قرأت مقال الصديق عبد اللطيف العلوي Aloui Abdellatif “من دفاتر العشريّة المغدورة: أكذوبة التّمكين”، وأتّفق مع خلاصته الكبرى: أنّ الإسلاميين في تونس لم “يتمكّنوا” بعد الثورة، وأنّ من مارس التّمكين فعلاً — بالمعنى الإجرائيّ للاستحواذ على مفاصل الدولة — إنّما كان خصومهم من داخل الإدارة والإعلام والمنظّمات وشبكات النفوذ القديمة.

وأريد أن أضيف إلى تحليله توضيحا أراه ضروريّا كي لا يبدو أن هناك نفيا لتاريخ كلمة “التمكين” ودلالتها في وجدان الحركة الإسلاميّة نفسها.

1 — مع العلوي في التفكيك

العلويّ محقّ في تفكيك الوظيفة السياسيّة لتهمة “التّمكين”. محقّ حين يبيّن أنّ النخبة الاستئصاليّة صنعت قاموساً بوجهين: وجهاً ناعماً يسمّي استحواذها “خبرة واستمراريّة”، ووجهاً بوليسيّاً يسمّي كلّ تعيين لخصم “اختراقاً” و”أخونةً”.

ومحقّ حين يذكّر بأنّ النهضة بعد 2011 لم تحكم منفردة، بل دخلت ائتلاف الترويكا وتركت الرئاسة للمرزوقي ورئاسة التأسيسي لبن جعفر، وشاركت في دستور توافقيّ يحمل بصمات خصومها، ثمّ خرجت من السلطة طوعاً سنة 2014، وهو ما لا تفعله الأحزاب الشموليّة.

ومحقّ أخيراً في مفارقته الأعمق: أنّ الذين حذّروا من “تمكين” النهضة كانوا يمارسون تمكيناً مفضوحاً لا يثير الفزع لأنّه “يتحدّث بفرنسيّة طليقة”.

نتفق في كل هذا.. ولكن هناك ما يتوجب قوله أيضا في المقابل.

2 — “التّمكين” كان مصطلحاً حيّاً، لا اختراعاً للخصوم

أنا شخصيا لم أنتم للنهضة قبل الثورة بأي شكل من الأشكال، ولكنني كنت دائما في حدود التّماس معها. ولم أقرأ عن “التّمكين” في الكتب فحسب، بل عايشته مصطلحاً حيّاً متداولاً بكثافة في أوساط الاتّجاه الإسلاميّ والنهضة. سمعته في المسجد، وفي المعهد الثانويّ، وفي الجامعة. ولم يكن كلمةً عابرة أُخرجت من سياقها كما قد يوحي دفاع العلوي، بل كان جزءاً من مقاربة فكريّة وحركيّة راسخة تقرأ مسار الدعوة على منوال مراحل البعثة النبويّة: الفترة المكّيّة السرّيّة أوّلاً، ثمّ الجهر بالدعوة، ثمّ القتال والتّمكين. وكانت هذه المراحل تُستعاد بوصفها نموذجاً تنظيميّاً لمسار الحركة نفسها، لا مجرّد سردٍ لسيرةٍ ماضية. وهي أفكار مستمدة أو مبثوثة في كتابات البنا والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب، وكتّاب ما يسمى “الإسلام الحركي”.

ومن جلس في تلك الحلقات يعرف أنّ منطق “المرحلة السرّيّة” لم يكن استعارة بلاغيّة، بل تصوّراً عن مسارٍ له بداية مكتومة، ونهاية غالبة.

وهذا التصوّر لم يكن خاصّاً بتونس، بل كان واسع الانتشار في أدبيّات الإخوان المسلمين وعددٍ من الحركات الإسلاميّة السنّية، حيث كان يقوم على منطق تأجيل اكتمال المشروع إلى حين توفّر شروط القوّة والقدرة. وعندما يصبح هذا التصوّر جزءاً من الثقافة التنظيميّة، فمن الطبيعي أن يثير تساؤلات لدى الخصوم حول طبيعة المشروع السياسي وحدود التزامه النهائي بقواعد اللعبة الديمقراطيّة.

نعم ربما تخلت قيادات النهضة عن ذلك وتبنت الديموقراطية. ولكن الفجوة بقيت كبيرة مع القواعد الذين لم يحدثوا قطيعة فكرية وخطابية مع المفردات.

3 — لماذا كان الخوف حقيقيّاً؟

هنا موضع اختلافي الجزئيّ مع العلوي: لا في الخلاصة، بل في تفسير منشأ الخوف.

فالمصطلح في تونس كان بالفعل مخيفاً ومرعباً لكثيرٍ من خصوم التيّار الإسلاميّ، ولا يمكن التغاضي عن ذلك أو التهوين ممّا كان يخلقه في النفوس والأذهان. لأنّ منطق “المراحل” — مهما كانت نيّة حامليه — يصوّر الإسلاميّ، في ذهن خصمه، منافقاً يُظهر خلاف ما يُبطن، يقبل بقواعد اللعبة الديمقراطيّة مؤقّتاً إلى أن يبلغ مرحلة القوّة التي تسمح له بالسيطرة والغلبة. ومن يسمع خطاباً يقسّم التاريخ إلى مرحلة استضعافٍ ومرحلة تمكين، من حقّه أن يتساءل: في أيّ مرحلة أنتم الآن حين تصافحونني؟

لا أقول هذا لتبرير الاستئصال، فالاستئصال جريمة في حقّ الديمقراطيّة كما بيّن العلوي نفسه. لكنّني أقول إنّ الخوف لم يكن كلّه مصنّعاً؛ كان بعضه استجابةً طبيعيّة لخطابٍ أنتجه الإسلاميّون أنفسهم ولم يراجعوه بالوضوح الكافي.

غير أنّ وجود أسباب موضوعيّة للخوف لا يمنح أيّ طرف حقّ الانقلاب على قواعد الديمقراطيّة. ففي الأنظمة الديمقراطيّة يُحاسَب الفاعلون على ممارساتهم الخاضعة للدستور والقانون، لا على النوايا المفترضة أو الأدبيّات التاريخيّة. وثمّة فرق بين تفسير منشأ الخوف، وبين تبرير ما ترتّب عليه من إقصاء وتعطيل للمسار الديمقراطي.

4 — المفارقة الكبرى: ورثوا الخطاب ولم يمارسوه

ومع ذلك، أعود لأتّفق مع العلويّ في النتيجة: الإسلاميّون لم يتمكّنوا فعلاً بعد الثورة، سواء كان ذلك عن قصدٍ في إدارة اللحظة أو عن عجزٍ عن الحسم. بل إنّ الفجوة بين خطاب “المراحل” الموروث وبين الممارسة السياسيّة للنهضة بعد 2011 كانت واسعة إلى حدّ المفارقة: حزبٌ اتُّهم بابتلاع الدولة تنازل عن الرئاسة، وقبل بحكومة تكنوقراط، وخرج من السلطة، وابتلع الإهانات باسم الاستقرار.

ومن تمكّن فعلاً هو خصمُه: شبكات النظام القديم، واليسار الإداريّ، ومن بعده منطق “الوطد” ومن سار في ركابه ممّن استعملوا أجهزة الدولة والقضاء والإعلام لتصحيح خيار الناخبين حين لم يأتِ على مزاجهم. هؤلاء لم يكتفوا بالتّمكين بالمعنى الذي خافوه في غيرهم، بل مارسوا استحواذاً مكشوفاً تحت عناوين “حماية الدولة” و”إنقاذ الدولة المدنيّة”.

وهذه هي المفارقة: الإسلاميّون ورثوا خطاب التّمكين ولم يمارسوه، بينما مارس خصومهم التّمكين ولم يحملوا اسمه.

لقد كانت تهمة “التّمكين” بالفعل أداة تعبئة سياسيّة أكثر منها وصفاً لواقعٍ عاشته تونس بعد الثورة. لكنّ الحركة الإسلاميّة تتحمّل، في تقديري، نصيباً من المسؤوليّة أيضاً؛ لا لأنّها مارست التّمكين، بل لأنّها لم تحسم انتقالها الفكريّ من حركة دعويّة ذات أدبيّات تنظيميّة إلى حزبٍ مدنيّ ديمقراطيّ يراجع بوضوح مفرداته القديمة ويقطع مع كلّ ما يمكن أن يُفهم باعتباره مشروعاً مؤجّلاً خارج قواعد التداول الديمقراطي للسلطة. وحتى لو حسمته بعض القيادات، فإنه بقي قائما ومتداولا في صفوف القواعد.

فالمشكلة لم تكن في واقع لم يحدث، بل في خطابٍ ظلّ يوحي بإمكان حدوثه. وقد منح ذلك خصومها الذريعة التي احتاجوها لتغذية المخاوف، قبل أن يحوّلوا تلك المخاوف إلى مشروعٍ سياسيّ لإقصاء خصمٍ انتصر في صناديق الاقتراع.

لذلك أوافق العلويّ في أنّ تهمة “التّمكين” استُعملت لتخريب الانتقال الديمقراطي أكثر ممّا استُعملت لوصف الواقع. لكنّني أضيف أنّ مراجعة هذا الملفّ لا ينبغي أن تقتصر على خصوم الإسلاميّين وحدهم. فكما يحتاج الاستئصاليّون إلى مراجعة خطاب الإقصاء، تحتاج الحركة الإسلاميّة أيضاً إلى مراجعة أدبيّاتها ومفرداتها، حتى لا يبقى الماضي التنظيميّ يلقي بظلاله على حاضرها السياسيّ.

بهذا وحده يمكن أن تتحوّل التجربة التونسيّة إلى درسٍ للجميع، لا إلى مرافعةٍ جديدة باسم طرفٍ ضدّ آخر.