
أولاً: قبل أن تُكتب الكلمة
لا تبدأ الكتابة حين نكتب، بل قبل ذلك بسنوات طويلة. تبدأ حين نقرأ، وحين نتأمل، وحين نصمت، وحين تتكوّن في داخلنا تلك الطبقات الخفية التي لا يراها أحد، لكنها تكون في الحقيقة المادة الأولى لكل كلمة ستأتي لاحقاً.
هذا على الأقل ما تعلمته من تجربتي.
وحين أُسأل اليوم عن مسيرتي في الكتابة، لا أجد نفسي أعود إلى أول مقال نشرته، ولا إلى أول محاضرة ألقيتها، ولا إلى أول نص شعرت أنه يشبهني. أعود إلى ما هو أقدم من ذلك كله: إلى بيتنا، إلى رفّ صغير، وإلى رجل لم يتعلم القراءة، لكنه آمن بها أكثر مما آمن بها كثير من المتعلمين.
والدي — رحمه الله — كان أمياً لا يقرأ. لكنه، على نحو يكاد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، كان من أوائل من وضعوا في حياتي أساس العلاقة الحقيقية بالمعرفة. فقد سنّ لي منذ طفولتي قاعدة بسيطة في ظاهرها، بعيدة الأثر في حقيقتها: نصف المصروف الأسبوعي لما أشاء، والنصف الآخر للكتب والمجلات. لم يكن يقرأ هو بنفسه، لكنه عرف بحدسه ما الذي تصنعه القراءة في النفس، وكيف يتكوّن الإنسان من الداخل قبل أن يظهر ذلك على لسانه أو قلمه.
أفهم اليوم، بعد عقود، أن تلك القاعدة لم تكن مجرد تصرف تربوي عابر، بل كانت تأسيساً مبكراً لعلاقة كاملة بالعالم. لم يكن يمنحني مالاً لأستهلك، بل كان يربيني على أن يكون للكتاب نصيب ثابت من الحياة، لا بوصفه ترفاً، بل بوصفه جزءاً من التكوين. وهنا تكمن المفارقة الجميلة التي لا تغيب عني: رجل لا يقرأ، لكنه يربّي قارئاً؛ رجل حُرم من أداة المعرفة المباشرة، لكنه لم يُحرم من تقدير قيمتها.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت أتعلم القاعدة التي أزداد يقيناً بها كلما تقدمت بي التجربة: لا يمكن أن تكون غزير الكتابة إذا لم تكن غزير القراءة، وكثير الصمت، وطويل التأمل. الكتابة ليست نقطة البداية، بل محطة متأخرة في رحلة طويلة تبدأ بعينين تقرآن، وعقل يشتغل في الداخل، ونفس تتعلم أن تسكت لكي تنضج فيها الأفكار.
ولعل أكثر ما يصعب شرحه للناس هو أن الصمت ليس دائماً نقصاً في القول. أحياناً يكون وفرة فيه، لكن على صورة لم تكتمل بعد. هناك صمت الفراغ، نعم، لكن هناك أيضاً صمت الامتلاء؛ صمت الإنسان الذي لا يزال يجمع شتات معانيه، ويختبرها، ويراجعها، قبل أن يسمح لها بأن تخرج في صورة جملة أو فكرة أو موقف. وبعض الكتّاب لا يتأخرون عن الكتابة لأنهم عاجزون عنها، بل لأن عالمهم الداخلي يحتاج زمناً أطول حتى ينتقل من حال التشكل إلى حال التعبير.
وقد أعانني على ذلك كله تكوين مهني لم أكن أتوقع أثره العميق في علاقتي بالكتابة: سنوات العمل محللاً للأعمال. فالمحلل، بطبعه، لا يتسرع في إطلاق الأحكام، ولا يكتفي بالسطح الظاهر للأشياء. يراقب، يسأل، يُصنف، يعيد تركيب الصورة، ويبحث عن الأنماط التي تختبئ خلف المعطيات المتناثرة. وهذه الروح التحليلية تسربت، من حيث لا أشعر، إلى طريقة تفكيري وكتابتي معاً. لم أعد أميل إلى الكتابة السريعة، ولا إلى النشر الفوري، ولا إلى إطلاق فكرة قبل أن أديرها طويلاً في الذهن، وأقلبها من زوايا متعددة، وأختبر ما تحتها لا ما فوقها فقط.
ولهذا، لم تكن الكتابة عندي فعلاً لغوياً وحسب، بل نتيجة تكوّن طويل. كانت تأتي دائماً بعد مراحل سابقة عليها: قراءة، ثم امتلاء، ثم صمت، ثم تفكير، ثم شيء يشبه المخاض الداخلي الذي لا يهدأ إلا إذا خرج في صورة نص.
ثانياً: الكلمة الأولى لا توجد
سُئلت أكثر من مرة: متى كتبت أول نص حقيقي؟
والجواب الصادق، بعد تأمل طويل، هو أن “الكلمة الأولى” في المطلق وهم. لا توجد لحظة صفر في الكتابة، تماماً كما لا توجد لحظة صفر في النمو الإنساني. ما يوجد في الحقيقة هو سلسلة من البدايات الصغيرة، أو العتبات المتعاقبة، التي لا نعرف وقتها أنها تؤسس لما بعدها، ثم لا نفهم معناها إلا حين نلتفت إلى الوراء.
أتذكر، مثلاً، خطبة جمعة في الصف الرابع الابتدائي، كتبها تلميذ أول في مدرسته ووقف بها أمام المصلين دون تعديل من المدرس. وأتذكر بحثاً في سيرة الخلفاء الأربعة في السنة الرابعة ثانوي، نلت عليه 19.5 من 20. وأتذكر عرضاً عن فيلم “Hanna K” لكوستا غافراس، قال فيه الأستاذ أمام الفصل كلاماً لم يغادر ذاكرتي: “لأول مرة أجد طفلاً في مثل سنك بهذا النضج الفكري والقدرة على الكتابة.” ثم أتذكر أول محاضرة في السنة الأولى جامعة، وأول بحث علمي في الماجستير، وأول مقال ديني نُشر في مجلة العصر حول “التوظيف الإعلامي والدعاية الموجهة”…
كل واحدة من هذه المحطات كانت بداية، لكنها لم تكن البداية المطلقة. وكل واحدة منها كانت “كلمة أولى” في سياقها الخاص: أول وقوف أمام جمهور، أول اعتراف من أستاذ، أول احتكاك جاد بالفكر، أول اختبار لقدرة الكتابة على حمل فكرة، أول لحظة أشعر فيها أن اللغة لم تعد مجرد أداة مدرسية، بل صارت فضاءً يمكن أن يسكنه الإنسان.
ولعل الخطأ في سؤال “متى بدأت؟” أنه يفترض أن حياة الكاتب تُبنى بلحظة واحدة فاصلة. لكن التجارب العميقة لا تبدأ هكذا. إنها تنمو فينا على هيئة طبقات، وتتشكل عبر مقدمات طويلة، وتحتاج أحياناً إلى سنوات حتى نفهم أن ما كنا نعدّه حدثاً عابراً كان في الحقيقة جزءاً من تشكّل مصير كامل.
ولهذا أجد الصورة الأقرب إلى نفسي، في وصف العلاقة بين الكاتب وكتابته، هي صورة الطفل قبل النطق. فالطفل لا يتعلم الكلام بطريقة خطية مرئية. لا نراه كل يوم يضيف لبنة ظاهرة يمكن قياسها بسهولة. بل يعيش أشهراً طويلة يسمع ويختزن ويعالج، ويبدو، من الخارج، صامتاً. وربما ظن من لا يفهم هذا المسار أنه لا يفعل شيئاً. ثم فجأة، دون مقدمات تبدو كافية في نظرنا، تخرج الكلمة الأولى. وبعدها تنساب الكلمات تباعاً، كأن شيئاً كان محتجزاً ثم انفتح دفعة واحدة.
لكن الحقيقة أن الطفل لم يكن صامتاً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ كان عامراً. كان ممتلئاً بما يسمع، وبما يختبر، وبما يحاول في داخله أن يبني له نظاماً قبل أن يخرجه إلى الخارج. لم تكن المشكلة في غياب المادة، بل في أن الجهاز لم يكن قد اكتمل بعد.
وهكذا، في جانب كبير منها، تبدو لي الكتابة. سنوات القراءة والتأمل والصمت ليست فراغاً، بل هي مرحلة التخزين والمعالجة. الأفكار تتراكم، والمواقف تتشكل، واللغة تبحث عن مستواها المناسب، والإنسان نفسه يتغير دون أن ينتبه. ثم يأتي يوم يجد فيه أن الكتابة لم تعد خياراً إضافياً، بل ضرورة داخلية؛ لم تعد شيئاً يفعله ترفاً أو عادة، بل شيئاً يحدث له لأنه لم يعد قادراً على إبقاء ذلك العالم الداخلي في حالة كتمان دائم.
ومن هنا، فإن فترات الصمت في حياة بعض الكتّاب لا ينبغي أن تُفهم دائماً بوصفها عجزاً أو انقطاعاً. أحياناً تكون هذه الفترات من أكثر المراحل امتلاءً في مسيرتهم، لكن امتلاءً لم يبلغ بعد درجة الإفصاح. وبعض البطء في الكتابة ليس ضعفاً في الرغبة، بل احتراماً غامضاً للكلمة، أو حاجة داخلية إلى أن تنضج الفكرة قبل أن تُلقى إلى الناس.
ثالثاً: درس الحرج وسنوات الانتظار
لكن إذا كانت القراءة والصمت والتفكير تُعدّ الكاتب للكتابة، فلماذا يتأخر بعضهم — رغم الامتلاء — عن النشر؟
هنا يبدأ جانب آخر من القصة، أكثر حساسية، وأكثر صلة بالنفس من صلته باللغة.
في عام 2007، قدّمت عرضاً بـPowerPoint أمام مديرين في جامعة أوتاوا حول منظومة قياس الأداء. لا أتذكر كل تفاصيل السياق اليوم، لكنني أتذكر الأثر الذي تركه ذلك الموقف في نفسي. كنت قد تهاونت في الإعداد، أو على الأقل لم أبلغ فيه مستوى الجاهزية الذي يقتضيه المقام، فوجدت نفسي محاصراً بأسئلة كشفت أنني أغفلت أموراً جوهرية. كان الحرج شديداً، وواضحاً، وقاسياً بما يكفي ليترك أثراً لا يُنسى.
وهناك لحظات في الحياة لا تكون كبيرة من الخارج، لكنها من الداخل تؤسس لشيء طويل الأمد. وهذا كان واحداً منها.
فالحرج الشديد، حين يصيب إنساناً مائلاً بطبعه إلى الدقة وطلب الإتقان، لا يمر مروراً عابراً. إنه لا يبقى مجرد ذكرى سيئة، بل قد يتحول إلى آلية داخلية للمراقبة والتشدد والاحتياط المفرط. ومنذ ذلك اليوم، تكوّن في داخلي، بوعي أو بغير وعي، خيار صارم: إما أن تكون جاهزاً حقاً، وإما أن تعتذر بصدق عن تحمل المسؤولية.
وكان لهذا الخيار، مع مرور الوقت، أثر تجاوز عالم العمل إلى عالم الكتابة.
بدأت أطبق على النصوص ما كنت أطبقه على العروض والمسؤوليات: لا تخرج ما لم تضمن، بقدر ما تستطيع، أنك أحطت به من كل جانب. ولا تضع نفسك في موضع مساءلة عامة إلا إذا شعرت أنك بلغت درجة عالية جداً من الجاهزية. وهذه القاعدة قد تبدو في ظاهرها فضيلة، وهي كذلك إلى حد معين، لكنها قد تتحول بعد حدها المعقول إلى قيد ثقيل.
وقد ظهرت نتائج ذلك بوضوح. بحث في التعددية الثقافية انتظر في الأدراج قرابة سنتين قبل أن يشجعني صديق باحث ويدفعني إلى المشاركة به في مؤتمر دولي. وكتاب “التنوع الإسلامي” ظل مسودة خمس عشرة سنة كاملة. وكتب أخرى في الطائفية، والشعائر الإسلامية، ومسالك البحث في وجود الله، ورؤية العالم من خلال الدعاء النبوي — كلها انتظرت في صمت طويل، لا لأن مادتها الفكرية كانت خالية من القيمة، بل لأن صاحبها لم يكن جاهزاً نفسياً للعبور بها إلى المجال العام.
وهنا أدركت شيئاً لم أكن أفهمه بوضوح من قبل: الكتابة شيء، والنشر شيء آخر. الكتابة يمكن أن تبقى شأناً داخلياً آمناً إلى حد بعيد؛ حواراً بين الإنسان ونفسه، أو بينه وبين فكرة ملحّة عليه. أما النشر فليس امتداداً آلياً للكتابة، بل هو فعل مواجهة. مواجهة مع القارئ، ومع النقد، ومع سوء الفهم المحتمل، ومع التأويلات التي لا يملك الكاتب دائماً أن يتحكم فيها. وهو، فوق ذلك كله، شكل من أشكال التعرض الشخصي؛ لأن النص المنشور لا يُقرأ وحده، بل يُقرأ ومعه صاحبه، وصورته، وادعاؤه الضمني أو المظنون.
ولذلك قد يملك الإنسان القدرة على الكتابة في وقت مبكر، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية للنشر إلا متأخراً. لا لأن نصه فارغ، بل لأن الخروج إلى الناس امتحان آخر غير الكتابة نفسها.
وهنا بالذات يتسلل ما نسميه عادة “الكمالية”. وقد بقيت زمناً أنظر إليها بوصفها فضيلة خالصة: رغبة في الجودة، ورفضاً للتساهل، وحرصاً على أن لا يخرج إلى الناس إلا ما يستحق. وهذه المعاني، من حيث الأصل، معانٍ نبيلة لا خلاف عليها. لكن التجربة علمتني أن الكمالية ليست دائماً حباً بريئاً للإتقان. قد تكون أحياناً اسماً مهذباً للخوف: الخوف من النقص، والخوف من النقد، والخوف من أن يظهر العمل أقل من الصورة المثالية التي رسمها صاحبه لنفسه.
وفي هذه الحال، لا تعود الكمالية مجرد فضيلة معرفية، بل تتحول إلى آلية دفاع نفسي. يصبح تأجيل النشر مبرراً باسم الجودة، بينما يكون دافعه الأعمق هو تأجيل المواجهة. ويتحوّل طلب الإتقان من معيار يحسّن العمل إلى شرط مستحيل يمنع خروجه أصلاً.
وهنا يدفع الكاتب ثمناً باهظاً. لا يدفعه فقط من نصوصه المؤجلة، بل من نفسه أيضاً. لأن العمل الذي يبقى في الأدراج طويلاً لا يظل محايداً؛ إنه يستهلك شيئاً من طاقة صاحبه، ويُبقيه في حالة مراجعة لا تنتهي، ويجعله أسيراً لاحتمال مثالي لا يتحقق. وما كان ينبغي أن يكون مشروعاً للنفع والمعرفة يتحول أحياناً إلى عبء صامت.
رابعاً: القناعة التي جاءت متأخرة
مع الزمن، وصلت إلى قناعة لا أظن كاتباً حقيقياً ينجو من مواجهتها في مرحلة ما: هناك فرق جوهري بين عمل ضعيف لا يستحق النشر، وعمل عميق قوي يستحق النشر، لكن فيه ثغرات ونواقص لا يخلو منها أي جهد بشري.
وهذا الفرق، على بساطته، ليس سهلاً في التمثل العملي. لأن النفس الكمالية تميل إلى محو الفروق، فتجعل كل نقص سبباً كافياً للحجب، وكل ثغرة دليلاً على عدم الأهلية، وكل مراجعة محتملة سبباً جديداً للتأجيل. لكنها بذلك تخلط بين ما يجب منعه حقاً، وبين ما يكفي أن يُنشر ثم يُراجع ويُطوّر ويُحاور.
والحقيقة أن العمل البشري الحقيقي لا يكون معصوماً. الكتب الجادة ليست نصوصاً منزلة، والمفكرون الكبار لم يصبحوا كباراً لأنهم لم يخطئوا، بل لأنهم كتبوا، وراجعوا، وصححوا، وتراجعوا أحياناً، واعترفوا بأن بعض ما كتبوه كان يحتاج إلى تعديل أو توسعة أو إعادة نظر. وهذا لا يضعفهم، بل على العكس: يزيدهم إنسانية وصدقية.
ما يُضعف المفكر ليس أن تظهر في عمله ثغرة قابلة للنقاش، بل أن يعيش أسير وهم الكمال، أو أن يقدم نفسه كما لو أنه فوق المراجعة والخطأ. فادعاء الكمال أضعف من النقص البشري الصريح، لأن الأول يصادم طبيعة الإنسان، أما الثاني فينسجم معها.
وقد صرت أرى أن الإذن الحقيقي بالنشر لا يأتي حين يبلغ العمل الكمال — فذلك لن يحدث — بل حين يبلغ درجة من العمق والصدق والنفع تجعل القارئ قادراً على الاستفادة منه رغم ما قد يبقى فيه من ثغرات. فالعمل ليس مطلوباً منه أن يكون نهائياً كي يكون نافعاً، وليس مطلوباً منه أن يكون محكماً من كل وجه كي يفتح أفقاً أو يثير سؤالاً أو يقدم فهماً.
ومن هنا، صرت أومن بأن الناقص الذي يفيد خير من الكامل الذي لا يُرى أبداً. وهذه ليست دعوة إلى التهاون، ولا دفاعاً عن الرداءة، ولا تبريراً للنشر السريع المتعجل. بل هي دفاع عن الحكمة في تقدير اللحظة التي ينبغي فيها أن يخرج العمل إلى الناس، لا بوصفه إعلاناً عن العصمة، بل بوصفه جهداً بشرياً جاداً دخل الحد الذي يسمح بأن يشارك في النفع العام.
لقد احتجت زمناً طويلاً لأفهم أن النشر ليس قولاً ضمنياً: “هذا عمل كامل”، بل هو، في صورته الأصح، قول متواضع: “هذا ما وصلت إليه حتى الآن، وأراه كافياً لأن يُقرأ، ويُنقد، ويُستفاد منه، وربما يُكمل لاحقاً.” وما دامت هذه الروح حاضرة، فإن في النشر شجاعة معرفية، لا ادعاءً أجوف.
خامساً: مَن أنا حين أكتب؟
حين أراجع اليوم ما كتبته عبر السنوات — بضع مئات من المقالات، والتأملات القرآنية، والخطب، والكتب — لا أراه مجرد “إنتاج” بالمعنى البارد للكلمة. لا أرى أرقاماً أو حصيلة كمية فقط. أرى سيرة. أرى شخصاً كان يسأل، ويتردد، ويتراجع، ويعود، ويصحح، ويخاطر أحياناً، ويتعلم من نصوصه بقدر ما يكتبها. أرى مساراً من التكوّن المستمر أكثر مما أرى سلسلة من المنتجات النهائية.
والحقيقة التي تعلمتها متأخراً هي أن الكتابة لم تكن عندي يوماً غاية مستقلة. لم أكتب لأنقل ما فكرت فيه فحسب، بل كتبت كثيراً لكي يكتمل التفكير نفسه. ومع الزمن، لم أعد أرى الكتابة مجرد وعاء أضع فيه الأفكار المكتملة، بل مختبراً أختبر فيه هذه الأفكار. أشياء كثيرة لا تتضح في الذهن إلا حين تُصاغ، وأفكار كثيرة تبدو مترابطة في الرأس، ثم ينكشف ضعفها أو تهافتها حين تواجه اللغة. وكثير من المعاني لا يصل إلى تمامه إلا حين يمر عبر الجملة.
لهذا لم تعد الكتابة عندي نتيجة للتفكير فقط، بل صارت أيضاً أداة من أدواته. لا أكتب بعد أن أنتهي من التفكير، بل أكتب أحياناً لكي أصل إلى صيغة أوضح له. والكتابة، بهذا المعنى، ليست مجرد نقل للفكرة من الداخل إلى الخارج، بل هي جزء من عملية تكوينها، وتحريرها، وامتحانها.
وربما لهذا السبب أيضاً لا أستطيع أن أفصل تماماً بين ما كتبته وبين ما عشته. النصوص، في النهاية، ليست أشياء محايدة تماماً. إنها آثار من آثار السير الداخلي للإنسان. كل نص كتبته كان، بطريقة ما، محاولة لفهم شيء: فكرة، أو تجربة، أو قلق، أو سؤال، أو معنى ظل يلح علي حتى وجد طريقه إلى اللغة. ولهذا فإن علاقتي بالكتابة لم تكن علاقة صاحب حرفة بأداته فقط، بل علاقة إنسان بطريقته في ترتيب داخله، ومقاومة التشوش، ومحاولة الإمساك بما يمر في النفس والعقل قبل أن يتبدد.
وحين أنظر اليوم إلى هذه العلاقة، أفهم أن الكتابة لم تكن هدفاً بقدر ما كانت طريقاً. لم تكن وسيلة للتعبير عن الذات بالمعنى الرائج فقط، بل وسيلة لبناء الذات معرفياً، ومراجعتها، وتأديبها، وحملها على مزيد من الصدق. لذلك لا أستطيع أن أفصل بين الكتابة والقراءة، ولا بين الكتابة والتأمل، ولا بين الكتابة والصمت. هذه كلها حلقات في دورة واحدة. ومن يظن أن الكتابة تبدأ بالقلم، يخطئ فهمها من أصلها.
ولهذا، إذا كان لي أن أقدم نصيحة واحدة لمن يريد أن يكتب، فهي ليست: اكتب كثيراً. بل: اقرأ أكثر. وتأمل أكثر. والتزم الصمت أكثر. اسمح للأفكار أن تنضج، وللأسئلة أن تعمل فيك، وللتجارب أن تترك أثرها. ثم اكتب.
وحين تكتب، لا تنتظر الكمال؛ فلن يأتي. ولا تجعل خوفك من النقص سبباً في حرمان غيرك من فائدة قد يجدها فيما تكتب. انتظر فقط أن تبلغ من الصدق والعمق والنفع حداً يبرر خروج النص إلى الناس. فما ينفع الناس لا يشترط أن يكون كاملاً، بل يشترط أن يكون حقيقياً.
ولعل هذا، في النهاية، هو ما صرت أفهمه عن علاقتي بالكتابة: أنها لا تبدأ حين أقول، بل حين أتهيأ للقول. ولا تكتمل حين أنشر، بل حين أشعر أن ما خرج إلى اللغة كان صادقاً بما يكفي ليحمل أثراً من الرحلة التي سبقته.