تابعت في الأيام الأخيرة منشورات متلاحقة للأستاذة ألفة يوسف، وهي من الأقلام التي صار جمهورها ينتظر منها بانتظام نصوصا قصيرة.. منشورات عن “الصدقة النّفسيّة” و”رفع الحُجُب بالقلب” و”الانتباه إلى ما يجمعنا أكثر ممّا يُفرّقنا” و”اعمل الخير وانساه”. نصوص جميلة، وهادئة، وصوفيّة الإيقاع، تستحقّ أن تُقرأ في الصباح مع القهوة.

لكن، وأنا أقرأ، مرّ أمامي منشور قديم للكاتبة نفسها، أعاد نشره أحد الأصدقاء، يعود إلى نوفمبر 2020، أي قبل سبعة أشهر فقط من 25 جويلية. منشور يصف الفاعلين السياسيّين التونسيّين، دون استثناء كما تقول صراحة، بأنّهم “منظومة احتلاليّة”، و”خوانجيّة”، و”انتهازيّون طمّاعون فاشلون”، يحتلّون تونس “منذ 2011”، وينتظر التونسيّون “تحرير تونس” منهم.

المسألة هنا ليست ألفة يوسف بذاتها. فمن حقّها ككاتبة ومثقفة وإنسان، أن تتطوّر وأن تُغيّر. المسألة أنّها مجرّد نموذج بارز لظاهرة تشمل عشرات الأسماء في المشهد التونسيّ:

  • سياسيّون بنوا حملاتهم بأكملها على شيطنة “العشريّة السوداء” و”الإخوان”، ثمّ، حين وجدوا أنفسهم خارج اللعبة أو في السجن، اكتشفوا فضائل “الوحدة الوطنيّة” و”تجاوز الخلافات”.
  • إعلاميّون افتتحوا نشراتهم لسنوات بنبرة تحريضيّة ضدّ هذا الحزب أو ذاك التيّار، يصفون قيادات بـ”الإرهاب” و”الخيانة”، ويستضيفون خصومهم في كمائن إعلاميّة لا في حوارات، ثمّ صاروا اليوم يُقدّمون برامج عن “الحوار الوطنيّ” و”المصالحة”.
  • كتّاب وأكاديميّون أنتجوا مقالات وكتبا تُؤطّر نظريّا لمنطق الإقصاء، تُحوّل خلافا سياسيّا عاديّا إلى صراع “هويّة” و”وجود”، ثمّ صاروا اليوم يكتبون عن “النّقد الذاتيّ” و”الحاجة إلى التواضع المعرفيّ” دون أن يُمارسوا واحدا منهما تجاه نصوصهم السابقة.
  • رجال قانون دستوريّ قدّموا تأطيرات “علميّة” لتبرير الخروج عن الدستور، أو سكتوا في لحظات مفصليّة حين كان صوتُهم يُمكن أن يُحدث فرقا، ثمّ صاروا اليوم يُنظّرون لـ”دولة القانون” و”المؤسّسات”.
  • محامون حرّضوا وتبنوا سردية كاذبة عن الاغتيالات السياسية واتهموا فيها حزبا بعينه بالمسؤولية عن جرائم اغتيال سياسي، ووصموا أشخاصا بعينهم كمجرمين وإرهابيين، ثمّ تبيّن بعد عشر سنوات أنّهم كانوا أداةً في جريمة تضليلٍ شعبيٍّ عامّ، دون أن يتقدّم منهم أحدٌ باعتذار.

كلّ هؤلاء، يكتبون اليوم عن المحبّة، وعن “ما يجمعنا”، وعن “الانتباه إلى الإنسان في الآخر”. ولكن لا أحد منهم يذكر، ولو مرّة واحدة، الأسماء التي شُيْطنت إما بمشاركتهم المباشرة، أو بتحريضهم، أو بصمتهم.

والسؤال الذي يطرحه قارئ تونسيّ كثير، ولا يجد له جوابا: لماذا لا نُصدّقهم الآن؟

أوّلا: ليست مسألة نوايا، بل مسألة بنية

أُوضّح مبكّرا: هذا النصّ ليس محاكمة للنوايا. لا أحد يعلم ما في القلوب، ومن حقّ أيّ إنسان أن يُراجع نفسه. التحوّل الفكريّ ممكن، والمراجعة فضيلة.

لكنّ المسألة أعمق من النوايا الفرديّة. وقد تأمّلتُ فيها وأنا أُعيد قراءة فصل من كتابي الجديد “الحقد السياسيّ - دراسة في آليات الشعبويّة والأزمة الأخلاقيّة من منظور علم النفس الاجتماعيّ”، الصادر هذا الأسبوع عن الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر بإسطنبول، والمتوفّر الآن في معرض الدوحة للكتاب.

في الكتاب فصل كامل عن “صناعة الذاكرة الحاقدة”، يُحلّل آليّة يُمكن تسميتها “تحويل الخطأ إلى هويّة”. الفكرة باختصار: بدل أن نقول “هذا الفاعل أخطأ هنا أو أخفق هناك”، يُقدَّم الأمر ضمنيّا على أنّه: “هؤلاء بطبيعتهم خطأ، وهويّتهم نفسها مشكلة”. وننتقل بذلك من نقد التجربة إلى نفي شرعيّة الوجود نفسه.

هذا التحويل خطير لأنّه يُغلق باب الإصلاح والمراجعة. إذا كانت المشكلة في فعل معيّن، يمكن تصحيح الفعل. لكن إذا كانت المشكلة في “الهويّة” نفسها، فلا حلّ إلّا الإقصاء أو الإلغاء.

وحين أُعدتُ قراءة هذا الفصل، فهمتُ أخيرا لماذا لا نُصدّق نصوص المحبّة المتأخّرة:

  • لأنّ من قال إنّ خصومه السياسيّين “منظومة احتلاليّة”، لم يكن يقول إنّهم أخطأوا. كان يقول إنّ وجودهم نفسه احتلال.
  • ومن وصف خصومه بـ”الإرهابيّين” على شاشات التلفزة لسنوات، لم يكن يصفهم بسوء التقدير السياسيّ، بل كان يُخرجهم من الإنسانيّة المشتركة.
  • ومن قضى من الإعلاميّين سنوات يفتح نشرته كلّ مساء على ضيف “محلّل” يُكرّر نفس السرديّة، ويستضيف خصومه في كمائن لا في حوارات، ويُعدّ تقاريره على مقاس الشيطنة المسبقة، لم يكن يُمارس “صحافة الرأي” كما يحبّ أن يقول الآن، بل كان يبني بنية تحتيّة للكراهيّة ستبقى لعقد على الأقلّ.
  • ومن أصدر فتوى، أو رأيا قانونيّا، أو رأيا دستوريّا يُحلّل ما لا يُحلّل، كان يضع توقيعه الرّمزيّ على ما سيأتي. فالاستبداد لا يكتفي بالقوّة، يحتاج دائما إلى خبير يُؤطّر له القمع لغويّا، وإلى شيخ يُؤمّن له شرعيّة رمزيّة، وإلى أستاذ قانون يُسمّي الانقلاب بأسماء أخرى.
  • ومن كان يردّد، علنا أو همسا، عبارة “ماهمش كيفنا” — بكلّ ما تحمله من نزع صريح للإنسانيّة المشتركة، وكلّ ما تحمله من تأسيس ضمني لمواطنة من درجتين — كان يفعل بالكلمة العاميّة البسيطة ما يحتاج المنظّرون إلى صفحات لفعله. “ماهمش كيفنا” هي الصيغة التونسيّة المختصرة لفكرة الاستبدال الكبير: نحن “نحن”، وهم شيء آخر، لا يُشاركوننا الهواء ولا التراب ولا المستقبل. والذي قال هذه العبارة بقلبه لسنوات، لا تُصدّقه فجأة حين يكتب أنّ “النّاس أنفس هائمة مثقلة بأوجاع”.

ثانيا: اختبار الاستئصاليّة الحقيقيّ

لكنّ أعمق ما يكشف هذه البنية ليس مواقفها من الإسلاميّين، بل مواقفها ممّن يتعاطف معهم من العلمانيّين أنفسهم. هنا تنكشف الاستئصاليّة في حقيقتها: ليست خلافا أيديولوجيّا قابلا للحوار، بل عقيدة قائمة بذاتها.

الصديق عبد اللطيف العلوي، كتب في منشور بليغ، ملاحظة تستحقّ أن تُقرأ بتأمّل: إذا أردت أن تعرف طبيعة الاستئصاليّين في تونس، فلا تنظر إلى مواقفهم من الإسلاميّين. بل انظر إلى مواقفهم ممّن يتراجع من بينهم، ولو قيد أنملة، ويتحالف مع الإسلاميّين، أو يتعاطف معهم، أو يحاول أن يُنصفهم بشقّ كلمة، حتّى ولو كان يساريّا أبا عن سابع جدّ، أو “حداثيّا تقدميّا” بأوراق ثبوتيّة لا يرقى إليها الشكّ.

انظر ماذا فعلوا بـالمنصف المرزوقي: حقوقي بتاريخ نضالي يمتدّ إلى ما قبل الثورة، ناشط علماني يساري ليبراليّ، ومع ذلك تحوّل في خطابهم إلى “خائن للوطن” و”عميل للإخوان” بمجرّد أنّه قبل التحالف معهم في حكومة الترويكا.

انظر ماذا فعلوا بـمصطفى بن جعفر والتكتّل في الأشهر الأولى للترويكا، قبل أن “يتوب” و”يثوب” إلى رشده ويغلق البرلمان بـ”الكوبة” ويهرب إليهم بالمفتاح، فرفعوا عنه فجأة وصف “العميل” وأعادوه إلى دائرة “النّخبة المحترمة”.

انظر إلى موقفهم من الباجي قائد السبسي نفسه، قبل لقاء باريس مع الغنوشي وبعده: كيف تحوّل فجأة من “البورقيبيّ الأخير” و”الأب المنقذ” و”مبعوث العناية الإلهيّة” إلى “رمز الخيانة” و”المتستّر على الجهاز السرّيّ”. الرجل نفسه، التاريخ نفسه، السياسات نفسها، لكنّه ارتكب الخطيئة الكبرى: اعترف بشرعيّة الخصم. هذا وحده كان كافيا لإخراجه من الجماعة.

انظر إلى موقفهم من أحمد نجيب الشّابي بعد جبهة الخلاص. الرجل الذي قضى عمره يساريّا علمانيّا قوميّا، وكان أحد رموز معارضة بن علي، صار في لحظة “خادما للإخوان” لمجرّد أنّه شارك في جبهة معارضة تضمّ النّهضة. ومثله عصام الشّابي، وجوهر بن مبارك، وشيماء عيسى، الذين كانوا جميعا شركاءهم في “مأدبة الروز بالفاكية” — أي في الفضاءات الثقافيّة العلمانيّة المشتركة — ثمّ صاروا “متآمرين مع النهضة على الدولة”.

انظر إلى موقفهم من العيّاشي الهمّامي، وكيف وقفوا في طريقه يوم رُشّح للمحكمة الدستوريّة، مع أنّه يساري تاريخيّ ومدافع عن حقوق الإنسان لعقود. وتهمته الوحيدة كانت: الإنصاف. مجرّد الإنصاف.

انظر إلى مواقفهم من كلّ امرأة “حداثيّة” تقول كلمة حق في الإخوان: كيف تتحوّل في لحظة إلى “جارية الغنوشي” و”مجاهدة نكاح”. وانظر إلى مواقفهم حتّى من المدوّنين اللّاإسلاميّين الذين يكتبون متحرّرين من الاستقطاب، كيف يصبحون “طحّانة النّهضة” و”مانيش نهضاويّ لكن…”.

هذا النمط يكشف الحقيقة الجوهريّة: لا تتوهّموا أنّ من وصلت به الحال إلى هذا المستوى، يمكن أن تكون مشكلته معك مشكلة مشتركات أو أفكار أو برامج، يمكن تذليلها بالحوار. ولا أن تكون مشكلة مصالح متباينة يمكن الاتّفاق على الحدّ الأدنى المشترك منها. إنّها عقيدة استئصال. والفرق بين فصائلها ليس في الجوهر، بل في مستوى الجرأة في التعبير. بعضهم يقول ذلك علنا، بوجه مكشوف. وبعضهم يُفضّل أن يصمت بينما يقولها غيره، فيستفيد من النتيجة دون أن يتحمّل ثمن التصريح.

وهذا بالضبط ما يجعل خطابهم الحاليّ عن “المحبّة” غير قابل للتصديق. لأنّ من بنى عقيدة استئصاليّة على مدى عقد، ولم يُفكّكها صراحة، لا يستطيع أن يُلغيها بمنشور صباحيّ عن “الصدقة النفسيّة”. العقيدة لا تذوب، تتخفّى فحسب. وتنتظر لحظتها التالية.

والآن، حين يكتبون اليوم عن “ما يجمعنا”، فالسؤال البديهيّ هو: يجمعنا مع مَن بالضّبط؟ هل يجمعنا مع “الخوانجيّة” الذين كنتم تطالبون بـ”تحرير تونس” منهم؟ هل يجمعنا مع “الإرهابيّين” الذين كنتم تصنعون منهم وحوشا كلّ مساء؟ هل يجمعنا مع الذين كنتم تقولون عنهم “ماهمش كيفنا”؟ هل يجمعنا مع المرزوقي والشّابي وبن جعفر والعيّاشي الهمامي ومئات غيرهم ممّن أخرجتموهم من “نحن” بمجرّد إنصافهم لخصومكم؟

السؤال محرج، لكنّه مشروع. لأنّكم إن لم تُجيبوا عنه صراحة، فأنتم لا تدعون إلى المحبّة فعلا. تدعون إلى محبّة منقوصة، تستثني مَن سبق أن وضعتموهم خارج دائرة “نحن”.

ثالثا: ما الذي يقوله علم النفس الاجتماعيّ؟

اشتغلتُ في الكتاب على مفهوم أساسيّ طوّره الباحث ألبرت باندورا، اسمه “فكّ الارتباط الأخلاقيّ” (Moral Disengagement). الفكرة باختصار: الإنسان لا يستطيع أن يُلحق الأذى بإنسان آخر دون أن يُهيّئ نفسه نفسيّا لذلك. يحتاج إلى تبريرات. وأبرز هذه التبريرات:

  1. نزع الإنسانيّة: كلّ خطاب سياسيّ عنيف يبدأ بتحويل الخصم من إنسان كامل له حقوق، إلى شيء أو حشرة أو “منظومة” أو “احتلال”. اللغة الباردة التقنيّة (“منظومة”، “احتلاليّة”، “إرهابيّون”) أخطر من الشتيمة المباشرة، لأنّها تُسكت الضمير بدل أن تستفزّه.
  2. المقارنة المواتية: “صحيح أنّنا قسوْنا، لكنّ ما فعله الإخوان أسوأ.” “العشريّة السوداء” بكلّ ما حملته من تعميم وشيطنة، كانت بالضبط هذه الآليّة: تبرير كلّ ما سيأتي بمقارنته بـ”الأسوأ المُفترض”.
  3. إعادة التوصيف الأخلاقيّ: الإقصاء يصبح “تحريرا”، والملاحقة القضائيّة لمعارضين تصبح “تطهيرا”، والخروج عن الدستور يصبح “تصحيح مسار”.
  4. تجاهل العواقب: وهذا هو بيت القصيد. حين لا نرى أو لا نعترف بالأذى الذي نُسبّبه، يسهل علينا الاستمرار في الفعل. الضمير يُزعجنا حين نرى معاناة ضحايانا، لكن حين نُغمض أعيننا أو نُقلّل من أهميّة ما نراه، الضمير يصمت.

والآن، بعد أربع سنوات: راشد الغنوشي محكوم بأحكام تتجاوز أربعين سنة سجنا. المنصف المرزوقي محكوم غيابيّا بأحكام متراكمة، يعيش في المنفى. أحمد نجيب الشّابي، اليساريّ التاريخيّ، خلف القضبان. عبير موسي نفسها، أشدّ خصوم النّهضة، في السجن. صحفيّون، محامون، نقابيّون، رجال أعمال، ونشطاء مدنيون. والدائرة اتّسعت كما تتّسع كلّ دائرة شعبويّة. والمستفيد الوحيد هو من أمسك بالسلطة.

السؤال إلى كلّ من ساهم — بقلم أو ميكروفون، أو تحليل، أو رأي دستوريّ — في صناعة مناخ ما قبل 25 جويلية: حين تكتبون اليوم عن “المحبّة” و”ما يجمعنا”، هل ترون هؤلاء؟ هل أسماؤهم تحضر في “نحن” خاصّتكم؟ هل هم جزء من “النّاس الأنفس الهائمة المثقلة بأوجاع”؟ أم أنّهم لا يزالون، في لا وعيكم، “المنظومة” التي كنتم تنتظرون تحرير تونس منها؟

إن لم تُجيبوا عن هذا، فالمحبّة التي تكتبون عنها ليست محبّة. هي استراحة محارب.

رابعا: لماذا لا تكفي نصوص المحبّة؟

في الفصل الذي خصّصتُه لشروط الخروج من دوّامات الحقد، حلّلتُ تجارب جنوب أفريقيا ورواندا وأيرلندا الشماليّة، واستخرجتُ منها قاعدة واحدة: أن المصالحة لا تعني النّسيان أو التجاهل، بل تعني الاعتراف بالماضي والعمل على بناء مستقبل مختلف. أما الاعتراف بدون أيّ شكل من المحاسبة، ولو كانت محاسبة رمزيّة، فيُعرّض المصالحة نفسها لفقدان مصداقيّتها في عيون الضحايا.

ولنوضّح: لا أحد هنا يطالب بسجن أو محاكمة كاتبة أو صحفي أو أكاديمي أو رجل قانون. الطلب أبسط بكثير: الاعتراف.

ما الذي يعنيه الاعتراف في حالات كهذه؟

  • أن يقول الكاتب صراحة: “أخطأتُ حين وصفتُ خصومي بأنّهم منظومة احتلاليّة”.
  • أن يقول الصحفيّ صراحة: “أخطأتُ حين بنيتُ نشرتي على شيطنة قيادات سياسيّة، واستضفتُ ضيوفا في كمائن لا في حوارات”.
  • أن يقول الأكاديميّ صراحة: “نظّرتُ لمنطق كنتُ أعلم أنّه ينتهي إلى الإقصاء، وتغاضيتُ”.
  • أن يقول رجل القانون الدستوريّ صراحة: “برّرتُ ما لا يُبرر، أو سكتُّ حين كان واجبي أن أتكلّم”.
  • أن يقول السياسيّ صراحة: “حشدتُ قاعدتي ضدّ خصمي بخطاب كنتُ أعلم أنّه يُؤسّس لما هو أبعد من الخلاف السياسيّ”.

وأن يذكر كل منهم، بالأسماء، من يعتذر منهم. لا أن يكتبوا “محبّة” مجرّدة تذوب فيها الوجوه والأسماء.

هذا الاعتراف ليس إذلالا للذّات، بل هو فعل شجاعة. وبدونه، يبقى الانتقال من خطاب “الخوانجيّة” إلى خطاب “صدقة الابتسامة”، ومن خطاب “الإرهاب” إلى خطاب “الحوار الوطنيّ”، انتقالا في الموضوع لا في البنية. نفس الذّات التي حكمت بالنّفي الجماعيّ بالأمس، تحكم اليوم بالمحبّة الجماعيّة. وفي الحالتين، الخصم الحقيقيّ، أي الإنسان الذي وقع عليه الأذى الفعليّ، لا يحضر إلّا كغياب.

خامسا: لنتحدث عن تونس المعطّلة، قبل تونس الممكنة

خرجت مؤخّرا عدّة كتب بعناوين متقاربة: “تونس الممكنة”. أمّا أنا فكتبتُ كتابا سمّيتُه “أزمة المنطلقات والأولويّات في تونس”، باعتبار أنّ الخطوة الأولى قبل الحديث عن الحلول هي توصيف واقع الأزمة بكلّ تفاصيلها. وحين نقوم بهذا التوصيف، نصل إلى خلاصة أولى: أن تونس مُعطَّلة. في حالة انسداد كامل. ولا يمكن الحديث عن “الإمكان التونسيّ” قبل الانتهاء من تفكيك المُكبِّلات والمُعطِّلات.

وفي سياق هذا المقال، ما يُقلقني وأنا أتأمّل المشهد ليس فردا بعينه، بل الظاهرة الجماعيّة. عشرات الأسماء التي صنعت الرأي العامّ في “العشريّة”، صنعت معه مناخ ما قبل 25 جويلية. ثمّ، حين انكشف المآل، أعادت تموقعها. لكنّها لم تُراجع. كتبت نصوصا جديدة، لكنّها لم تُسائل النصوص القديمة.

والنتيجة أنّ تونس اليوم مُعطَّلة ومسدودة، نفسيّا واجتماعيّا وسياسيّا. كما أُحلّل في كتاب “الحقد السياسيّ”:

“حين تُستعمل الذاكرة لتكريس صورة الخصم الذي لا يُسامَح ولا يُؤمَن جانبه، ينهار الاعتراف المتبادل، ويصبح كلّ توافق خيانة، وكلّ تسوية استسلاما، وكلّ تداول سلمي على السلطة نوعا من التهديد للهويّة. وبهذا لا يبقى في السّاحة إلّا خياران: إقصاء دائم أو صراع دائم.”

البلاد لا تتقدّم إلى الأمام لأنّ نخبتها الإعلاميّة والثقافيّة والسياسيّة والأكاديميّة لم تتصالح مع ماضيها القريب. تكتب عن المحبّة، نعم، لكنّ المحبّة دون اعتراف هي هروب من المسؤوليّة، لا تجاوز لها. وهي بذلك تُضيف معطِّلا جديدا، لا تَرفعُ معطِّلا قائما.

وما دام هذا الاعتراف غائبا، فإنّ كلّ “تصحيح مسار” قادم، وكلّ موجة شيطنة قادمة، وكلّ ضحيّة جديدة، ستجد نفس النّخبة جاهزة لتبرير القمع باسم “حماية الدولة”، ثمّ، بعد سنوات، جاهزة لكتابة منشورات جديدة عن “ما يجمعنا”.

الحلقة لن تنكسر بنصوص صوفيّة جميلة. ولن تنكسر بفقرات مُنمَّقة عن “الإنسان”. ستنكسر فقط حين يجرؤ كاتب واحد، وصحفي واحد، وأكاديمي واحد، ورجلُ قانون واحد، على أن يكتب جملة واحدة صريحة: أنا أخطأتُ في حقّ فلان وفلان. أعتذر.

ساعتها، ولأوّل مرّة منذ سنوات، سيُصدّقهم أحد.

خاتمة

ألّفت كتاب “الحقد السياسيّ” كظاهرة دولية، ولكن عيني كانت على تونس بالأساس.

وهو ليس كتابا عن السياسة بقدر ما هو كتاب عن شروط العيش معا. وهو يُذكّر بقاعدة بسيطة: لا تُطوى صفحة ما لم يكتب أحد على ظهرها كلمة “اعتذار”. قبل ذلك، مهما كتبنا على وجهها من شعارات عن المحبّة، تبقى الصفحة مفتوحة، يقرأ منها الجلّاد القادم تعليماته.


“الحقد السياسي — دراسة في آليات الشعبوية والأزمة الأخلاقية، من منظور علم النفس الاجتماعي” — الشبكة العربية للأبحاث والنشر، إسطنبول، 2026. متوفّر الآن في معرض الدوحة للكتاب.