في مقابلة مع قناة NTV مساء السبت 19 سبتمبر 2026، تحدث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن ملفات عدة، منها العقوبات الأمريكية المفروضة على تركيا بموجب قانون كاتسا، ومنها الذكاء الاصطناعي. والربط بين الملفين قراءتي أنا لا تسلسل صريح في كلامه، لكنه ربط يفرض نفسه: رجل قاد جهاز الاستخبارات التركي سنوات طويلة، ويتولى اليوم ملف رفع العقوبات عن بلاده، يحذّر من أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة جديدة تضاف إلى أدوات الضغط القائمة بين الدول.
وبحسب ما نقلته وكالة الأناضول، شبّه فيدان التحول الجاري بمسألة السلاح النووي أكثر من الثورة الصناعية، من حيث إن المعادلة فيه حدية: إما أن تملك التكنولوجيا أو لا تملكها. وحذّر من أن الولايات المتحدة قد تلجأ مستقبلا، في سياق العقوبات، إلى قطع وصول خصومها إلى خدمات الذكاء الاصطناعي، في وقت يتغلغل فيه هذا الذكاء في الحياة اليومية وإدارة الدول. ورأى أن واشنطن وبكين تستعدان لحقبة جديدة، وأن تركيا لا تستطيع تحمل الكلفة وحدها، ولذلك تجري مشاورات مع دول المنطقة لبناء مراكز بيانات كبرى، إلى جانب مباحثات مع الاتحاد الأوروبي، مؤكدا أن المسألة تتجاوز المنافسة التكنولوجية إلى الأمن القومي.
امتداد لخط قائم
فيدان لا يتنبأ بمستقبل بعيد بقدر ما يمدّ خطا بدأ رسمه منذ سنوات. فالقيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين منذ 2022 هي في جوهرها ضغط حوسبي، وتركيا نفسها عرفت هذا النوع من الضغط في صناعاتها الدفاعية. ففي أكتوبر 2025 رفض فيدان الجدل الذي أعقب الإعلان عن تعليق تراخيص المحركات الأمريكية المخصصة لمقاتلة “قآن”، مؤكدا أن مهمته هي رفع هذه العقوبات. من رأى مشروعا سياديا كبيرا يتوقف على قرار في واشنطن، يفهم أن المنطق نفسه قد يمتد غدا إلى النماذج اللغوية والحوسبة السحابية.
والعقوبات الحالية لا تقتصر على منع الشراء، فهي تشمل الخدمات المصرفية والمالية أيضا. ما يميّز الذكاء الاصطناعي ليس كونه خدمة، بل عمق اندماجه في العمليات اليومية وصعوبة استبداله بسرعة. حين تُبنى أنظمة الجمارك والصحة والتعليم والإدارة على واجهات برمجية لنماذج أجنبية، فإن قطعها قد يعطّل وظائف حيوية إذا لم تتوافر بدائل تشغيلية جاهزة.
ولا يبدو هذا الخطاب اجتهادا فرديا، بل جزءا من خط رسمي تركي. فقد حذّر وزير الصناعة والتكنولوجيا محمد فاتح كاجر من أن احتكار حفنة من الدول للبيانات والبنى التحتية الحرجة والمنصات الكبرى يفتح هوة تهدد العدالة العالمية، وأن المجتمعات العاجزة عن إنتاج التكنولوجيا قد تجد نفسها تحت “وصاية رقمية”. فيدان يترجم هذا التشخيص إلى لغة الأمن القومي.
حدود التشبيه النووي
التشبيه بالسلاح النووي قوي خطابيا لكنه يحتاج إلى تدقيق. فالقنبلة ثنائية: تملكها أو لا تملكها. أما الذكاء الاصطناعي فسلسلة من الحلقات: الرقائق، والطاقة، ومراكز الحوسبة، والنماذج، والبيانات، والكفاءات، والتطبيقات. ويمكن لدولة أن تكون قوية في حلقة وضعيفة في أخرى.
وهنا يجب التمييز بين خطرين مختلفين يُخلط بينهما كثيرا. الأول قطع خدمة تعتمد عليها الآن، كالوصول إلى نموذج عبر واجهة برمجية. والثاني منعك من شراء عتاد جديد أو الحصول على نماذج أحدث، أي تقييد قدرتك على التوسع لاحقا. النماذج مفتوحة الأوزان، إذا شُغّلت على خوادم محلية، تحمي من الخطر الأول بدرجة كبيرة، حتى لو بقيت الشرائح مستوردة. أما الخطر الثاني فيبقى قائما. الاستيراد يخلق تبعية، لكنه لا يلغي قيمة الاستقلال التشغيلي.
ولهذا فإن السؤال الأدق ليس “هل تملك أم لا تملك”، بل: كم تستطيع أن تصمد إذا قُطع عنك؟ السيادة التقنية درجات لا ثنائية، ومعيارها الواقعي هو القدرة على الاستمرار وتقليص الخسارة عند الانقطاع، لا الاكتفاء الذاتي الكامل الذي لم تحققه حتى الصين.
التبعية ليست تقنية فقط
ثمة بعد يغيب غالبا عن الخطاب الأمني. النموذج اللغوي ليس أداة محايدة؛ إنه يحمل تصنيفات للعالم وترتيبا لما هو مهم وما هو هامشي، وافتراضات مدمجة في طريقة إجابته. الخطر هنا ليس في الانتفاع بالنماذج الأجنبية في ذاته، بل في تفويض الحكم والتأويل إليها دون فحص مصادرها وافتراضاتها. وهذا الخطر قائم مع النماذج المحلية أيضا، إذا استُعملت بالطريقة نفسها.
ومع ذلك يبقى للنماذج التي تفهم العربية أو التركية بعمق، وتستوعب مرجعيات أهلها، قيمة حقيقية: فهي شرط لكي تبقى المجتمعات مشاركة في إنتاج المعنى لا مستهلكة له فقط. شرط ضروري لكنه غير كافٍ، إذ لا يضمن وحده التعددية ولا جودة المعرفة. والسؤال إذن ليس فقط من يملك زر الإيقاف، بل أيضا من يملك مفتاح التأويل.
شروط التعاون الإقليمي
دعوة فيدان إلى التعاون الإقليمي منطقية من حيث الكلفة، على الأقل حين يتعلق الأمر بمشروعات حوسبة كبرى تتطلب استثمارات ضخمة في العتاد والطاقة. والأقرب إلى كلامه أنه يسعى إلى حصة أكبر وقدرة تفاوضية أوسع لتركيا، لا إلى قطيعة مع واشنطن. لكن نجاح هذا المسار يواجه ثلاث عقبات.
الأولى هي الثقة. فالبيانات السيادية من أكثر ما تحرص الدول على حمايته، وتقاسم البنية التحتية يعني تقاسم قدر من الانكشاف، في منطقة شهدت خلال العقد الأخير قطيعات ومصالحات لم تستقر بعد.
الثانية هي شروط العتاد. فالإمارات مثلا تبني قدراتها الحوسبية الكبرى بشرائح أمريكية ضمن اتفاقات تضمنت التزامات بإبعاد المعدات الصينية وضبط وجهة الحوسبة، كما في شراكة G42 مع مايكروسوفت. وأي تعاون إقليمي يقوم على شركاء بهذه الشروط قد يعيد إنتاج التبعية على نطاق أوسع، ما لم يُصمم بعناية.
الثالثة هي الكفاءات. مراكز البيانات تتيح التشغيل والتكييف وبناء التطبيقات، وهذه قيمة حقيقية، لكن القدرة على التطوير تحتاج إلى مهندسين وباحثين، وكثير من دول المنطقة تعاني صعوبة في الاحتفاظ بأفضل كفاءاتها في هذا المجال.
ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي؟
إذا كان وزير خارجية دولة تملك صناعة دفاعية متقدمة يتحدث بلغة الأمن القومي، فالدول العربية التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي في الغالب بمنطق المشتريات أولى بالانتباه. والدرس ليس أن تبني كل دولة نموذجها الخاص، بل أن تبني هامش صمود قابلا للقياس.
والخطوة الأولى بسيطة ويمكن البدء بها فورا: اختبار انقطاع دوري في المؤسسات الحيوية. لو توقفت خدمات المزود الخارجي غدا، فما الوظائف التي تتعطل؟ وما البديل المتاح؟ وكم يستغرق الانتقال إليه؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف حجم الانكشاف الفعلي، وتحدد أولويات الاستثمار: تنويع المزودين، وتشغيل النماذج المفتوحة محليا حيث يلزم، وحوكمة البيانات الوطنية، وتكوين الكفاءات التي تفهم هذه التقنية لا التي تستعملها فقط.
قيمة تصريح فيدان أنه نقل الذكاء الاصطناعي من خانة الابتكار إلى خانة القوة والسيادة. لكن الخطاب الأمني وحده قد يقود إلى سباق لبناء مراكز بيانات كبرى دون أن يرفع قدرة الصمود فعلا. السيادة في هذا المجال تُبنى بالمعرفة المتراكمة والثقة الإقليمية والتعليم، وتُقاس بسؤال واحد: ماذا يبقى لديك يوم يُضغط زر الإيقاف؟