عند إعلان صدور هذا الكتاب، كتبتُ على صفحتي: «لو كان لي أن أختار عنوانًا لكتاب سياسي من تأليفي، عن الكارثة التي حلّت بتونس، لتمنّيت أن يكون: العشرية البيضاء». وأضفت أنّه «عنوان يحمل في ذاته الأطروحة السليمة في مواجهة أهل الكذب وأهل الحقد: أنّ العقد الذي تلا الثورة لم يكن عشرية سوداء كما تروّج له السردية الشعبوية السائدة اليوم، بل تجربة انتقال ديمقراطي تستحقّ أن تُروى بهدوء ودون مزايدات».
بعد قراءة الكتاب كاملًا، أقول بثقة إنّني وجدت في المتن ما وعد به العنوان.
ليس من السهل أن تكتب شهادة سياسية بهذا الحجم وهذا العمق، وأن تظلّ ممسكًا بخيط السرد من أوّله إلى آخره دون أن يفلت منك القارئ. لكنّ خالد شوكات كان موفّقا في ذلك. فمنذ الصفحات الأولى للتمهيد، الذي جاء تحت عنوان «لماذا رواية؟»، تجد نفسك أمام كاتب يمتلك ناصية اللغة بإتقان وبلاغة، ويعرف كيف يمزج بين الخطاب الفكري والنبرة الشخصية الحميمة دون تكلّف أو افتعال. وبالنسبة إليّ، يستحق التمهيد لوحده أن يُقرأ بوصفه نصًّا أدبيًا سياسيًا.
ومما يميّز الكتاب أنّه يُقرأ بسلاسة مريحة، رغم صفحاته الست والستين بعد المائتين. فقد بدأتُ قراءته ولم أتوقف تقريبا حتى أنهيته، ليس لأنّه يقدّم إثارة صحفية أو فضائح سياسية، بل لأنّ الكاتب يأخذك معه في رحلة حقيقية، يروي لك فيها الأحداث كما عاشها، بعينيه وأحاسيسه، فتشعر وكأنّك جالس معه في مكتب الباجي قائد السبسي بقصر قرطاج، أو واقف إلى جانبه أمام كاميرات التلفزيون مساء إعلان النتائج الانتخابية، أو تتجوّل معه في أحياء باريس بحثًا عمّن سمّاهم «الرجال المفاتيح» خلال حملته الانتخابية في فرنسا.
بنية الكتاب وقيمته كشهادة
يقوم الكتاب على هيكل زمني واضح ومحكم، قسّمه الكاتب إلى ثلاث معارك كبرى تكاد تتقاسم سنوات العشرية: معركة التوازن السياسي (2011-2014)، ومعركة التوافق الوطني (2015-2016)، ثمّ معركة مقاومة الشعبوية (2017-2022). وداخل كلّ معركة، يسير الكاتب سنةً بسنة، مقدّمًا لكلّ عام عنوانًا دالًّا: «ثوّار» للحظة السقوط، و«الرايات السود» لظهور الجماعات المتطرّفة، و«دستور الثورة» للتوافق الدستوري، وصولًا إلى «عام الانقلاب» و«النظام القاعدي».
وتكمن القيمة الأولى لهذا الكتاب في كونه شهادة من الداخل، لا من الخارج. فالكاتب لم يكن مراقبًا محايدًا بل فاعلًا مشاركًا في صناعة الأحداث: عضو مؤسّس في حركة نداء تونس، ونائب في مجلس نواب الشعب، ووزير ناطق رسمي باسم الحكومة، ورئيس للجنة المشروع الحضاري الوطني، وقبل ذلك كلّه مناضل عاش نصف عمره في المنفى بسبب معارضته للنظام السابق. هذا الموقع المتعدّد يمنح الكتاب غنى استثنائيًا من حيث التفاصيل والكواليس التي لا يمكن لباحث أكاديمي أن يصل إليها بسهولة.
كذلك يحسب للكاتب أنّه قدّم واحدًا أحد المفاهيم المثيرة للاهتمام في تحليل الانتقال الديمقراطي التونسي، وهو مفهوم «جيل الانهيار» الذي يُطلقه على الجيل الأخير من شباب وطلبة التجمّع الدستوري الديمقراطي المنحلّ، الذي تشكّل وعيه السياسي في السنوات الأخيرة من حكم بن علي، حيث أصبحت «الغنيمة» هي المحرّك الأساسي للعمل السياسي. ويرى الكاتب أنّ هذا الجيل، الذي تسرّب إلى نداء تونس ثمّ إلى مؤسسات الدولة، كان من أخطر عوامل تخريب التجربة الحزبية والديمقراطية على حدّ سواء.
الدفاع عن تسمية «العشرية البيضاء»
يبني الكاتب أطروحته المركزية على فكرة أنّ ما جرى بين 2011 و2021 لم يكن «عشرية سوداء» كما روّج لها خصومها ومنقلبوها، بل كان تجربة تاريخية فريدة في سياقها العربي: عقد كامل من الديمقراطية الحقيقية بانتخابات حرّة ونزيهة وتداول سلمي على السلطة وحريات غير مسبوقة. ويشبّهها بشجرة زيتون غرسها الآباء وسيجني الأحفاد ثمارها، لأنّ التجارب الإصلاحية الكبرى غالبًا ما تبدو سابقة لزمانها ثمّ تثبت جدواها لاحقًا.
وحجّته في ذلك قوية من عدّة وجوه: فالدستور الذي صيغ عام 2014 وُصف من خبراء القانون الدستوري بأنّه من أفضل الدساتير المعاصرة، وحصل الرباعي الراعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام عام 2015، وتمكّنت تونس من تجاوز ما سمّاه الكاتب «العقدة المصرية» حين نجحت في تحويل أزمة الاغتيالات السياسية إلى فرصة للحوار الوطني. غير أنّ القارئ يلاحظ أنّ الكاتب نفسه يوثّق بأمانة الأخطاء الجسيمة التي ارتُكبت: نظام دستوري هجين ترك الباب مفتوحًا للانقلاب، ونظام انتخابي يمنع إفراز أغلبية حاكمة، وإعطاء الأولوية للسياسي على حساب التنموي. وهذا التوثيق الأمين للأخطاء يمنح الكتاب مصداقية تفوق ما كان سيمنحه إياه خطاب التبرئة الكاملة.
صورة الباجي قائد السبسي
يرسم الكاتب صورة حميمية ومعجبة للباجي قائد السبسي، يظهر فيها رجل دولة يمتلك قناعة ديمقراطية أصيلة ونزعة وسطية عميقة. ويروي تفاصيل شخصية كاشفة، منها قول الباجي له يوم دعاه للالتحاق بقيادة نداء تونس: «دعوتك يا سي خالد حتى تعيننّي على قلم الإسلام»، في إشارة إلى حرصه على أن يبدو حزبه امتدادًا للحركة الوطنية الإصلاحية لا حزبًا علمانيًا في مواجهة وجودية مع الإسلاميين.
ومن اللافت أنّ الكاتب، رغم إعجابه الواضح بالباجي، لا يخفي أنّ الرجل ارتكب أخطاءً ثقيلة الثمن. فقد رضخ لضغوط اليساريين ورفض عقد المؤتمر التأسيسي لنداء تونس قبل الانتخابات، ممّا جعل الحزب يدخل الحكم بمؤسسات هشّة. وتنازل عن اختيار رؤساء القائمات الانتخابية لحسابات عروشية وجهوية، واعترف بذلك علنًا أمام رؤساء القائمات. ثمّ اختار يوسف الشاهد خلفًا للحبيب الصيد لأسباب شخصية أكثر منها موضوعية، وهو ما وصفه الكاتب بأنّه «ربّما كان، كما يُقال، خطأ العمر». ويبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب دون أن يجيب عنه صراحةً: هل كان الباجي ديمقراطيًا بقناعاته، لكنّه أدار الشأن السياسي بعقلية الزعيم التقليدي الذي يحسم الأمور بمزاجه الشخصي وبطانته، أكثر من اعتماده على المؤسسات؟ إنّ القراءة المتأنّية لما يرويه الكاتب نفسه تميل إلى الإجابة بنعم.
ملاحظات ودّية
ثمّة بعد في الكتاب كنت أتمنّى أن أرى فيه توسّعًا أكبر. فالكاتب يعود مرارًا إلى فكرة «المؤامرة الإقليمية» على الديمقراطية التونسية، ويشير إلى أطراف خارجية لم تكن تريد نجاح التجربة، لكنّه يظلّ في الغالب عند مستوى الإشارات العامة دون تسمية أو تفصيل. وكان القارئ سيستفيد أكثر لو قدّم الكاتب، ولو في حدود ما تسمح به الحصافة السياسية، أمثلة أكثر تحديدًا عن طبيعة هذا التدخّل الإقليمي وآلياته. من ذلك الانطباع السائد بتمتع حزبه الحاكم “نداء تونس” بدعم خارجي، عربي وأوروبي.
كذلك يبدو الكتاب أحيانًا وكأنّه يحمّل الآخرين أكثر ممّا يحمّل المعسكر الذي ينتمي إليه الكاتب. فـ«ثوّار 15 جانفي» والإعلام والجماعات المتطرّفة واليسار المتشدّد واتّحاد الشغل ويوسف الشاهد و«جيل الانهيار» كلّهم يتحمّلون نصيبًا وافرًا من المسؤولية في رواية الكاتب، وهو محقّ في كثير من ذلك. لكنّ القارئ قد يتساءل عن المسؤولية المباشرة للقيادات «المعتدلة» نفسها التي كان الكاتب جزءًا منها: ألم يكن في إمكانها أن تتحرّك بسرعة أكبر لإصلاح المنظومة الحزبية قبل فوات الأوان؟ ألم تكن بطيئة في إدراك خطر الشعبوية؟ إنّ الكاتب يلمس هذا البعد أحيانًا حين يعترف بأخطاء تقديره الشخصي، لكنّه لا يجعل منه محورًا للتأمّل بالقدر الذي يستحقّه.
وفي هذا السياق تحديدًا، تبرز مسألة تستحقّ وقفة أطول، وهي دور الباجي قائد السبسي نفسه في تغذية الاستقطاب الذي أضرّ بالمسار الديمقراطي. فالكاتب يروي لنا أنّ الباجي كان يؤمن بأنّ التنافس مع حركة النهضة ينبغي أن يكون «تنافسًا حدوديًا لا وجوديًا، وتنافسًا انتخابيًا لا أيديولوجيًا»، وهي رؤية سليمة وناضجة. لكنّ الكاتب نفسه يروي أيضًا أنّ الباجي، مع اقتراب الانتخابات، وصف الطرفين بأنّهما «خطّان متوازيان لا يلتقيان»، ويعترف بأنّ هذا التوصيف «رسّخ في المخيلة الشعبية فكرة أنّ الأمر يتعلّق بصراع وجودي». فهل يمكن أن نعفي الباجي من المسؤولية عن هذا الانزلاق الخطابي الذي ساهم في تسميم المناخ السياسي لسنوات؟ إنّ رجل الدولة الذي يملك هذا القدر من الخبرة والوعي التاريخي كان يُنتظر منه أن يتعالى ويظلّ فوق المعمعة، وأن يحافظ على مسافة من الصراع الحزبي اليومي كما فعل، إلى حدّ بعيد، شريكه في التوافق الشيخ راشد الغنوشي، الذي بدا أكثر حرصًا على عدم تحويل التنافس إلى عداء.
والأمر لا يقتصر على الخطاب. فالكاتب يوثّق بنفسه كيف أنّ الباجي ترك حزبه يدخل الحكم بلا مؤتمر تأسيسي ولا مؤسسات منتخبة، وكيف رضخ للعصبيات في تشكيل القائمات الانتخابية ثمّ اعترف أمام رؤساء القائمات بأنّه «لم يخترهم»، وكيف أدار الشأن الحزبي بمنطق الزعيم الذي يحسم بمزاجه لا بالمؤسسة. بل إنّ بعض كبار مؤسّسي النداء وصفوا الحركة، كما ينقل الكاتب، بأنّها مجرّد «آلة حالقة تُستعمل لمرّة واحدة» في يد رئيسها. وقد حذّره الكاتب نفسه في آخر اجتماع قبل انتقاله إلى قرطاج قائلًا: «إذا كنت تعتقد أنّك ستكون مرتاحًا في قرطاج وقد تركتَ هذا الحزب مريضًا وراءك، فأنت مخطئ في التقدير». فإذا كانت هذه كلّها شهادات الكاتب نفسه، ألا يكون الباجي، رغم نواياه الديمقراطية الصادقة، قد زرع بيده بعض بذور تدمير التجربة التي أراد بناءها؟ وألا يستحقّ هذا السؤال أن يكون في صلب الرواية لا على هامشها؟
ومن الملاحظات الأخرى أنّ الجزء المتعلّق بالسيرة الشخصية للكاتب، رغم ثرائه وقيمته في إضفاء الحياة على السرد، يتمدّد أحيانًا على حساب التحليل الأعمق لبعض المحطّات الحاسمة. فالكاتب فصّل في ظروف ترشّحه وإقصائه من القائمات الانتخابية وحملاته في باريس وقابس بما يفوق أحيانًا حاجة القارئ، في تقديري، بينما مرّ بسرعة نسبية على فترة ما بعد وفاة الباجي (2019-2021) التي كانت تستحقّ تفصيلًا مماثلًا.
وأخيرًا، تمثل المقارنة التي يعقدها الكاتب بين التجربة التونسية ومحاولة الانقلاب الفاشلة في كوريا الجنوبية (ديسمبر 2024) إحدى أبرز اللحظات الفكرية في الكتاب، وتستحقّ أن تُقرأ بإمعان. ففي كوريا، فشل الانقلاب في ساعات لأنّ النوّاب اقتحموا البرلمان رغم الحصار العسكري وصوّتوا على رفع الأحكام العرفية، بينما في تونس وقف الشيخ الغنوشي وحيدًا أمام بوابة البرلمان المغلقة بعد أن انفضّ عنه نوّابه. وهي في الحقيقة مقارنة قاسية، لكنّها تلخّص بوضوح ما يريد الكاتب قوله عن هشاشة الثقافة الديمقراطية في مجتمعاتنا.
خلاصة
«العشرية البيضاء» ليس كتابًا محايدًا، ولا يدّعي ذلك. هو في تقديري شهادة رجل مؤمن بالديمقراطية وشارك في بنائها ورأى من يهدمها. وقيمة الكتاب الحقيقية لا تكمن في كونه يقدّم الحقيقة الكاملة عن تلك العشرية — فلا أحد يستطيع ذلك — بل في كونه يحفظ رواية مفصّلة وحيّة لما جرى من وجهة نظر فاعل رئيسي، بلغة عربية رفيعة وسرد يجمع بين الحكاية والتحليل.
الكتاب سيحتاجه المؤرّخون والباحثون حين يعودون إلى هذه الحقبة، وسيحتاجه كلّ من يريد أن يفهم كيف يمكن لتجربة ديمقراطية واعدة أن تُغتال، ليس بالرصاص وحده، بل بسوء التقدير وتغليب المصالح الضيّقة وضعف الوعي التاريخي لدى النخب.
وككلّ شهادة حقيقية وصادقة، يتركك الكتاب بشعورين متناقضين: الأسف على ما ضاع، واليقين بأنّ ما بُني على مدار تلك السنوات العشر لن يُمحى من الذاكرة ولا من التاريخ.