
ما يزال الجدل قائماً ومتجدداً حول طبيعة العلاقة بين العرب وإيران: هل هي علاقة جوار جغرافي وحضاري تفرضها قوانين التاريخ والجغرافيا، وتستوجب إدارتها بحكمة وتوازن؟ أم أنها علاقة عداء وجودي لا يمكن تجاوزه إلا بالقطيعة والمواجهة؟ هذا السؤال المشروع يعود إلى الواجهة كلما اشتعلت أزمة إقليمية، وتتنازعه تياران كبيران: تيار يراها علاقة جوار ينبغي ترشيدها، وتيار يراها عداءً بنيوياً متجذراً عبر القرون.
غير أن ما يُقلق القارئ المنصف ليس وجود هذا الجدل — فالاختلاف في تشخيص العلاقات الدولية طبيعي وصحي — بل أن يتحوّل بعض من يحملون الشهادات الأكاديمية إلى ناشطين أيديولوجيين يوظّفون درجاتهم العلمية غطاءً لترويج مغالطات منهجية وتاريخية. وهنا تكمن الخيانة المزدوجة: خيانة للأكاديميا كمنهج قائم على الصرامة والتحقق والتوازن، وتضليل لعامة القراء الذين يمنحون ثقتهم لمن يُقدَّم لهم بلقب “الدكتور” و”الباحث”، فيتلقون الخطاب الأيديولوجي وكأنه حكم علمي.
في هذا السياق يأتي مقال د. محمود لملوم — كاتب مصري مقيم في الخليج، ويُقدّم نفسه بوصفه “باحثاً في الإدارة والقيادة الاستراتيجية” — الموسوم بـ”تفكيك مغالطات د. الشنقيطي عن إيران”، والذي زعم فيه أنه يُقدَّم ردّاً “بلسان الواقعية السياسية ومنطق الجغرافيا التاريخية”. وقبل الدخول في التفاصيل، ينبغي التوضيح أن ما نحن بصدده هنا ليس تبنّياً لموقف د. محمد مختار الشنقيطي أو دفاعاً عن أطروحاته؛ فللشنقيطي قراءاته الخاصة التي يمكن أن يدور حولها (كما هو شأن أي كاتب أو مفكر) نقاش مستقل بمعايير علمية. المقصود هنا تحديداً هو تفكيك المغالطات التي يُروّج لها أكاديمي وهو يتصدّى لـ”مغالطات” كاتب آخر، لأن الضرر المعرفي مضاعف حين يأتي التضليل متخفّياً في ثوب “كشف التضليل”. وفيما يلي مراجعة نقدية نستعرض فيها أطروحات الكاتب واحدة واحدة، ثم نناقشها.
أولاً: في المنهج قبل المضمون — مغالطة التجوهر عبر القرون
يَبني الكاتب مقاله كله على فرضية مركزية، وهي أن إيران ليست “نظاماً سيزول”، بل “ثابت قومي” و”مشروع توسعي” ممتد منذ الصفويين في القرن السادس عشر حتى “ولاية الفقيه” اليوم، وأن العداء للعرب “خيار إيراني متجذر منذ 500 عام”، يصفه بـ”الخنجر الجيوسياسي” المغروز في خاصرة العالم السني.
هذه الفرضية تقع في مغالطة منهجية كبرى تُعرف في فلسفة العلوم الاجتماعية بـالتجوهر (Essentialism): أي افتراض جوهر ثابت لكيان سياسي عبر قرون، بمعزل عن تحولات الدول والأنظمة والمجتمعات والعقائد الحاكمة. وهي مغالطة لا يقبلها علم العلاقات الدولية من أي مدرسة، سواء كانت واقعية أو بنائية أو ليبرالية، لأنها تُلغي مفهوم “الفاعل السياسي” لصالح “الروح القومية الثابتة” — وهو مفهوم هيغلي متجاوَز حتى في الفلسفة السياسية.
لنأخذ ثلاث لحظات إيرانية متباعدة ونتأمّل:
- إيران الصفوية (1501–1736): إمبراطورية دينية مركزها أصفهان، قائمة على تحالف قبائل قزلباش الناطقة بالتركية — لا الفارسية — ومؤسسها إسماعيل الصفوي كان شاعراً بالتركية الأذرية.
- إيران البهلوية (1925–1979): دولة قومية علمانية تبنّت أيديولوجيا ما قبل إسلامية تمجّد الإرث الأخميني والساساني، وكانت من أوثق حلفاء إسرائيل والولايات المتحدة، وصدّرت نفطها للكيان الصهيوني طوال عقود، وتعاون جهازها الاستخباراتي (السافاك) مع الموساد علناً.
- إيران الخمينية (1979–اليوم): جمهورية إسلامية قامت أيديولوجيّتها التأسيسية على نقيض البهلوية تماماً، وعلى العداء المُعلن لإسرائيل وقطع العلاقات معها، وانخراط في محور إقليمي مناوئ للمشروع الأمريكي.
فأي “ثابت قومي” يجمع هذه التشكيلات الثلاث؟ لو كان الحكم هو “العداء للعرب”، فالشاه البهلوي دعم الحركات الانفصالية الكردية ضد العراق، بينما الجمهورية الإسلامية دعمت حركات المقاومة في فلسطين ولبنان — موقفان متناقضان من “المسألة العربية” ذاتها. ولو كان الحكم هو “المذهب”، فالبهلوية كانت علمانية معادية للمؤسسة الدينية الشيعية ذاتها (سجنت الخميني ونفته). هذا التناقض البنيوي بين الحقب يُسقط فرضية “الثابت” من أساسها.
والمفارقة أن مقال د. لملوم يقع في تناقض داخلي صريح: ففي الفقرة الرابعة يُدين “العمامة” لأنها تحالفت مع الـCIA عام 1953 للإطاحة بمصدق، وفي الفقرة الخامسة يُدين “التاج” لأنه احتل الجزر الإماراتية بتنسيق مع إسرائيل عام 1971. فإذا كان التاج والعمامة في صراع داخلي فعلي — انتهى بإطاحة الخميني بالشاه عام 1979 — فكيف يكونان معاً تعبيراً عن “مشروع موحد ضد العرب”؟ إما أن المشروع واحد فيسقط سرد الانقلاب على مصدق، وإما أن ثمة تحولات بنيوية فيسقط سرد “الثابت القومي عبر 500 عام”. لا يمكن الجمع بين المقولتين منطقياً.
ثانياً: “المنطقة الرمادية” — حين يُختزَل المركّب في سردية أحادية
يرى الكاتب أن ما يفعله “فيلق القدس” اليوم من حضور في اليمن ولبنان، وما جرى في حلب والموصل والفلوجة من دمار، ليس سلوك “جار”، بل “استنساخ مشوه للغزو الصفوي”، وتعبير عن “حقد طائفي يهدف لمحو المكون السني”.
هذه السردية تنطوي على إشكاليتين منهجيتين خطيرتين:
الإشكالية الأولى: تحميل طرف واحد مسؤولية كوارث مُتعدّدة الفاعلين. تدمير الحواضر العراقية والسورية كان نتاج حروب معقدة متعددة الأطراف، ومن يريد أن يُحمّل المسؤوليات بصدق عليه أن يبدأ من الفاعل الأكبر لا الأصغر:
- الفلوجة دُمّرت مرتين عام 2004 على يد مشاة البحرية الأمريكية في عمليتي “العزم اليقظ” و”الفجر”، باستخدام الفوسفور الأبيض الموثق أممياً، قبل أي حديث عن حضور إيراني في العراق.
- الموصل استعادتها معركة دولية بين 2016–2017، شاركت فيها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بقصف جوي مكثف أحال أحياء بكاملها إلى ركام، بشهادة منظمة العفو الدولية ومراقبي الأمم المتحدة.
- حلب الشرقية دُمّرت أساساً بقصف جوي روسي مكثف خلال 2016، في عملية وصفتها الحكومات الغربية نفسها بأنها “جرائم حرب”.
فإذا كان الكاتب صادقاً في اهتمامه بالحواضر السنية المدمّرة، لماذا يغيب عن مقاله ذكر الطيران الأمريكي والروسي، ويحضر “فيلق القدس” وحده؟ هذا انتقائية صارخة تكشف أن الهمّ ليس الضحايا بل هوية الجاني المُراد توجيه الأصابع إليه.
الإشكالية الثانية: بنية “العداء الوجودي” غير القابلة للدحض. مقولة “الحقد الطائفي الوجودي” بطبيعتها لا يمكن اختبارها، لأن كل شاهد يُعاد تفسيره لصالح الفرضية:
- إذا عارضت إيران الولايات المتحدة، فهي تُمارس “المناورة”.
- إذا دعمت المقاومة الفلسطينية، فهو “غطاء لمشروع صفوي”.
- إذا تحالفت مع قوى عربية، فهي “تخترق من الداخل”.
- إذا اختلفت معها، فهي “تكشف عدائها الوجودي”.
في الفلسفة العلمية، الفرضية التي لا يمكن تصوّر دليلٍ ينقضها ليست فرضية علمية بل عقيدة. هذه هي تحديداً معايير كارل بوبر في التمييز بين العلم والأيديولوجيا: القابلية للتفنيد (Falsifiability). ومقال د. لملوم يقدّم فرضية بلا إمكانية تفنيد، وهو ما يُخرجه — رغم معجمه “الاستراتيجي” — من دائرة التحليل العلمي.
ثالثاً: الموازاة بين “المشروع الصفوي” و”المشروع الصهيوني”
من أخطر ما ورد في المقال رفضه ما يسميه “الشلل الإدراكي” في ترتيب الأولويات بين الخطرين، وتأكيده أن “المشروع الصهيوني يغتصب الأرض، والمشروع الصفوي يغتصب الأوطان والعقيدة والأرواح من الداخل”، بل يذهب أبعد ليعتبر الثاني أخطر، ويصف دعم إيران لغزة بأنه “رأس حربة متقدمة لمشروعها الصفوي”.
هذه الموازاة تستحق تفكيكاً دقيقاً على أربعة مستويات:
المستوى الأول: التوصيف المُختزِل للمشروع الصهيوني ذاته. يُقدّم الكاتب الصهيونية باعتبارها مشروعاً “يغتصب الأرض” فحسب، بينما يحتفظ لما يُسمّيه “المشروع الصفوي” بالوصف الأعمق. هذا التقسيم ينطوي على تبخيس بنيوي لحقيقة المشروع الصهيوني. فالصهيونية — بشهادة أدبياتها التأسيسية ذاتها من هرتسل إلى بن غوريون إلى سموتريتش اليوم — ليست مشروع “اغتصاب أرض” بالمعنى العقاري، بل مشروع شامل:
- يغتصب الوطن، حين يمحو دولة بأكملها من الخريطة (فلسطين) ويستبدلها بكيان إحلالي، ويُمارس تهويد الأرض والمكان والاسم والذاكرة.
- يغتصب العقيدة، حين يُعيد تأويل الدين اليهودي ذاته من دين روحي إلى مشروع قومي-عنصري، ويسعى إلى هدم المسجد الأقصى وبناء “الهيكل” مكانه، في أخطر عملية اعتداء على عقيدة أمة في التاريخ المعاصر.
- يغتصب الأرواح من الداخل، عبر عقود من الحروب النفسية والإعلامية والمعرفية: من تطبيع الوعي مع الاحتلال، إلى تفريغ قضية فلسطين من مضمونها، إلى إعادة برمجة جيل عربي كامل ليرى في العدو “شريكاً اقتصادياً”.
- يغتصب الاقتصاد والموارد، إذ يستولي على المياه والنفط والغاز ويسعى لفرض مشاريع بنية تحتية إقليمية (ممر IMEC، سكة حديد من حيفا إلى الخليج) تجعل كل المنطقة رهينة لمركزيته.
فالمعادلة التي يطرحها الكاتب تقوم على تلاعب لغوي: يختزل الصهيونية في “اغتصاب الأرض” ليُضخّم خطر “الآخر” بالمقارنة. بينما الواقع أن الصهيونية هي الأنموذج الأكبر — ماضياً وحاضراً — لكل ما يُتّهم به الآخرون من اختراق وتفكيك وتشويه.
المستوى الثاني: ازدواجية الموقف من “الاختراق الثقافي”. يُحذّر المقال من “الانتشار الشيعي” بوصفه اختراقاً عقائدياً، لكنه يسكت عن اختراق أعمق وأخطر بكثير: التغلغل الثقافي الغربي تحت مسمّيات “الانفتاح” و”التحديث”. هذا الاختراق تجلياته ماثلة في:
- الفردانية المفرطة التي تحلّ محلّ منظومة الأسرة والجماعة والتكافل.
- الإباحية المُنتجة صناعياً، والمُسوَّقة باسم “الحريات الشخصية”.
- تسليع الإنسان في منظومة اقتصاد-استهلاك-إعلان تُحوّل الكائن البشري إلى سلعة.
- تطبيع المثلية وتحويلها من سلوك فردي إلى هوية قانونية ومعيار ديمقراطي، تُفرض عبر المنظمات الدولية واشتراطات التمويل.
- تفكيك مفهوم الأسرة والجندر بوصفه “تقدّماً” و”حداثة”.
هذه قيم في جوهرها أشد تناقضاً مع ثقافة المجتمعات العربية والإسلامية — سنية وشيعية معاً — من أي “مذهب” آخر. فالشيعي والسني يصلّيان إلى قبلة واحدة، ويختلفان في فروع فقهية وتأويلات. أما الفجوة بين منظومة القيم الإسلامية ومنظومة القيم الليبرالية الحديثة فهي فجوة في الأصول لا الفروع. فلماذا يُحذَّر من “الاختراق” حين يأتي من الشرق، ويُرحَّب به حين يأتي من الغرب؟ الجواب يكشف المعيار الحقيقي: انحياز لمحور إقليمي ضد آخر.
المستوى الثالث: مغالطة “دعم غزة كرأس حربة صفوي”. إذا كان الفعل (دعم حركة مقاومة تُقاتل الاحتلال) ذا قيمة في ذاته، فإنه يُقيَّم بنتائجه لا بنوايا فاعله. سواء كانت نوايا إيران “صفوية” أم براغماتية أم قومية، فالمحصّلة الميدانية واحدة: صواريخ ومضادات دروع وطائرات مسيّرة وصلت إلى حركات مقاومة تحارب أكبر مشروع احتلال معاصر. ثم إن معيار “النوايا” إذا طُبِّق باتساق، يقود إلى نتائج مُحرجة: هل كان دعم الولايات المتحدة لأفغانستان ضد السوفييت مشروعاً إسلامياً، أم رأس حربة لمشروع أمريكي عالمي؟
والأهم: إذا سحبنا كل دعم “قد يُتَّهم بشبهة التوظيف” عن المقاومة الفلسطينية، بمن تُترك غزة؟ إسقاط “شبهة النوايا” على من يمدّها بالسلاح وهي تحت الإبادة ليس تحليلاً استراتيجياً بل تخذيلاً للمقاومة ذاتها. بل إن الأدهى مغالطةً أن يُقدَّم الدعم الإيراني لغزة بوصفه “رأس حربة”، بينما التطبيع المجّاني مع الاحتلال، والصمت العلني على الإبادة، وفتح الأجواء للطيران الإسرائيلي — كل ذلك لا يرتقي في مقال الكاتب إلى مستوى الإدانة. هنا يكتمل انقلاب المعيار: يُدان من يُسلّح المقاوم، ويُعفى من يُصافح القاتل.
المستوى الرابع: التماهي مع الخطاب الإسرائيلي. الموازاة بين المشروعين — بل تقديم “الصفوي” على “الصهيوني” خطراً — ليست موقفاً محايداً. هي خطاب محدد الهوية السياسية، تتبنّاه دوائر في عواصم خليجية، وتتبناه الدعاية الإسرائيلية الموجّهة للجمهور العربي. منذ خطاب نتنياهو في الكونغرس عام 2015، ومشروعه المُعلن حول “التطبيع قبل الدولة الفلسطينية”، وصولاً إلى “اتفاقيات أبراهام” 2020 — كل ذلك يهدف إلى نقطة واحدة: إعادة توجيه البوصلة العربية من فلسطين إلى إيران. ومن حقّ أي باحث أن يتبنّى هذا الموقف، لكن من واجبه الأكاديمي أن يُعلنه موقفاً سياسياً، لا أن يُقدّمه اكتشافاً علمياً محايداً.
رابعاً: “الاتصالات السرية” بين الخميني والإدارات الأمريكية
يمرّر الكاتب ادعاءً خطيراً حين يقول إن “الوثائق كشفت عن اتصالات سرية بين الخميني والإدارات الأمريكية (كينيدي وكارتر)”، وأن شعار “الموت لأمريكا” كان “غطاءً لتفاهمات تحت الطاولة” تجلّت في تسليم العراق عام 2003.
هذه الفقرة تنطوي على ثلاث مشكلات منهجية:
المشكلة الأولى: عدم التوثيق. الادعاء يُمرَّر دون ذكر مصدر محدد، وهذا وحده كافٍ لإسقاطه بمعايير الكتابة الأكاديمية.
المشكلة الثانية: الخطأ الزمني. إدارة كينيدي انتهت باغتياله في نوفمبر 1963، والخميني آنذاك لم يكن قد بدأ نشاطه المعارض المعلن إلا في يونيو 1963 بخطبته الشهيرة ضد الشاه، ثم نُفي إلى تركيا فالعراق عام 1964. فأي “اتصالات سرية” يمكن أن تكون قد حدثت في هذه النافذة الضيقة (نحو خمسة أشهر بين ظهوره العلني واغتيال كينيدي)، وهو آية دين مغمور لم يُعرف دولياً بعد؟
المشكلة الثالثة: الإسقاط التعسفي. أما رسائل الخميني إلى إدارة كارتر قبيل الثورة، فهي موثقة بشكل محدود (منها أبحاث National Security Archive بجامعة جورج واشنطن، 2016)، لكنها كانت رسائل دبلوماسية تطمين اعتيادية تُرسلها أي حركة معارضة تتجه للسلطة لتجنّب تدخل عسكري ضدها. تحويل رسائل عابرة في 1978 إلى سلسلة “تواطؤ ممتد من كينيدي إلى تسليم العراق 2003” قفزة تتجاوز كل شروط التحقيق التاريخي، وتتجاهل حقيقة موثقة: أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كان مشروعاً أمريكياً-بريطانياً بامتياز، موثقاً في تقرير تشيلكوت البريطاني الرسمي (2016)، وفي مذكرات كل من كان في غرفة القرار. وصف ما حدث بـ”تسليم العراق لإيران” يُعفي القوة المحتلّة من مسؤولية غزوها، ويُحمّل الضحية مسؤولية ما تعرّضت له بلادها.
خامساً: انقلاب 1953 ومشروع مصدق
يُحمّل الكاتب “التيار الديني” بقيادة الكاشاني مسؤولية الانقلاب على مصدق عام 1953، ويعتبر ذلك دليلاً على أن “الملالي مستعدون للتحالف مع الشيطان الغربي ضد أي مشروع وطني”.
التحقيق التاريخي المنصف يكشف ثلاثة أبعاد يتجاهلها المقال:
البعد الأول: الفاعل الأساسي. انقلاب أغسطس 1953 كان عملية أمريكية-بريطانية مشتركة، اعترفت بها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) رسمياً عام 2013 بنشر وثائق “عملية أجاكس”. قراءة الحادثة بوصفها “مسؤولية الكاشاني” تقلب أدوار الصغير والكبير، وتُعفي الفاعلين الحقيقيين.
البعد الثاني: تعقيد الموقف الديني. موقف الكاشاني نفسه كان مركّباً: بدأ داعماً لمصدق في تأميم النفط، ثم اختلف معه على توزيع السلطة — وهو صراع سياسي داخلي عادي لا يختزل في “خيانة”. تقديم “رجال الدين” ككتلة واحدة متآمرة يُشبه تقديم “العلمانيين” ككتلة واحدة، وكلا التعميمين يُنقضان بأدنى تدقيق.
البعد الثالث: العابرية عبر المذاهب. ظاهرة تحالف بعض رجال الدين مع الاستعمار عابرة للمذاهب والجغرافيا تماماً: علماء دين في مصر أيّدوا الحملة الفرنسية في البداية، ورجال دين كُثر تحالفوا مع الأنظمة التابعة للغرب في القرن العشرين. اجتزاء حادثة واحدة وتقديمها سمةً مذهبية هو تحيّز تأكيدي (Confirmation Bias) صريح.
سادساً: الصراع العثماني-الصفوي
يُصوّر الكاتب الصفويين بوصفهم “حليفاً موضوعياً للقوى الصليبية في تعطيل الفتوحات الإسلامية”، وهذا التصوير إسقاط لوعي طائفي معاصر على صراع إمبراطوريتين في القرن السادس عشر.
أولاً: التحالفات العابرة كانت القاعدة لا الاستثناء. السياسة الأوروبية-الشرقية في تلك الحقبة كانت تقوم على “توازن القوى” لا “وحدة الدين”، لدى جميع الأطراف:
- فرنسا الكاثوليكية تحالفت مع العثمانيين السنة ضد إمبراطورية هابسبورغ الكاثوليكية عام 1536 (تحالف فرانسوا الأول مع سليمان القانوني)، وتضمّن التحالف عمليات بحرية مشتركة ضد موانئ إيطالية كاثوليكية.
- العثمانيون تبادلوا الدعم مع بروتستانت هولندا وإنجلترا ضد إسبانيا الكاثوليكية.
- الملكة إليزابيث الأولى راسلت السلطان مراد الثالث تؤكّد على “التوحيد المشترك” في مواجهة “الوثنية الكاثوليكية”.
- الدولة العثمانية السنية خاضت حروباً طاحنة مع المماليك السنة قبل أن تقضي عليهم عام 1517.
لو طُبّق معيار الكاتب بصورة مُتّسقة، لَوَجب وصف العثمانيين أنفسهم بـ”الحلفاء الموضوعيين للبروتستانت ضد الإسلام الكاثوليكي”. هذا يكشف عبثية المعيار: الدول الإمبراطورية تتصرف بمنطق المصلحة والتوسع، لا بمنطق التضامن المذهبي. اختزال الصراع العثماني-الصفوي في “طعنة من الخلف” هو قراءة للقرن الواحد والعشرين في القرن السادس عشر.
ثانياً: مسألة “نبش القبور” من السرديات التي تُضخَّم في كتب المناظرات المذهبية المتأخرة، وتحتاج إلى تحقيق أركيولوجي وتاريخي جاد. والتاريخ العثماني نفسه يحمل صفحات من هدم الأضرحة والمقامات في مراحل مختلفة. حين نُدرج هذه الحوادث ضمن “خصائص مذهبية”، نُنشئ سرديات تصنيع عداء لا دراسات تاريخ.
سابعاً: الغائب الأكبر في المقال
الدراسة النقدية لا تكتفي بما قيل، بل تتأمّل ما لم يُقَل. ومقال د. لملوم يتجاهل أربعة غيابات جوهرية:
أولاً، تعددية إيران الداخلية: الحركة الخضراء 2009، احتجاجات 2017 و2019، حراك 2022. ملايين الإيرانيين يحملون مواقف متباينة من نظامهم وسياساته. الاعتراف بهذا التنوع يُفكّك فرضية “الإرادة القومية الصفوية الموحدة”، لأنه يعني أن “إيران” ليست صوتاً واحداً بل حقل صراع سياسي داخلي كأي بلد.
ثانياً، الشيعة العرب كمواطنين: ماذا عن شيعة لبنان والعراق والبحرين والكويت والسعودية وسوريا واليمن؟ الوسم الذي ذيّل به الكاتب مقاله (#الرافضة) يُجيب بوضوح صادم: يُدمجون جميعاً في خانة “العدو الصفوي”، في تعبير صريح عن أن المقال ليس عن “إيران الدولة” بل عن مذهب يعتنقه مئات الملايين. بل إن كثيراً من مراجع الشيعة الكبار في التاريخ كانوا عرباً (النجف في العراق، جبل عامل في لبنان)، وبعضهم عارض الصفويين أنفسهم سياسياً.
ثالثاً، التواطؤ العلني مع الاحتلال: أنظمة عربية دخلت في موجات تطبيع متتالية مع إسرائيل علناً، ووقّعت اتفاقيات مع حكومة تُمارس إبادة موثقة. لماذا لا يرتقي هذا إلى مستوى “الخنجر في الخاصرة”، بينما يرتقي إليه دعم صاروخي لفصائل المقاومة؟ المعيار المتّسق يُوجب أن يكون التطبيع مع العدو المحتل أولى بالإدانة. غياب هذا النقاش ليس صدفةً، بل يكشف منطق الانحياز.
رابعاً، سياق ما بعد 2003: إعادة تشكيل المشهد العراقي لم تأتِ من فراغ، بل عبر بوابة فتحها الغزو الأمريكي. بول بريمر هو من حلّ الجيش العراقي وأنشأ مجلس الحكم على أسس طائفية-عرقية لأول مرة في التاريخ الحديث للعراق. تحميل طرف واحد مسؤولية انهيار دولة غزاها آخرون هو إخلال بأبجديات التحليل السياسي.
خاتمة: حين يُصبح اللقب العلمي غطاءً
مقال د. لملوم الذي قرأناه لا يُفكّك ما زعم أنه “مغالطات الشنقيطي”، بل يُعيد إنتاج نسخة معاكسة من الأيديولوجيا بأدوات خطابية مُموّهة: معجم “الجيوسياسة” و”الاستراتيجيا” و”الواقعية السياسية”، مع الإحالة المستمرة إلى صفة “الباحث في الإدارة والقيادة الاستراتيجية”. الإشكال هنا ليس في وجود رأي سياسي للكاتب — فهذا حقه — بل في تقديم الرأي السياسي في زيّ كشف علمي.
لكن ما يكشف حقيقة المقال ليس ما يُعلنه من منهج، بل ما يختم به نفسه: وسوم تتراوح بين “إيران” و”مشروع إيران” و”الصفوية”، وصولاً إلى الوسم الأخير: “#الرافضة”. هذا المصطلح التكفيري بامتياز، الذي استخدمته تاريخياً تيارات بعينها لوصم أتباع أهل البيت، يضع المقال في موقعه الحقيقي: في حقل الخطاب المذهبي، لا في حقل التحليل السياسي. حين يختم أكاديمي مقاله بمصطلح تكفيري، فهو يُعلن بنفسه أن ما كتبه ليس بحثاً عن الحقيقة، بل معركة هوياتية بلغة الحقيقة.
النقاش حول السياسات الإيرانية مشروع ومطلوب، شأنه شأن النقاش حول سياسات أي دولة إقليمية فاعلة. لكن الفرق بين نقد دولة ونقد مذهب، وبين مساءلة نظام ومعاداة طائفة، وبين قراءة التاريخ واستحضار أشباحه — هذا الفرق هو ما يميّز الأكاديميا عن الدعوة، والبحث عن التحريض. وحين يستخدم حامل الدرجة العلمية لقبه لترويج ما لا تقبله الأكاديميا من تعميمات وتجوهرات، فهو لا يخدم قضية بلده ولا قضية أمته، بل يُسهم في إعادة إنتاج منطق الحروب الأهلية المذهبية التي أنهكت المنطقة.
إدارة العلاقة مع إيران تحدٍّ استراتيجي حقيقي، لا يُختزل في “جوار طيب” ولا في “خنجر صفوي”، بل يحتاج إلى عقل بارد، ومعرفة دقيقة، وأدوات تحليل تُفرّق بين الأنظمة والشعوب، وبين السياسات والمذاهب، وبين الحاضر المُتغيّر والماضي المُؤسطَر. هذا هو ما تقدّمه الأكاديميا الحقيقية، وهذا ما نفتقده في كثير من الكتابات الراهنة، ومنها المقال الذي بين أيدينا.