رحيل صابر النفزاوي لا يطرح سؤالًا عن الرجل فقط، بل عن الأفكار التي كان يدافع عنها.

فالإنسان يموت، بينما الأفكار لا تعيش إلا إذا وجد من يحملها، ويعيد إنتاجها، ويدافع عنها، ويخوض بها معارك فكرية جديدة. وإذا غاب أصحابها، ولم يجدوا من يتبناها عن اقتناع، فإنها تذبل تدريجيًا، مهما كان حضور صاحبها في لحظة وفاته.

أقرأ اليوم عشرات كلمات الرثاء المؤثرة، وأتفهم الحزن الإنساني على فقدان شاب عرفه كثيرون بدماثة أخلاقه، وتدينه، واجتهاده في القراءة والكتابة. وهذا جانب إنساني نبيل لا يحتاج إلى نقاش.

ولا أشكك هنا في صدق العاطفة الدينية التي حملها صابر، ولا في إخلاصه لما كان يعتقده، ولا في الجهد الكبير الذي بذله في القراءة والكتابة والدفاع عن قناعاته. لكن كل ذلك لا ينبغي أن يعمينا عن جوهر “مشروعه الفكري”. فالمشاريع الفكرية لا تُقاس بصدق أصحابها أو نبل مقاصدهم فحسب، وإنما أيضًا بالأفكار المركزية التي تؤسس لها، وبالآثار التي يمكن أن تترتب عليها في الواقع. وكثيرًا ما يطغى، عند وفاة المفكر، الثناء على أخلاقه واجتهاده، فتضيع وسط عشرات المقالات والتفاصيل الأفكار المؤسسة التي شكّلت حقيقة مشروعه، والتي ينبغي أن تكون محل السؤال: هل يتبناها من يرثونه اليوم فعلًا؟

لكنني أتساءل عن الجانب الفكري.

هل يوجد اليوم من يتبنى فعلًا مشروع صابر الفكري بكل تفاصيله؟

  • هل يوجد من يعلن تبنيه لرفض الديمقراطية باعتبارها منظومة مناقضة للإسلام، بكل ما يعنيه ذلك من نزع للشرعية عن النظام الدستوري والتعددي الذي لا تزال تونس، رغم أزماتها، تحاول الحفاظ عليه؟

  • وهل يوجد من يتبنى خطابه القائم على المفاصلة العقدية، بما يحمله من تقسيم للمجتمع والنخب إلى معسكرات متقابلة يصعب بينها الحوار أو بناء التوافقات الوطنية؟

  • وهل يوجد من يتبنى قراءته للهوية بوصفها المعيار الأعلى الذي تُوزن به جميع القضايا السياسية والفكرية، بما يؤدي إلى تهميش الأسئلة العملية المتعلقة ببناء الدولة، والحريات، والاقتصاد، والعدالة الاجتماعية؟

  • وهل يوجد من يوافق على اختزال مدارس فكرية وسياسية متنوعة، كالديمقراطية الاجتماعية وغيرها، في صورة أيديولوجية واحدة، بما يغلق باب الاستفادة من التجارب الإنسانية المختلفة، ويكرس منطق التصنيف والإقصاء بدل النقد والتمييز؟

  • وهل يوجد من يتبنى الرؤية التي تجعل الدولة المدنية الحديثة، بمؤسساتها وآلياتها، مجرد نموذج غريب ينبغي تجاوزه، بما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الانقسامات الإيديولوجية التي أنهكت تونس لعقود؟

هذه ليست تفاصيل هامشية في مقالات صابر، بل هي جوهر ما يدور حوله فكريا في كل ما كتب، بكل ما يحمله من آثار على مستقبل الدولة والمجتمع.

بعض الذين يكتبون اليوم في رثائه ينتمون أصلًا إلى أحزاب أو مدارس سياسية تقوم شرعيتها على الديمقراطية، أو يمارسون العمل السياسي من داخل منظومتها. فهل أصبحوا يتبنون موقفه منها؟ أم أنهم يرثون الرجل، لا الفكرة؟

وهنا يكمن الفرق. لماذا يمارسون التعمية ويكتفون بالعموميات في حين أن المطلوب هو الدقة والوضوح؟

يمكن أن تحب إنسانًا دون أن تتبنى مشروعه الفكري. ويمكن أن تحترم اجتهاده دون أن توافقه. لكن من الأمانة الفكرية ألا نخلط بين الرثاء والتبني، ولا بين العاطفة والموقف الفكري.