نُشر هذا النص لأول مرة في 11 سبتمبر 2014. أعيد نشره هنا لمناسبة الذكرى.
في مثل هذا الوقت تقريبا من يوم 11 سبتمبر 2001، ركبت الباص من مدينة كيبك الكندية باتجاه ريموسكي البعيدة 4 ساعات، لإعطاء محاضرة أكاديمية في علوم الكمبيوتر بالجامعة التي درّست فيها ذلك الفصل الدراسي..
وعلى غير العادة، وضع سائق الباص صوت الراديو على أقصاه كي يسمع الركاب بثا مباشرا من راديو كندا لخبر عاجل حول ارتطام طائرة بناطحة سحاب في نيويورك..
وكان الخبر محزنا ومثيرا للانتباه.. ولكن المشاعر انقلبت لحالة من الهلع والبكاء والصراخ بعد تتالي الأخبار عن الارتطام الثاني وانهيار العمارتين، ومحاولة الهجوم على البنتاغون..
ولم نصل لريموسكي إلا والجميع في حالة ذهول وصدمة وتساؤلات عما حصل.. ودخلت الفصل في مساء ذلك اليوم، بعد أن تأكد الجميع تقريبا من حصول هجوم إرهابي.. فوجدت الطلبة في حالة صدمة وغضب، ولم أتمكن من منعهم من الحوار في الموضوع..
في بقية الأسبوع، تابعت تطور الأحداث والتحاليل السياسية التي أكدت تورط تنظيم القاعدة في الهجوم.. وكان أبناء الجالية المسلمة غير مصدّقين، وأذكر أنني انخرطت مع عدد من الإخوة في المركز في بيان استحالة أن تقوم القاعدة بهذا العمل من الناحية الأخلاقية وايضا لقلة مواردها في تصورنا.. واكتشفت أنني كنت من المستغفَلين..
وتعالت حينها في الإذاعات والقنوات المحلية أصوات يمينية متطرفة لإدانة المسلمين، تتهمهم بشكل تعميمي بالإرهاب.. وحين عدت لريموسكي في الأسبوع اللاحق، تعرضت لاتهامات وإدانة من قبل الطلبة الكنديين في الفصل، وتأذّيت نفسيا من كلامهم.. ولكن حين عدت لمدينة كيبك، تأكدت من ضرورة أن يقوم مركزنا الإسلامي (الذي كنت نائب الرئيس فيه تلك السنة) بعمل يشرح فيه موقف الإسلام وموقف أبناء الجالية من هذا العمل.. فجاءتني فكرة القيام بيوم المركز المفتوح، ولم نكن قد نظّمناها سابقا في تاريخ المركز الذي أسس في بداية التسعينات.. وعرضتها على مجلس الإدارة، فاستحسن البعض الفكرة وتهيّب منها البعض الآخر..
يوم المركز المفتوح
وبمزيد التأمل في الموضوع، تولّد لدي إصرار كبير على إنجاز المشروع.. ووضعت ورقة تصور كاملة لبرنامج اليوم المفتوح، وميزانيته، وقائمة الضيوف المدعوّين من وزراء ومسؤولين بلديين، ونواب برلمان، وجمعيات مدنية وممثلي أديان وإعلاميين، إلخ..
وعنددما قدمت المشروع التفصيلي في اجتماع لاحق لمجلس الإدارة، فوجئت بأغلبية ترفض المشروع بعامل الخوف والرهبة من عدم قدرة الجالية على امتصاص حالة الغضب والإدانة التي تولّى كِبرها اليمين المتطرف في كيبك، الذي كال التهم للإسلام والنبي (ص) والقرآن والعرب والمسلمين المتخلفين والهمجيين، إلخ..
وإزاء قرار الأغلبية بالرفض، صرخت فيهم أنني مستعد لإنجاز اليوم على مسؤوليتي، وأن أتكفل لوحدي بتغطية مصاريفه، والقيام به في قاعة اجتماعات خارج المركز، حتى لو كلفني ذلك الاستقالة من المركز.. فتشجع بعض الإخوة وغيّروا موقفهم وتضامنوا معي، وقررنا تنظيمه في منتصف شهر أكتوبر، باسم المركز وفي مقره..
ماراطون الإعداد
وبدأ ماراطون إعداد اليوم المفتوح في بيتي، بمساعدة زوجتي وعدد من الأصدقاء المغاربة وأخت كندية حديثة عهد بالإسلام. وكنا نصل الليل بالنهار للتخطيط وإنجاز المعلقات، وتفصيل مضامين الفيديوهات التي سنعرضها، وفرق الاستقبال ومضمون الخطاب الفكري الذي سنتكلم به أمام الضيوف من الوجهاء وعامة الشعب.. وكان بالفعل عملا جبارا قمنا به في تلك الفترة..
وحين عرضنا الدعوة على بعض المسؤولين المحليين ووسائل الإعلام، اصطدمنا بحالة فتور وعدم رغبة في التفاعل معنا من قبلهم..
وكنا طيلة فترة الإعداد في حالة ضغط نفسي قوي، وتعرض كثير منا للسب والشتم في الشارع.. ومنهم زوجتي التي كانت ذات يوم في المركز التجاري وتعرضت لسبّ شديد من قبل أحد الكنديين بسبب حجابها، طالبا منها مغادرة كندا.. وحصل نفس الشيء لعدد من الأخوات والإخوة.. واستمر وضعي النفسي يتدهور بسبب ردة فعل السلبية من قبل طلبتي بالجامعة..
اليوم الموعود
وجاء صباح يوم المركز المفتوح، فتغيب الوزراء، وحضر رئيس البلدية وبعض الموظفين الحكوميين والبرلمانيين، وعدد من جيران المركز، ودارت حوارات عميقة بيننا وبين ضيوفنا، اختلطت فيها الردود العقلانية بالمشاعر الوجدانية..
وانتهى النشاط بعد صلاة العصر. فجمعنا المتطوعين وكنا سعداء جدا بالتفاعل الإيجابي والتضامن من قبل الكنديين.. وطلب مني الرئيس السابق للمركز أن أتكلم فعجزت، وأخذ هو الكلمة فشكر الجميع، ثم قال: “نحن مدينون بهذا العمل الضخم لله ثم لشخص وحيد آمن بضرورته وبنجاحه، ولولا إصراره لما أنجزنا ما تم إنجازه، ولما كان وضعنا كجالية مثل وضعنا الآن”.. ثم انحنى عليّ وقبّل رأسي، فانهرت باكيا، واضطررت للهروب من الموقف إلى قاعة الصلاة، وبقيت لقرابة نصف الساعة جاثيا على ركبتي، أبكي بكاء لم أفعله طوال حياتي..
الانهيار
وفي الأسبوع التالي، ذهبت لريموسكي لإعطاء محاضرتي ووصلت للفندق قبيل موعد المحاضرة، ووجدت نفسي غارقا في مشاعري المنهارة، وتأكدت من عدم قدرتي على مواجهة الطلبة مرة أخرى.. فاتصلت تلفونيا بإدارة الجامعة معتذرا عن إعطاء الدرس، قائلا أنني مريض جدا ومضطر للعودة لكيبك.
في اليوم التالي، ذهبت مع زوجتي لطبيبة نفسانية، وبمجرد البدء في شرح ظروفي النفسية، انخرطتُ مجددا في البكاء.. فقالت لي الطبيبة إنني مصاب باكتئاب وانهيار عصبي (dépression).. وأعطتني راحة لمدة 4 اشهر تقريبا.. وكانت أصعب فترات حياتي..
ما حصل لي حصل لكثيرين في كندا وأمريكا.. وسمعت عن حالات شبيهة من الضغط النفسي بسبب تلك الأحداث الأليمة..
لماذا أروي هذا؟
أردت الحديث عن هذه الذكريات لسبب وحيد: هو أن الكثيرين لا يكفّون عن الحديث عن “شجاعة” تنظيم القاعدة وبن لادن وشبابه الانتحاريين، بزعم أنهم ضربوا أمريكا في عقر دارها.. في حين أن ما حصل كان جريمة أخلاقية لا تقل عن جرائم أمريكا الأخلاقية.. وكان ضرر تلك التفجيرات على العالم الإسلامي من أعظم ما لحقه في التاريخ (ضرب أفغانستان، وغزو العراق، إلخ).. كما كان المسلمون في الغرب أكثر الناس تضررا نفسيا مما حصل..