اسأل مساعداً ذكياً باللغة العربية عن تحوّلات مفهوم “المصلحة” في أصول الفقه، وستحصل غالباً على جواب سليم اللغة، منظّم الفقرات، موثّق المظهر. ثمّ اسأله من أين جاء بما قال، عندئذ يظهر ما لا تراه في الجواب: هل رجع إلى مصادر أصلاً أم صاغ لك جواباً من معرفته العامّة؟ وإن رجع، فهل استحضر النقاش العربي الذي أعطى سؤالك معناه، أم أعاد إليك بالعربية ما وجده عن الموضوع بلغاتٍ أخرى؟
هذه المسافة بين أن تُدعَم لغة وأن يُدعم البحث بها هي موضوع هذا المقال. وهي نتيجة لتقاطع فجوتَيْن هيكليتَيْن: فجوة التخصّص، إذ بُنيت كثير من أدوات البحث الأكاديمي المتخصّصة أوّلاً لعلوم بعينها، وفجوة اللغة، إذ بُنيت لمنظومة نشر تكاد تكون إنكليزية. ومَن يقع عند تقاطعهما، أي الباحث العربي في العلوم الإنسانية، لا يحظى بالمستوى نفسه من تغطية المصادر ولا من نضج الأدوات ولا من ملاءمة معايير التقييم لاحتياجاته.
ناقش كاتب هذه السطور في مقال سابق (منشور في موقعه الإلكتروني) طريقة إنتاج المداخل في مشروع الموسوعة العربية “أرابيكا”، واقترح أن يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُسوَّدة الأولى من مراجع موثوقة ليتفرّغ المتخصّص للتحقّق والتصويب والإضافة. غير أن تعقيباً قيّماً لعبد الرحمن الحاج، وهو أستاذ سابق بجامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية، في “العربي الجديد” (7/9/2026) نقل النقاش إلى ما هو أسبق: من أين ستقرأ الآلة المعرفة العربية أصلاً؟ مميّزاً بدقّة بين ما هو متاح في الشاشة، وما هو صالح للمعالجة الحاسوبية وفحص أصوله، وداعياً إلى مبادرة كُبرى لرقمنة النصوص والكتب العربية. وهذا أساسٌ لا يمكن تجاوزه.
ويبقى، إلى جانب بناء المصادر، سؤال عن قدرة الأدوات على العثور عليها وتمثيلها بأمانة، فالمعرفة العربية تغيب عن الآلة على ثلاث درجات: الأولى أنّ المصدر غير موجود في صورة تقرأها الآلة، وهذه مشكلة رقمنة. والثانية أنّ النصّ مقروء لكنّ النظام لا يعثر عليه لغياب الفهرسة الرقمية التي ترشده، أو لاحتجازه خلف قاعدة بيانات تجارية مغلقة لا توفّر منافذ برمجية تسمح للأنظمة بالوصول إليه وقراءته، وهذه مشكلة فهرسة وترخيص. والثالثة، وهي الأخفى، أن يعثر عليه النظام ثمّ يسيء تمثيله، فيلتقط المقطع غير الدالّ أو يختزل خلافاً مركّباً في تسوية مخلّة، وهذه مشكلة أدوات ومعايير تقييم.
ولا يقلّل هذا من موقع الرقمنة بل يحدّده: فهي شرط البداية الذي لا تعوّضه براعة النموذج الذكي، ومن دونها تصبح أحدث البرامج مجرّد محرّكات ذكية بلا وقود معرفي، لكنّها لا تُثمر وحدها بلا فهرسة واسترجاع وتقييم. ومن يعالج الأولى وحدها، فقد يبني ذخيرةً يصعب العثور عليها أو تُقرأ خارج سياقها. وهذه الدرجات تصف مواضع التعثّر، أمّا فجوتا التخصّص واللغة فتفسران تفاوت التعرّض لهذه المعوقات.
فجوة التخصّص
هناك فجوة في التخصّص. يقال عادة إنّ العلوم الطبيعية أيسر على الآلة، لأنّ فيها حقائق، وإنّ الإنسانية تستعصي عليها، لأنّ فيها تأويلاً، وهذا تبسيط مخلّ، فالطبيعيات تشهد خلافات ومدارس، والإنسانيات فيها وقائع وضبط للنصوص. والفارق الحقيقي في طبيعة المهام التي صُممت الأدوات لإنجازها. فالأدوات الأكثر نجاحاً اليوم تخدم مهامّ ذات بنية نمطية متكرّرة: استخراج نتيجة من ورقة تتبع بنية موحّدة تقريباً، وتتبع شبكة استشهادات منضبطة، في حقول يكون النشر فيها سريعاً ومفتوحاً ومموّلاً، وتكون مقاييس تقييمها جاهزة. أمّا حين تطلب من الأداة أن تتتبّع حجّةً تاريخيةً عبر العصور، أو مفهوماً تتبدّل دلالته بين المدارس، أو أن تميّز اعتراضاً منهجياً من اعتراض أيديولوجي، فأنت تطلب مهمّةً لم تُبنَ لأجلها، ولا يتوافر لها القدر نفسه من معايير التقييم، وحين تضعف المعايير يصعب التمييز بين تحسّن الأداء وتحسّن مظهر الإجابة. ويضاعف الأمر أنّ المستودعات المفتوحة الكُبرى تخدم مجالات تنفق عليها صناعات ضخمة، بينما الإنتاج الإنساني موزّع على ناشرين تجاريين وجدران دفع.
فجوة اللغة
وفي ما يتعلق بفجوة اللغة، الطلاقة اللغوية خادعة؛ فأن يجيبك النظام بعربية فصيحة لا يعني أنّه فحص مراجع عربية، ولا أنّ تلك المراجع حظيت بفرصة مماثلة للظهور. دعم اللغة يتعلّق بالتوليد اللغوي، ودعم البحث بها يتعلّق بما هو مفهرس وقابل للاسترجاع. وأسباب هذا معروفة في خطوطها العامّة، فجانب من الإنتاج الأكاديمي العربي لم يغادر الورق، وجانب محفوظ في صور ممسوحة لا نصّ فيها، وثالث محتجز في قواعد بيانات جامعية أو تجارية مغلقة بلا منافذ تقنية تسمح للأدوات الذكية بالوصول إليها، وتفتقر كثير من الدوريات المحكّمة إلى المعرّفات الرقمية الموحَّدة وبطاقات الفهرسة المعيارية، فتضعف فرص اكتشافها داخل محرّكات البحث العالمية، لا لضعف قيمتها، بل لأنّها غير مسجّلة تقنياً. ويبقى التعرّف الضوئي إلى الحروف العربية، وبخاصّة في المخطوط والمطبوع القديم، ينتج نصوصاً مشوّهة تفسد الاستشهاد العلمي، ولو كان المصدر نفيساً. ووزن كلّ سبب من هذه الأسباب يحتاج إلى دراسات تقيسه بدقّة، حتّى لا نبني على الانطباع المجرّد.
ثلاثة أوضاع للمقارنة
لنقارن بين ثلاثة أوضاع. الباحث في العلوم الطبيعية الذي يكتب بالعربية قد يتيح له الانتقال إلى الإنكليزية وصولاً أوسع إلى أدوات سؤاله وأدبياته. والباحث في الإنسانيات الذي يكتب بالإنكليزية يجد أدوات أقلّ نضجاً، لكنّه يعمل داخل بيئة نشر مفهرسة ومقيسة. أمّا الباحث العربي في الإنسانيات، الذي يدرس مفهوماً في التراث أو سجالاً فكرياً عربياً، فلا يكفيه تغيير لغة البحث؛ إذ يستطيع أن يغيّر لغة السؤال ولا يستطيع أن يستبدل بالمادّة التي يدرسها مادّة أخرى. وحين يُقال له إنّ الحلّ أن يجمع كتبه بنفسه وينظّف نصوصها ويصل أدواته بعضها ببعض، فذلك يعني أن يعوّض بجهده الفردي غياب بنية بحثية يجدها نظيره في صورة خدمة أكثر تكاملاً.
مشكلة التمثيل لا الاختلاق
يظنّ كثيرون أنّ جودة الإجابة الآلية تُقاس بخلوّها من اختلاق الوقائع، وهذا معيار قاصر في الإنسانيات، فقد تأتي كلّ جملة صحيحة ومنسوبة إلى مصدر حقيقي، ويكون الجواب مضللاً لأنّه يعرض رأي مدرسة واحدة بوصفه خلاصة العلم، أو يطوي خلافاً قائماً في تسوية مخلّة. خذ مسألة تحوّلات مفهوم المصلحة في الفكر الإسلامي. يستطيع النظام أن يقدّم تعريفاً لغوياً سليماً، وأن يعرض تقسيمات الشاطبي المعروفة، فلا تجد في جوابه خطأً ظاهراً. لكنّ السؤال عن التحوّلات يقتضي فهم السياق التاريخي: كيف تطوّر المفهوم عند المتقدّمين ومكانته إزاء النصّ، ثمّ كيف أعاد مفكرو النهضة والإصلاح توظيفه في العصر الحديث. فإذا قدّم هذا التعريف بوصفه جواباً عن التحوّلات، فقد أوهمك بثبات ما كان موضوعاً للتغيّر والخلاف. ومن هنا فالإسهام الذي تستطيع مؤسّسة عربية أن تقدّمه ليس محتوىً إضافياً فحسب، بل معياراً نقدياً يقيس أمانة النظام في تمثيل بنية النقاش التاريخي، لا مجرّد سلامة جمله في الظاهر.
بناء الطبقة الغائبة
أمّا بناء الطبقة الغائبة، أي الذخيرة الرقمية العربية المفتوحة، فيمكن ترجمة هذا التشخيص فيه إلى مبادرة محدّدة تقودها مؤسّسة بالشراكة مع الجامعات والمكتبات ومختبرات معالجة العربية. والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في تقدير الكاتب، إحدى أكثر المؤسّسات تأهّلاً لهذه المبادرة، لا لأنّه الأكبر، بل لأنّه يشتغل في أطرافها من حيث لا يسمّيها بهذا الاسم: فمدوّنة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية تمثّل ورشةً لمعالجة الذخيرة اللغوية والكتب التراثية عبر العصور، والمسرد المصطلحي الرباعي يُعدّ ركيزة جاهزة لأيّ تصنيف رقمي للمفاهيم، وعقدان من الدراسات المحكّمة يمثّلان رصيداً نصّياً يمكن البدء بتدقيق حقوق استخدامه، وخريطة المفاهيم التي صُممت لموسوعة أرابيكا توفّر مخطّطاً لتنظيم المعرفة يمكن البناء عليه، وهيئتا التحرير والتحكيم خبرة نوعية في التدقيق لا تُشترى بالتمويل وحده. وهي أصول نقطة انطلاق، لا بنية مكتملة، تحتاج إلى تدقيق في الحقوق والجاهزية وإلى شركاء في الجامعات والمكتبات الوطنية.
وما أقترحه على “المركز العربي” تحديداً أن يتبنّى مشروع “الذخيرة الرقمية العربية المفتوحة”، وأن يرى فيه امتداداً لما يؤدّيه منذ سنوات، لا مجالاً غريباً عنه. وهي ذخيرة من ثلاث طبقات: نصوص مصحّحة تقرأها الآلة، لا صور ورقية؛ وفوقها فهرسة معيارية بمعرّفات دائمة وبيانات وصفية موحّدة وترخيص يتيح إعادة الاستخدام، ومنافذ برمجية تسهّل الربط؛ وفوقهما أدوات بحث واسترجاع تفهم خصوصية العربية الفكرية، ومقاييس تقييم تختبر حفظ السياق ودقّة الإسناد. ويلزمها، لكي تكون مشروعاً لا نيّةً، ميثاقٌ منشورٌ للمعايير ومجلس يضمّ شركاء من الجامعات والمكتبات الوطنية ومختبرات معالجة العربية، فتصبح الذخيرة رصيداً عامّاً لا مخزناً لمؤسّسة واحدة. والبدء ممكن فوراً في كتب التراث التي سقطت حقوقها وفي إنتاج المؤسّسة نفسها، ثمّ الرسائل الجامعية بالاتفاق مع الجامعات، وأصعب المراحل تتعلّق بالإنتاج التجاري الحديث بسبب عقبة الحقوق. فالسيادة المعرفية في عصر الذكاء الاصطناعي ليست انكفاءً على أدوات محلّية معزولة، بل قدرة على رقمنة تراثنا وتوثيقه والمشاركة في وضع معايير استرجاعه وفحصه. وحتّى تقوم هذه الطبقة، سيظلّ الباحث العربي في العلوم الإنسانية يسمع الآلة تخاطبه بلغته، ويحسب أنّها تقرأ له.
نُشر هذا المقال في صحيفة العربي الجديد بتاريخ 14 سبتمبر 2026.