في التاسع عشر من يونيو 2026، نظّمت مديرية الشؤون الدينية في ولاية زونغولداك التركية حفلاً لتخريج حفظة القرآن، تحوّل خلال أيام إلى جدلٍ وطنيّ صاخب. فقد خرجت جماعاتٌ علمانية تحتجّ على مشهد الأطفال وقد وُضِعوا بظهورهم إلى تمثال أتاتورك في الساحة الرسمية، رافعةً شعار “تركيا علمانية وستبقى علمانية”.
الردّ التلقائيّ لدى كثيرٍ من المتديّنين هو الاستنكار: أيُحتَجّ على تكريم من حفظوا كتاب الله؟ لكنّ هذا الردّ يقفز عن السؤال الأهمّ. فالمشكلة التي يكشفها الحدث ليست في موقف العلمانيين منه، بل في الصورة التي قدّمها التديّن عن نفسه.
⸻
أيّ صورةٍ للعبادة قُدّمت؟
حفظُ القرآن عملٌ ثمرتُه خشوعٌ وتواضعٌ وسكينة. ومن التناقض أن يُحتفى بهذه الثمرة بموكبٍ يجوب المدينة بفرقةٍ موسيقية تراثية وأعلامٍ ومسيرةٍ مهيبة، وكأنّ المقام استعراضُ قوةٍ لا مقامُ عبادة.
التباهي الفخم يناقض جوهر ما يُفترَض الاحتفاء به. فالحافظ الذي حمل كلام الله يليق به الوقار لا الصخب، والخشوع لا المواكب. وتحويلُ مقام القرآن إلى مهرجانٍ للحضور والغَلَبة في الفضاء العام إساءةٌ إلى المعنى نفسه قبل أن يكون استفزازاً لأيّ خصم. الخلل هنا داخليّ في المقام الأول: خللٌ في فهم ما يعنيه تكريم القرآن، لا في ردّ فعل الآخر عليه.
⸻
لماذا يُدار المشهد بحيث يُقرأ استفزازاً؟
مسألة النيّة لا حسم فيها؛ فلا دليل على أنّ ترتيب الأطفال بظهورهم للنصب كان مقصوداً، وحتى الناطق باسم المحتجّين لم يجزم بذلك. لكنّ الأفعال لا تُقاس بنيّاتها وحدها، بل بدلالتها ومآلاتها.
ومن مقاصد الدين درءُ الفتنة وتأليفُ القلوب. فإذا كان ترتيبٌ في مكانٍ بعينه سيُفهَم مواجهةً رمزيةً مع رمزٍ يعدّه قطاع واسع من المواطنين من رموز الجمهورية المؤسِّسة، فإنّ الحكمة الدينية ذاتها تقتضي تجنّبه — لا مجاملةً لأحد، بل وفاءً لمقصدٍ أصيل هو ألا يكون الدين ذريعةً لاحتقانٍ لا موجب له. والمشهد الذي يُنظّمه أهل الدين تقع مسؤولية ضبطه عليهم، لا على من انزعج منه.
⸻
هذا لا يُبرّئ الطرف المقابل. فرفع شعار “ضدّ الشريعة” في وجه أطفالٍ حفظوا كتاباً انزلاقٌ من النقد المشروع إلى استفزازٍ مضادّ. غير أنّ خطأ طرفٍ لا يصلح عذراً لخطأ الآخر، ونقدُ التديّن الاستعراضي لا يستقيم إن توقّف عند تسجيل أخطاء الخصم.
⸻
أخطر ما يصيب التديّن أن يتحوّل من مقامِ خشوعٍ إلى أداةِ غَلَبة، ومن سكينةٍ في القلب إلى استعراضٍ في الساحة. والإصرار على إثبات الحضور الرمزي في وجه الآخر خسارةٌ مزدوجة: خسارةٌ لجوهر العبادة، ومنحُ الخصم مبرّراً كان يمكن ألا يُمنَح.
الدولة المدنية لا تعني إقصاء الدين، والتديّن الحقّ لا يقتضي تحويل كل مناسبةٍ إلى معركة هوية. فالغيرة على الدين تُقاس بالوفاء لروحه — تواضعاً وخشوعاً ودرءاً للفتنة — لا بالانتصار له في مزايدةٍ رمزية. وتكريمُ حفظة القرآن يليق به الوقار الذي يوازي ما حملوه، لا الصخب الذي يخونه.