نشر مركز ابن خلدون بجامعة قطر ملخصات البحوث المشاركة في النسخة الثانية من مؤتمر “القرآن والمعرفة الإنسانية: نحو معرفة إنسانية راشدة”. وكنت قد ذكرت منذ أشهر أن بحثي المقدم إلى هذا المؤتمر لم يُقبل. واليوم صار البرنامج منشوراً، وانعقد المؤتمر في الأسبوع الفارط. والبرنامج يكشف أولويات أصحابه وطريقة تفكيرهم.

قرأت العناوين السبعة عشر وملخصاتها. فيها أوراق واضحة العنوان جادة السؤال، لكن الاتجاه الغالب يستدعي ملاحظتين.

العودة إلى القوالب الجاهزة

الأولى أن العناوين عادت إلى القوالب التي نعرفها منذ ثلاثين سنة: “في ضوء المرجعية القرآنية”، “كذا أنموذجاً”، “نحو تأصيل كذا”. ومعها الثنائية المريحة ذاتها: مرجعية قرآنية كاملة في مقابل فكر وضعي مأزوم، والنتيجة معلومة قبل قراءة الصفحة الأولى. وهذا تأكيد لما يعتقده الحاضرون سلفاً، بينما المعرفة الجديدة تقتضي سؤالاً لا يُعرف جوابه مقدّماً.

لغة لا يدخلها إلا أهلها

والثانية: عناوين لا يدخلها القارئ إلا بمعجم لغة كي يفهمها. “ابستمولوجيا الاهتداء”، “الأقومية المعيارية”، “سننية المدينة الممكنة”، “منطق المستويات المتعددة”، “تفسير التسوير”. صحيح أن لكل علم مصطلحه، وهذا مفهوم. ولكن المعيار بسيط: هل يحتاج الباحث إلى المصطلح المعقد فعلاً، وهل يشرحه لقارئه؟

القرآن، وهو موضوع الدراسة في المؤتمر، يصف نفسه بأنه “بلسان عربي مبين”، ويقول “ولقد يسرنا القرآن للذكر”. فكان المنتظر من مؤتمر يجمعه بالفلسفة أن يصالح بين مفاهيم قرآنية واضحة قائمة على البيان والتيسير، وبين كتابة فلسفية نخبوية مغلقة على أهلها، فينزل بالفلسفة إلى وضوح القرآن. ولكن الذي غلب هو العكس: رُفعت المفاهيم القرآنية إلى غموض الفلسفة، وأضيفت إليها طبقة جديدة من الاصطلاح.

الحدث الأهم خارج القاعة

وفي الأثناء، غاب عن منظمي المؤتمر، الحدثُ الأهمّ الذي يقع خارج القاعة، وهو أنّ الناس اليوم، طلبة وباحثين وقراء عاديين، أصبحوا يسألون النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي عن معاني الآيات، ويطلبون منها قراءات فلسفية ونفسية واجتماعية للقرآن، ويتلقون أجوبة فصيحة واثقة لا يعرفون على أي أساس بُنيت. إذن، نحن أمام قارئ جديد للنص (وأقصد به الذكاء الاصطناعي) دخل المجال ولم يستأذن أحداً. أما في الملخصات، فالذكاء الاصطناعي لا يظهر إلا عرَضاً: تحدٍّ ينبغي “توجيهه”، أو بند في قائمة معضلات العصر. يعني بحوث توحي بالتعاطي من باب الموعظة عن الآلة، بدل اختبارها. وحتى هذه البحوث القليلة التي تطرقت إلى الذكاء الاصطناعي لم يكتبها خبراء فيه، فالسير العلمية المنشورة مع الملخصات لا تذكر لأصحابها تخصصاً ولا تجربة في المجال. ومن يحكم على أداة لم يتمرّس بها يحكم في الغالب على صورتها الشائعة: يحذّر منها أو يدعو إلى “توجيهها”، ولا يملك أن يقول لنا أين تصيب وأين تخطئ ولماذا.

البحث الذي رُفض

وهنا بالتحديد كان موضع بحثي. عنوانه: “مقارنة منهجية لأداء النماذج اللغوية الكبيرة في التحليل البارادايمي الفلسفي للقرآن: دراسة حالة على سورة البقرة”، وقدمته في محور القرآن والفلسفة، لاختبار مدى قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على قراءة النص من خلال المداخل الفكرية الكبرى، وهي المقصودة بالبارادايمات.

فكرة البحث أن نأخذ ثلاثة من أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي المتاحة، ونطلب منها جميعاً المهمة نفسها بالتوجيهات نفسها: قراءة سورة البقرة، أطول سور القرآن وأغناها موضوعات، من سبعة مداخل فلسفية هي نظرية المعرفة، والأخلاق، وفلسفة الدين، والأنثروبولوجيا الفلسفية، والمنهج، وفلسفة القانون، ورؤية العالم. ثم تُعرض الأجوبة على محكّمين متخصصين لا يعرفون أي نموذج كتب ماذا، فيقيسونها بخمسة معايير: العمق الفلسفي، والاتساق مع أصول التفسير، والتحيزات المذهبية والثقافية، وشفافية الاستدلال، والتماسك الداخلي. والتوجيهات معلنة كلها، يستطيع أي باحث أن يعيد التجربة ويراجع نتائجها.

أسئلته بلغة يفهمها الجميع: هل يوثق بهذه النماذج في قراءة القرآن فلسفياً؟ أين تنحرف وبأي اتجاه؟ هل يتحقق العمق الفلسفي أحياناً على حساب سلامة الفهم؟ ومتى يصير تدخل المتخصص ضرورة؟

الفرصة الثلاثية الضائعة

والفرصة التي كان يوفرها للمؤتمر ثلاثية. أولها خريطة أولى موثقة لمواطن القوة والقصور عند كل نموذج، يحتاجها كل أستاذ وطالب في الدراسات القرآنية اليوم. وثانيها نواة معايير نضعها نحن لتقييم هذه الأدوات في مجال ديني حساس، بدل انتظار أن يضعها غيرنا ثم نستوردها. وثالثها إرشادات عملية للباحثين: كيف تُصاغ الأسئلة، وما حدود الاعتماد، وأين تجب المراجعة البشرية. ولو خرج هذا من الدوحة لكان إسهاماً عملياً للمؤتمر في اختبار الذكاء الاصطناعي في القراءة الفلسفية للقرآن.

وإن قيل إن ملخصي عرض تصميماً ونتائج متوقعة، فشروط المؤتمر نفسها تطلب من الملخص بيان “النتائج المتوقعة”، والبحث الكامل يُسلَّم بعد قبول الملخص بأشهر. فلا مأخذ من هذه الجهة. ولا أعرف تعليل اللجنة، لكن موضوعي هنا كان هو الأولوية المعرفية التي يعكسها البرنامج المنشور.

وما يهمني هو أن برنامجاً من سبعة عشر بحثاً عن القرآن والمعرفة الإنسانية، في سنة 2026، خلا من أي اختبار للأداة التي صار الناس يقرؤون بها القرآن.

خلاصة

إذن، مؤتمر شعاره “معرفة راشدة” غلب على برنامجه إنتاج المألوف بمصطلحات أثقل. بينما الرشد المعرفي كان يقتضي البدء من الأدوات التي يقرأ بها الناس القرآن اليوم، ومن اللغة التي يفهمها من نكتب لهم.

سأواصل العمل على البحث وأنشره في منبر آخر.

عناوين البحوث المشاركة

وهذه عناوين البحوث المشاركة، وللقارئ أن يحكم بنفسه:

  1. العقل القرآني والعقل الفلسفي: نحو إعادة بناء منهج التفكير الإنساني في ضوء مقاصد الهداية
  2. الأقوميّة والهداية المعرفية في القرآن: نحو استئناف ابستمولوجيا الاهتداء
  3. سيرورة السياق القرآني: نحو تأصيل لساني لفلسفة اللغة في البيان القرآني
  4. مفهوم اللغة في المعجم القرآني: دراسة اصطلاحية لحقل الألفاظ اللسانية في القرآن الكريم
  5. أثر القرآن الكريم في تشكّل التفكير التداولي عند النحاة والبلاغيين العرب: قراءة في الجذور والتجليات
  6. الأصول القرآنية لمبادئ القانون: الاستمداد والترشيد والأبعاد الإنسانية
  7. القرآن وسؤال المعيار في علم اجتماع القانون: مدخل تأصيلي إلى الميزان والمسؤولية الاستخلافيّة
  8. دور المرجعيّة القرآنيّة في بناء العدالة التشريعيّة: دراسة تحليليّة مقارنة مع المرجعيّات القانونيّة الوضعيّة
  9. من مثاليّة اليوتوبيا إلى سُنَنيّة المدينة النبويّة: معالم الحكمة القرآنيّة في تصور المدينة الممكنة
  10. القرآن الكريم واللسانيّات الحديثة: تقويم حدود الإفادة وأطُر التوظيف
  11. القيم السياسيّة العليا في القرآن الكريم وأثرها في ترشيد الحكم
  12. واجبات الإنسان المستخلف تجاه المنظومة القانونيّة: دراسة قرآنيّة تطبيقيّة
  13. الأبعاد السياسيّة لمفهوم الأمة في القرآن الكريم وسبُل تفعيله في الواقع المعاصر
  14. نقد الفكر السياسي الحديث في ضوء المرجعية القرآنيّة: قيم الشورى والعدالة أنموذجاً
  15. التقنين الحقوقي القرآني ودوره في معالجة التحديّات المعاصرة (الجندر والشذوذ أنموذجاً): دراسة تحليليّة في ضوء تفسير التسوير والبصائر
  16. التأسيس القرآني لمنطق (المستويات المتعددة) في تكوين الرؤية الكونيّة العلميّة الشاملة: دراسة في الفلسفة التطبيقيّة
  17. البيئة الحاضنة للاستبداد: تشريح فضاء الخضوع النفسي واللغوي في الخطاب القرآني