في كل مجتمع مضطرب، يوجد صنف من الناس عيونهم غائرة من كثرة السهر، وألسنتهم لا تكفّ عن ذكر الظلم، وقلوبهم تكاد تكون نسيت معنى الفرح. هم نشطاء ومناضلون بدأوا بحماسةِ من يريد أن يُصلِح أو يُنجِز أو يَبنِي، وانتهوا إلى مرارةِ من أيقن أن لا شيء يُصلَح أو يُنجَز أو يُبنى.

هم فئة لم يكسرهم خصومهم، وإنما كسرهم الطريق.

النضال بوصفه بِنية جهد

وهذا الاحتراق لا يخصّ السياسة، لأن النضال في أصله ليس وصفا لموقع بعينه، وإنما هو بِنية جهد: بذل طويل لما تعتقد أنه حقّ، لا تملك ثمرته. وتبذله في شروط أقلّ ممّا يلزم. وتعتقد مخلصا أنك لو توقفت لضاع شيء.

تتكرّر هذه البنية نفسها في مواضع أخرى أيضا، لا نسمّيها عادة “نضالا”: الطالب الذي أنهكته سنوات الدرس حتى صار العلم عنده ثقلا بعد أن كان لذّة، والعامل الذي يفني عمره في شغل لا يرى له أثرا، والأمّ التي تحمل بيتا كاملا في بلد ينكر عليها أدنى شروط العيش الكريم، والمهاجر الذي يشتغل ضعف ما يشتغل غيره ليبلغ نصف ما يبلغون. يبذلون جميعا، ويذوبون في بذلهم.

ولكن يوجد بينهم فرق لا ينبغي إغفاله: فالمناضل اختار معركته، بينما أكثر هؤلاء لم يختاروا شيئا، وإنما فُرض عليهم الكدّ ولم يُسألوا. وهذا الفرق يزيد حالهم ثقلا ولا يخفّفه، لأن من يبذل في أمر اختاره يجد في اختياره عزاء، ومن يبذل لأنه لا يملك أن يتوقّف لا يجد عزاء ولا معنى يستند إليه. ويجمعهم مع ذلك أنهم يعطون أكثر ممّا يرجع إليهم، مدّة أطول ممّا تحتمل نفس، وثمرة ما يبذلون ليست في أيديهم.

وهم يعيشون سؤالا واحدا وإن تعدّدت عباراته: كيف نبذل ما يلزمنا بذله، في مقاومة الظلم وفي الدرس وفي العمل وفي حمل من نعول، ثم نحتفظ بعد ذلك كله في عالم معقد ومضطرب، بحالة من السكينة والرضا، وبقلب مطمئنّ وعيش طيّب؟

الطمأنينة ليست جائزة مؤجّلة

الطمأنينة ليست جائزة تُمنح بعد النصر. وهي أيضا ليست ضدّ المقاومة؛ بل هي شرطها الباطن ومدد تجدّدها. فالسكينةُ التي تُشترى بتجاهل الظلم أو بتبريره، هي في حقيقة الأمر تخدير، والمقاومةُ التي لا يبقى فيها للقلب نصيبٌ، هي في الواقع احتراق. ومَن أجَّل السكينة إلى ما بعد الانتصار يكون قد أجّلها إلى غير أجل، لأن المعارك ببساطة لا تنقضي، ومن لم يذق العيش الطيّب أثناء الطريق لن يعرف كيف يبنيه في آخره.

ما وراء الإنهاك

الأمر الثاني: أن الإنهاك لا يأتي من الجهد وحده. فالجهد المفروض بلا حدّ ولا راحة هو السبب الأثقل والأظهر للعيان. ولكن وراء الإنهاك ثلاثة عوامل لا نراها دائما، تعمل في النفس عملها، ومنشؤها في العلاقات الاجتماعية، لا في النفس وحدها.

أوّلها أن نعلّق المعنى بالثمرة. فإذا صارت قيمة عملي رهينة ما يظهر منه، فقد رهنتُ قلبي بأسبابٍ ليست بيدي: موازين قوى، وتقلّب أيام، وإرادات بشر آخرين. عندئذ يصير كل تعثّر في الواقع تعثّرا في نفسي، وتنقلب كل هزيمة عامّة إلى إدانة شخصية، فأُستهلك وأُنهك مرّتين: مرّة في إنجاز العمل، ومرّة في محاسبة نفسي على ما ليس من عملي.

وثانيها الانفراد. وأكثر من انهار من المناضلين إنما انهار لأنه حمل وحده ما لا تحمله إلا جماعة. لأن المسؤولية إذا توزّعت أُطيقت، وإذا انفردت طَحَنت. ولهذا كانت وحشة المناضل أشدّ عليه من خصومه، وكان انفراط الصحبة أتعب من طول الطريق.

وثالثها: أن يستشعر المرء أنّ صلاح العالم معقود بشخصه، وأنه إن سكن لحظة انهار شيء ما. وهو في ظاهره شعور نبيل يدل على التضحية، ولكنه في باطنه دعوى ثقيلة لا يطيقها بشر.

وليس هذا حال من فُرض عليه العبء فرضا. فالأمّ التي لا تجد من يعينها، والعامل الذي لا يملك أن يتوقّف، لم يحمّلا أنفسهما شيئا، وإنما حُمّلا ما لا يطاق، ولومهما على انكسارهما ظلم ثان يضاف إلى الأول. وإنما هو حال من ظنّ أنه لا يُستغنى عنه، فأضاف إلى المفروض عليه مفروضا من عنده، ثم انكسر تحت ما لم يُكلَّف به أصلا.

ثلاثة أجوبة لا تمثّل حلا

وغالبا ما يُعرض على المنهَكين اليوم ثلاثة أجوبة، وكلها لا تمثل حلا جيدا:

أوّلها: خطاب “التنمية الذاتية”. وهو خطاب لا يسأل عن الأجر ولا عن السكن ولا عن الاستبداد ولا عن انسداد الأفق، وإنما يسألك أنت وحدك: هل أحسنت ترتيب وقتك؟ هل جرّبت التنفّس العميق؟ هل كتبت ما تشكر عليه؟ فخطاب التنمية الذاتية يأخذ عطبا في أصل العلاقات الاجتماعية، هو انعدام شروط العيش الطيّب وحرمان الناس من أسبابه، فيردّه إلى تقصير الشخص في تدبير نفسه. وخطاب التنمية الذاتية ليس علما محايدا، بل رأي في العالم كامل: يبرّئ النظامَ ويتّهمُ الضحيّة، ويبيع للمتعَب حِيَلا تعينه على احتمال ما لا ينبغي أن يُحتمل. وأخطر ما فيه أنه ينجح قليلا، فيشتري صمتَ المستنزَف براحة عابرة.

والثاني: تزمّت المناضلين، الذي يعدّ كل راحة خيانة، وكل فرح ترفا، وكل التفات إلى النفس أو الأهل تخلّيا. وهو ينشئ بشرا محترقين، قساة على أنفسهم قبل غيرهم، سراعا إلى التخوين، عجزة عن الصبر الطويل لأنهم أنفقوا زادهم كله في أوّل الطريق. ومن اعتاد القسوة على نفسه أوشك أن يجريها على من معه، فيخسر الصحبة التي لا يقوم العمل بغيرها.

والثالث: تديّن تخديريّ يقدّم الصبر بديلا عن العدل لا رافدا له. يسمّي الاستسلام رضا، والسكوت حكمة، والمطالبة بالحقّ قلّة يقين وسوء أدب مع القدر. يذكّر المظلوم بأن الدنيا دار ابتلاء، ولا يذكّر الظالم بأنها دار عمل وحساب. ويبسُط القول في نصوص الصبر والقناعة، ويطوي نصوص القسط والشهادة والأمر بالمعروف. وهو أشدّ الثلاثة أثرا لأنه يستمدّ سلطانه من مقدّس، فلا يكاد أحد يردّه حتى يُتّهم بالرغبة عن الدين.

الرضا لا يعني الرضا بالظلم

وأصل بلائه خلط بين أمرين: الرضا عن الله وعن حدود النفس، والرضا عن الظلم. الأول يمثل ذروة الإيمان، بينما يمثل الثاني حضيض التخاذل. وقد أفسد هذا الخلطُ المعنيين معا: فجعل السكينة اسما آخر للانسحاب، وجعل الاعتراض على الظلم كأنه اعتراض على القدر.

التكليف بالفعل لا بالثمرة

والنصوص التي أنشأت الطمأنينة هي نفسها التي أنشأت المسؤولية. فالتكليف ببذل الوسع لا بإدراك الثمرة، وقد قيل للنبيّ (ص) في أحرج أيامه “إنما عليك البلاغ”، وقيل له “إنك لا تهدي من أحببت”. وليس هذا تهوينا من العمل، بل تحرير له: فأنت مأخوذ بالفعل لا بالنتيجة، وبالإتقان لا بمجرى التاريخ.

على أنّ انتفاء ملكنا للثمرة لا يرفع عنّا مساءلة الطريق. فمن لا يُحاسب على النتيجة يُحاسب على اجتهاده في اختيار الوسيلة، وعلى تعلّمه من إخفاقه، وعلى تركه ما تبيّن أنه لا يجدي أو يضرّ. وإلا انقلب بذل الوسع عذرا للإصرار على الخطأ، وصار الثبات اسما مهذّبا للعناد. فإذا استقرّ هذا كله في القلب انفكّ تعلّق المعنى بالثمرة، فصار العمل صحيحا في نفسه، وصار الإخفاق حادثا في الدنيا لا طعنا في الذات.

بين الرواقية والأفق القرآني

وقد سبق الفيلسوف الرواقي الروماني “إبكتيتوس” إلى شيء قريب من هذا، حين قسّم الأشياء إلى قسمين: ما بأيدينا وما ليس بأيدينا، وجعل سلامة النفس في ألّا نعلّق اضطرابنا بالقسم الثاني. وقسمته المقترحة ليست دعوة إلى القعود كما يُشاع عنها، فهو يلحّ على ما يلزم الرجل في أهله ومدينته، ويردّ نظام العالم إلى تدبير إلهيّ يطمئنّ إليه.

والذي يزيده الأفق القرآني عليه، وعدٌ صريح بأن الخير ليس عبثا، وأنّ مثقال الذرّة محفوظ، وأن العاقبة غير مرهونة بما ندركه في أعمارنا القصيرة. فالسكينتان تلتقيان في تحرير الإنسان ممّا لا يملك، وتفترقان في سعة الرجاء: رجاء يقف عند حسن التدبير، ورجاء يمتدّ إلى ما وراء التاريخ. وأمّا ما يُصنع اليوم باسم الرواقية في خطاب التكيّف الفردي، من تعليم الناس أن يهذّبوا مشاعرهم تجاه أوضاع كان الأولى أن تتغيّر، فذاك شيء آخر لا يُحمل على الرجل ولا على مذهبه.

الطمأنينة ليست كسبا فرديا بل ثمرة الاجتماع

والطمأنينة بعد ذلك ليست كسبا فرديا يُحصّل بالتأمّل ورياضة الذهن؛ وإنما هي ثمرة اجتماع. تصنعها صحبة تقاسمك الحمل فلا تنفرد به، واعتراف يشعرك أن جهدك مرئيّ وأنك محسوب، وإيقاع يجعل للعمل حدّا وللراحة حقّا، وانتماء إلى جماعة أطول من عمرك فتطمئنّ إلى أن ما بدأته يُستكمل بعدك.

وهذه ليست معاني مجرّدة. الطالب يهدأ حين يجد من يشرح له ما استغلق، ومن يقول له إن التعثّر ليس نهاية الطريق. والعاملة تهدأ حين يكفيها أجرها فلا تحسب ساعاتها الزائدة. والمهاجر يهدأ حين يُعترف بشهادته وبتعبه، فلا يُطالَب كل يوم بأن يثبت جدارته من جديد. والمجتمعات التي تحرم أهلها من هذا لا تورثهم قلقا عابرا، بل تورثهم إنهاكا في أصل التكوين. ومن هنا كان الدفاع عن شروط العيش الطيّب، من أجر عادل ووقت غير مصادَر وأمن من التعسّف وفضاء عامّ يُحترم فيه الناس، دفاعا عن الطمأنينة نفسها لا موضوعا آخر سواها.

صيانة النفس حقّ لا حيلة

وصيانة النفس ليست انسحابا من الميدان، ولا هي كذلك مجرّد وسيلة لإطالة العمر فيه. الراحة والفرح والجلوس إلى الأهل مقاصد في ذاتها، لا تُبرَّر بما تردّه على العمل من طاقة؛ والإنسان ليس آلة يُقدَّر وقودها بقدر المسافة المطلوبة منها. ومن احتاج إلى أن يتوقّف طويلا، أو أن يبدّل موقعه، أو أن يسلّم الراية إلى غيره وينصرف، فذلك حقّ له لا يقتضي اعتذارا، وليس في ذمّته أن يثبت نفعه لأحد.

فالمقاومة والسكينة ليستا خصمين يقتسمان القلب، بل وجهان لموقف واحد: ألّا تهوّن من الظلم فتقاومه، وألّا تهوّن من نفسك فتصونها. والذي يستريح ليواصل ليس متقاعسا؛ وليست الراحة ضمانا للبقاء في الميدان، ولكنها تجعل البقاء ممكنا، والحرمان منها يجعله بعيدا.

أن نحيا في الطريق

ومن أراد عيشا طيّبا فليمارس منه شيئا الآن، في قلب الاضطراب لا بعد هدوئه: أن يضحك، وأن يجلس إلى أهله، وأن يقرأ ما لا نفع عاجل فيه، وأن يصلح ما بلغه وسعه ويكل الباقي إلى الأيام وإلى من بيده مقاليدها. فمن أجّل الحياة إلى ما بعد النصر خسرهما معا.

ولست أضمن لأحد نصرا، ولا ثمرة يراها في عمره، ولا سلامة من التعب. وإنما أقول إن ما تعيشه الآن من صحبة وفرح وعمل متقن ليس موقوفا على نتيجة، ولا هو أجر مؤجّل إلى يوم موعود، بل هو نصيبك من الحياة: تأخذه في الطريق، أو لا تأخذه أبدا.