المقال منشور في موقع توميديا.

في 19 سبتمبر 2019 توفي زين العابدين بن علي في منفاه بجدة، دون أن يمثل يوما أمام قضاء بلده. وبعد خمسة عشر عاما على الثورة التي أطاحت به، لم يعد غريبا أن تسمع في مقهى أو على صفحة فيسبوك من يقول بحسرة: “على الأقل كان عندنا أمان”، أو “كانت الأسعار معقولة والدولة واقفة”. وهو حنين تغذّى أولا من انتقال متعثر، وأزمة اقتصادية خانقة، وخيبات سياسية متتالية، ثم جاء انقلاب 25 جويلية 2021 ليضاعف الكارثة في كل اتجاه: جمّد قيس سعيّد البرلمان ثم حلّه، وحلّ المجلس الأعلى للقضاء وعزل القضاة بجرّة قلم، وفرض دستورا على مقاسه، وملأ السجون بالمعارضين والصحفيين والمحامين بتهم التآمر وبموجب المرسوم 54، دون أن يقدّم للتونسيين إنقاذا اقتصاديا ولا عدالة اجتماعية. والمفارقة أن فشل هذا الحكم زاد الحنين إلى بن علي، مع أنه يعيد إنتاج كثير من أدواته. لكن الحنين ذاكرة انتقائية بطبيعته: يتذكّر النظام وينسى ثمنه، ويستعيد صورة الشارع الهادئ دون أن يسأل عمّا كان يجري في الأقبية التي صنعت ذلك الهدوء.

وفي الجهة المقابلة، حين يُطلب من بعض الإسلاميين تقديم حصيلة تلك المرحلة، يكاد الحديث ينحصر في منع الحجاب ومطاردة المحجبات في المعاهد والإدارات، ومراقبة المصلين في صلاة الفجر، والتضييق على اللحى ومظاهر التدين. وهذا كلّه حقيقي وجسيم، ولا أقلّل منه قيد أنملة. بل إن التيار الإسلامي دفع الفاتورة الأثقل في تسعينيات القرن الماضي: حملات اعتقال واسعة، ومحاكمات عسكرية سنة 1992، وأحكام ثقيلة، وتعذيب أفضى إلى وفيات، ومنافٍ طويلة، وعائلات حوصرت في أرزاقها.

غير أن اختزال استبداد بن علي في “حرب على الدين” يقدّم صورة ناقصة، ويحمل في طيّاته خطرين: أنه يُخفي بقية الضحايا من يساريين وقوميين ونقابيين وحقوقيين وصحفيين ومواطنين عاديين لا انتماء لهم، وأنه يوحي ضمنا بأن نظاما يحترم التديّن الشخصي ويسحق الحريات العامة قد يكون مقبولا. ثم إن المسألة ليست مسألة حريات فحسب. فمن يحاسب بن علي على الحجاب وحده، ويسكت عن نموذج اقتصادي قام على الريع والاحتكار العائلي، وعن تنمية أدارت ظهرها لنصف البلاد، وعن جامعة صارت مصنعا للعاطلين، إنما يقدّم للتونسيين حصيلة منقوصة عن العهد الذي كلّفهم أرزاقهم ومستقبل أبنائهم، لا حرياتهم فقط.

الحقيقة أن نظام بن علي، طوال 23 عاما بين 1987 و2011، لم يكن استبدادا في بُعد واحد، بل كان مشروع هيمنة شاملة على الدولة والمجتمع معا، وصفه كثير من الباحثين بأنه دولة بوليسية بواجهة حداثية.

بدأت الهيمنة من رأس الهرم السياسي. فالرجل الذي وعد في بيان 7 نوفمبر بإنهاء الرئاسة مدى الحياة، عاد في استفتاء 2002 الصوري ليرفع القيد عن عدد الولايات ويمدّد سن الترشح إلى 75 عاما. وكانت الانتخابات تُجرى بنتائج معلّبة تقارب أو تتجاوز 90 في المائة، بلغت في بعض الدورات 99 في المائة. وصنع النظام لنفسه معارضة ديكورية تحظى بمقاعد محسوبة وتمويل عمومي مقابل منحه شرعية التعددية، في حين ضُيّق على المعارضة المستقلة بمختلف ألوانها، بين الحرمان من الاعتراف القانوني ومحاصرة النشاط حتى حين يكون مرخّصا، وجرت شيطنتها. أما التجمع الدستوري الديمقراطي فقد ذاب في جهاز الدولة حتى صار شبكة رقابية تتغلغل في الأحياء والجامعات والإدارات، وأصبح الولاء للحزب وشبكات نفوذه مدخلا إلى فرص العمل والترقية وقضاء المصالح.

وتحت هذا البناء السياسي كان الجهاز الأمني هو العمود الفقري الحقيقي. تضخّمت أجهزة الشرطة والحرس والاستعلامات تضخما لافتا قياسا بعدد السكان، وصارت بناية وزارة الداخلية في شارع الحبيب بورقيبة رمزا للرعب في المخيال التونسي. ووُثّق التعذيب الممنهج في مراكز الإيقاف ضد معارضين من كل التيارات. وتحوّل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم، خاصة بعد قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2003 الذي حوكم بموجبه آلاف الشباب لمجرد شبهات، أو تصفح مواقع محظورة، أو نوايا مفترضة. وامتد العقاب إلى ما بعد السجن عبر “المراقبة الإدارية” التي تُلزم المسرَّح بالإمضاء في مركز الشرطة مرة أو مرات في اليوم، ومنع السفر وحجب جواز السفر، والحرمان من العمل، وملاحقة الأقارب في أرزاقهم، وهو ما سمّاه ضحاياه بحق “الموت البطيء”.

ولم يكن ممكنا لهذا كله أن يستمر دون السيطرة على الكلمة. فقد كانت وكالة الاتصال الخارجي تتحكم في توزيع الإشهار العمومي والدعم، فتُغدق على صحف التمجيد وتخنق الصحف المستقلة. وحين جاء الإنترنت فرض النظام رقابة صارمة عرفها التونسيون بسخرية مريرة باسم “عمار 404”، فحُجبت المواقع الإخبارية المعارضة والمدونات ومنصات مثل يوتيوب ومواقع حقوق الإنسان، واختُرقت حسابات الناشطين وبريدهم. وامتدت اليد نفسها إلى النسيج المدني: محاولات دائمة لاختراق الاتحاد العام التونسي للشغل وتدجين قيادته، وشلّ الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالقضايا والحصار، والانقلاب على نقابة الصحفيين، ومنع تأسيس الجمعيات المستقلة.

ولا تكتمل مراجعة الحنين إلى ذلك العهد بذكر ما جرى في السجون وحدها؛ إذ ينبغي أيضا مساءلة صورة الازدهار التي يستعيدها الحنين. فقد وضعت عائلة الرئيس وأصهاره، وفي مقدمتهم آل الطرابلسي، أيديهم على أكثر القطاعات ربحا: الاتصالات، ووكالات السيارات، والبنوك، والعقار، والسياحة، والتوزيع الكبير. واستُخدمت الديوانة والجباية والشرطة أدوات ابتزاز لإجبار رجال الأعمال المستقلين على التنازل عن حصصهم أو الدخول في شراكات قسرية. واستُنزف القطاع المصرفي بقروض ضخمة بلا ضمانات جدية لفائدة المقرّبين من القصر. وكل ذلك كان يجري بينما تمتدح المؤسسات المالية الدولية “المعجزة التونسية”.

والضحية هنا لم تكن الدولة وحدها، بل رجال الأعمال أنفسهم. فمن عادات الخطاب المتسرّع أن يُحسب أصحاب المال جميعا في خانة المستفيدين من العهد، والحال أن ما تشكّل حينها كان شبكة مغلقة أشبه بالمافيا: أقلية محظية تمسك بمفاتيح التراخيص والقروض والصفقات والاستيراد، وتحوّل قربها من القصر إلى ريع دائم. أما المستثمر الجاد الذي أراد أن ينافس بجودته لا بعلاقاته، فكان أمامه أحد ثلاثة: أن يقبل شريكا مفروضا عليه، أو أن يتحمّل مراقبة جبائية وديوانية لا تنتهي حتى يُنهك، أو أن يغادر البلاد بماله وخبرته. وهكذا لم يكن ذلك الاقتصاد رأسمالية حرة كما زُيّن، بل اقتصاد ريعي جديد يعيد توزيع الثروة على دائرة ضيقة، ويعاقب المبادرة المستقلة، ويقتل المنافسة التي هي شرط كل تنمية حقيقية. ولهذا كان الاقتصاد التونسي عند سقوط النظام أضعف بكثير مما توحي به أرقام النمو المعلنة.

وفي مستوى الناس العاديين، كانت الكلفة الأوضح في التشغيل. فقد راهنت الدولة على استقطاب الاستثمار الأجنبي بيد عاملة رخيصة وأنشطة قليلة القيمة المضافة، كالنسيج والتركيب والمناولة، وهي أنشطة لا تستوعب خريجي الجامعات ولا تصنع اقتصادا تراكميا. وفي الوقت نفسه جرى التوسع الكمي في التعليم العالي دون ربطه بحاجات سوق الشغل، فتضاعفت أعداد الطلبة وتكاثرت المؤسسات الجامعية، وتخرّجت أفواج بشهادات لا تجد ما يقابلها، حتى صارت البطالة في تونس ظاهرة تصيب حاملي الشهادات أكثر مما تصيب غيرهم، وهي مفارقة نادرة تقلب المعادلة المعروفة عالميا. وكان الانتداب في القطاع العام والوظائف المتاحة يمرّ في كثير من الأحيان عبر الولاءات والوساطات، فاجتمع على الشاب الجامعي في الجهات الداخلية ثلاثة حواجز: لا عمل، ولا واسطة، ولا حق في الاحتجاج. وليس صدفة أن تنطلق الثورة من احتجاج على لقمة العيش والكرامة معا، وأن يكون في مقدمة صفوفها معطّلون عن العمل من أصحاب الشهادات.

وكانت كلفة هذا النموذج موزّعة فوق ذلك بظلم جغرافي فاضح. فقد تركّز الاستثمار والبنية التحتية في الشريط الساحلي، وتُركت الجهات الداخلية، من سيدي بوزيد والقصرين إلى قفصة والكاف، للتهميش المزمن والبطالة العالية. وحين انتفض شباب الحوض المنجمي سنة 2008 ضد البطالة والمحسوبية في الانتداب، ردّ النظام بالرصاص والاعتقالات الجماعية والأحكام القاسية ضد النقابيين والشباب. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تنطلق شرارة الثورة بعد ذلك بعامين من سيدي بوزيد تحديدا.

وحتى البعد الديني نفسه لا يُفهم بمعزل عن هذا المنطق الشامل. فالتضييق على الحجاب ومظاهر التدين لم يكن مجرد خلاف حول موقع الدين في المجتمع؛ كان أيضا جزءا من إدارة أمنية للدين، تقوم على احتكار المساجد والخطب والتعيينات، واعتماد سياسة “تجفيف المنابع”، والاشتباه في كل تدين يفلت من رقابة السلطة. وقد استعمل النظام في الوقت ذاته واجهته الحداثية لكسب الدعم الغربي واستمالة جزء من النخب العلمانية واليسارية، في حين كان رفاق هؤلاء يُعذَّبون في الأقبية نفسها. وهذه حقيقة ينبغي أن يواجهها الجميع بشجاعة، لا أن يستعملها كل طرف ضد الآخر.

إن الحنين إلى بن علي واختزال استبداده في التضييق الديني يلتقيان في اجتزاء الصورة، وإن اختلف موقع أصحابهما ومسؤوليتهم: الأول يتذكّر الشعور بالأمن ويتجاهل ما صاحبه من خوف وقمع، والثاني يقرأ العهد من خلال الجرح الذي أصابه، فتغيب عن روايته بقية وجوه القمع. ومن حق الضحية أن تروي جرحها؛ لكن حين تتحول شهادتها إلى تفسير للنظام كله، لا يعود الجرح الخاص كافيا لفهم المأساة العامة. والذاكرة المجتزأة ليست خطأ تاريخيا فحسب، بل هي ثغرة سياسية يتسلل منها الاستبداد مجددا، وقد تسلل فعلا.

وهنا ينبغي أن نكون صريحين: ما يتكرر اليوم ليس شخص الحاكم، بل الذهنية التي تجعل الاستبداد ممكنا. ذهنية ترى في الحرية ترفا يؤجَّل إلى حين، وفي المؤسسات عائقا أمام “الرجل الصادق”، وفي المعارضة مؤامرة لا رأيا، وفي الدولة أبا يعاقب ويكافئ لا عقدا بين مواطنين أحرار. هذه الذهنية لم تمت مع هروب بن علي في 14 جانفي 2011، لأنها لم تكن في القصر وحده، بل موزّعة في الإدارة والإعلام والعائلة والمدرسة وفي دواخلنا نحن. ولهذا كان انتقال ما بعد الثورة أشبه بتغيير في واجهة البناء دون مساس بأساسه: بقي جهاز الأمن على حاله تقريبا دون إصلاح جدي، وبقي إغراء الحل السريع كامنا ينتظر أول أزمة.

ثم جاء 25 جويلية 2021 ليكشف أن الذهنية لم تعد مضطرة إلى التخفي. فاستبداد بن علي كان استبدادا منافقا، يحتاج إلى واجهة: دستور مكتوب، وبرلمان يجتمع، وأحزاب معارضة صورية، وانتخابات تُنظَّم، وخطاب عن دولة القانون وحقوق الإنسان، وعلاقات عامة مع العواصم الغربية. ذلك النفاق نفسه كان اعترافا ضمنيا بأن للحرية قيمة تستوجب التظاهر باحترامها. أما اليوم فالتفكيك يجري في وضح النهار وباسم الشعب: تجميد البرلمان ثم حلّه، وحلّ المجلس الأعلى للقضاء وعزل عشرات القضاة بمرسوم، ودستور كُتب خارج أي توافق ومُرِّر باستفتاء لم يشارك فيه سوى نحو ثلث الناخبين في 25 جويلية 2022، وانتخابات تشريعية لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها عشرة بالمائة في دورتها الأولى، ومرسوم 54 الذي يلاحق الكلمة والخبر والتدوينة، وقضايا “التآمر” التي زُجّ فيها بمعارضين ومحامين وصحفيين. لم تعد السلطة تعتذر عن الاستبداد ولا تخفيه؛ صارت تقدّمه بوصفه فضيلة وطنية.

وهذه الفجاجة ليست تفصيلا في الأسلوب، بل هي انتقال في المنطق ذاته. فبن علي كان يبرّر تسلطه بصفقة ضمنية: اصمتوا وسنمنحكم الأمن ونموّا اقتصاديا وطبقة وسطى مطمئنة. أما اليوم فالصفقة بلا مقابل: تُطلب التضحية بالحريات مقابل وعد أخلاقي بالتطهير، بينما تتواصل الأزمة المعيشية ونقص الأدوية والمواد الأساسية وهجرة الشباب والأطباء. والأخطر من ذلك أن الشرعية لم تعد تُستمد من صندوق ولا من مؤسسة، بل من ثنائية بسيطة: الشعب الطاهر في مواجهة المتآمرين. وهي ثنائية لا سقف لها، لأن كل من يعترض يُدرَج تلقائيا في خانة الخيانة، فتُلغى بذلك فكرة المعارضة المشروعة من أصلها.

ويبقى الفارق الأشد إيلاما في موقع المجتمع لا في موقع الحاكم. ففي عهد بن علي كان الصمت مفروضا بالخوف، وكان كثيرون يعرفون أنهم يخافون. أما في السنوات الأخيرة فقد وجد الاستبداد من يهتف له طوعا، ومن يجد له مسوّغات فكرية، ومن يصمت لأن المستهدَف خصمه السياسي. رأينا من عُذّب في التسعينيات باسم مقاومة “الظلامية” يصفّق اليوم لسجن خصومه، ورأينا من ذاق سجون بن علي يسكت عن سجون جديدة ما دام نزلاؤها من الجهة المقابلة. وهنا تلتقي نهاية المقال ببدايته: الذاكرة المجتزأة أنتجت مقاومة مجتزأة. فمن تذكّر من الاستبداد وجهه الذي مسّه وحده، لم يتعرّف عليه حين عاد بوجه آخر، ولم ير في عودته إلا إنصافا لجرحه القديم. وذاك تحديدا ما يجعل الاستبداد يتجدد: لا لأنه قوي، بل لأن ضحاياه المحتملين لا يرونه إلا حين يصل إلى أبوابهم.

لم يقتصر استهداف نظام بن علي على فئة بعينها، بل طال فكرة المواطن نفسها: الإنسان الذي يملك حق الكلام والتنظيم والمساءلة والعيش الكريم دون أن يطلب إذنا أو يدفع إتاوة. ولهذا فإن استعادة الصورة كاملة ليست ترفا أكاديميا، بل شرطا لتضامن حقيقي بين ضحايا الأمس، ولفهم أن الدفاع عن القاعدة العامة للحرية هو في النهاية دفاع كل منا عن نفسه.