأنّه لا يُنتج شيئاً بنفسه، بل هو قناةُ تواصلٍ، أداةُ نقل. وهذا، بالمناسبة، ما تفعله المؤسَّسات حين تريد التوفير: تحذف الوَصْلَ وتترك الأنظمة تتحدَّث مباشرة. لو كنّا حقّاً مجرَّدَ وَصْل، لاستحققنا الحذف. وكوننا لم نُحذَفْ — لم نُحذَفْ بعدُ — يوحي بأنّنا شيءٌ آخر. يبقى أن نقول ما هو هذا الشيء.

وتحليل الأعمال ليس، أخيراً، خبرةً منهجية. معرفةُ BABOK لا تجعل من صاحبها محلِّلاً، كما أنّ معرفةَ قانون السير لا تجعل من صاحبها سائقاً. المنهج أداة، وكلُّ أداةٍ تستلزم حكماً سابقاً عليها: متى تُستعمَل، وكيف تُكيَّف، ومتى يُستغنى عنها. المحلِّلُ الذي يحتمي بمنهجه محلِّلٌ لم يبدأ التحليل بعد. الشهاداتُ تشهد بمعرفة؛ لكنّها لا تشهد بتمييز. والتمييز هو ما يصنع المهنة.

نحو تعريفٍ آخر

إن لم يكن تحليل الأعمال توثيقاً، ولا ترجمةً، ولا وَصْلاً، ولا منهجاً، فما هو إذن؟

أقترحُ إجابةً قد تبدو غريبةً في نصٍّ مهنيّ: تحليل الأعمال ضربٌ من الانتباه المنضبط. هو أن تنظر إلى وضعٍ تنظيميٍّ مركَّب — حيث يسعى بشرٌ ذوو مصالح متباينة، وفهومٍ جزئية، ومخاوفَ غيرِ مُعلَنة، إلى أن يُحوِّلوا معاً جزءاً من الواقع — وأن تُميِّزَ في هذا الوضع ما ينبغي فعلُه، وما يمكن فعلُه، وما لا ينبغي أن يُفعَل. كلُّ ما عدا ذلك — الوثائق والرسوم وورش العمل والمناهج — في خدمة هذا الانتباه. هي وسائل. والانتباه هو الغاية.

ولهذا التعريف نتائج. أوّلُها أنّ جودةَ المحلِّل لا تُقاس بكمِّ مخرَجاته، بل بصواب نظره. المحلِّل الجيِّد يرى ما لا يراه الآخرون بعدُ، أو ما يرفضون أن يروه، أو ما لا يجدون كلماتٍ ليقولوه. يجعل المرئيَّ ما كان مبهماً. ويجعل القابلَ للتسمية ما كان ملتبساً. ويجعل القابلَ للحسم ما كان معلَّقاً.

والنتيجة الثانية أنّ هذا العمل بالذات لن يقوم به الذكاءُ الاصطناعيُّ مكانَنا. لا لأنّه عاجزٌ عنه تقنيّاً — فهذا نقاشٌ مفتوح — بل لأنّه يستلزم حضوراً موضعيّاً، والتزاماً أخلاقيّاً، ومسؤوليةً عن الحكم، لا تُفوَّض إلى نظامٍ آليّ. يكفي الآن أن نلاحظ أنّ التهديد التقنيَّ لا يطال إلا التعريفَ المُنقَّصَ للمهنة. أمّا المهنةُ في حقيقتها، فلا يطالها.

والنتيجة الثالثة، وهي ربَّما الأصعب، أنّ هذا التعريف يعصى على التحوُّل بسهولةٍ إلى شبكة تقييم، أو إطار كفاءات، أو توصيف وظيفة. يُقاومُ القالبَ الإداريَّ. وهذا عيبٌ عمليٌّ، ولعلَّ هذا هو السبب الذي جعل المهنةَ لا تتبنّاه. لكنَّ تعريفاً يقبل أن يُوضَع في خانات، هو تعريفٌ يقبل أن تحلَّ محلَّه الخانات. وهذا هو الثمن الذي دفعناه مقابل راحتنا.

العمل الذي يبدأ

إذا قبلنا أنّ تحليل الأعمال ضربٌ من الانتباه، فإنّ الأسئلة المعتادة — عن BABOK، وعن جمع المتطلبات، وعن أصحاب المصالح، وعن اختبارات القبول، وعن الذكاء الاصطناعي — تأخذُ معنىً مختلفاً. لم تعد فصولاً في كتاب تقنيٍّ. صارت استكشافاتٍ لحركةٍ واحدة، يُنظَر إليها من زوايا مختلفة.

أمّا إذا بقينا عند التعريف المعتاد — تحليل الأعمال إنتاجاً لمخرَجاتٍ مطابقةٍ لمرجعٍ معياريّ — فإنّ مهنتنا محكومٌ عليها بالزوال، لأنّ ما تُنتجه ستُنتجه أدواتٌ أخرى قريباً، أسرعَ منها وبكلفةٍ أدنى.

ما يقاوم التقادم في عمل المحلِّل ليس عمليَّةً، بل حضور. شيءٌ لا يمكن أتمتتُه لأنّه ليس فعلاً بالمعنى الحرفيّ، بل طريقةٌ في الانتباه إلى الواقع.

العميل الذي قال لي، ذلك اليوم، إنَّ المقدِّمة والسياق «كلامٌ زائد»، لم يكن مخطئاً فيما كان يراه. لكنَّ المشكلة ليست أنّه قال «كلامٌ زائد». المشكلةُ أنَّنا بنينا مهنةً تسمح له بأن يصدِّق ذلك.

هل نحن مهندسو زوالنا الخاص؟ نعم — ما دمنا نقبل أن نُعرَّفَ بما نُنتجه، لا بصواب نظرنا.