ثمّة لحظات في السياسة تختار أسماءها بعناية أكبر من اختيارها لمضامينها. واللحظة التي أُطلق فيها اسم «الاتفاقيات الإبراهيمية» على مسار التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية سنة 2020 هي إحدى تلك اللحظات. فالاسم وحده يحمل فائضاً من المعنى يفوق ما يحمله النصّ القانوني نفسه. وهذا الفائض هو موضع السؤال، لا النصّ.

حين أُعلنت هذه الاتفاقيات، انقسم الخطاب حولها إلى ثلاثة مواقف كبرى.

موقفٌ أوّل رآها مشروع سلام تاريخيّاً بين «أبناء إبراهيم»، يُنهي عقوداً من القطيعة، ويفتح للمنطقة باباً جديداً نحو التعايش والاستقرار والازدهار. وهذا هو الخطاب الرسميّ الذي تبنّته العواصم الموقّعة، وروّجت له الدبلوماسية الأمريكية والإسرائيلية بوصفه اختراقاً حضاريّاً في جدار العداء القديم.

وموقفٌ ثانٍ رآها إعلاناً مبطّناً عن «دين جديد»، يُراد به إذابة الإسلام واليهودية والمسيحية في خليطٍ عقديّ اصطناعي، تحت عنوان «الدين الإبراهيمي». وهذا موقف شاع في أوساط كثيرة، لا سيّما بين من نظروا بريبة إلى كثافة الاستعمال الدينيّ والرمزيّ في تسويق الاتفاقيات.

وموقفٌ ثالث نظر إليها من زاوية الصراع نفسه، لا من زاوية الاسم ولا من زاوية الشعارات، فرأى فيها جزءاً من هندسةٍ إقليمية هدفها دمجُ إسرائيل في المنطقة، وتطبيعُ وجودها السياسيّ والأمنيّ، وتجاوزُ القضية الفلسطينية بدل حلّها. وفي هذا السياق جاء موقف محور المقاومة بوصفه نقيضاً عملياً لهذه الهندسة: لا لأنّه يناقش الاسم، بل لأنّه يرفض المعنى السياسيّ الذي يحمله المشروع.

والحقّ أنّ فهم الاتفاقيات يحتاج إلى تجاوز الموقفين الأوّلين دون تجاهل ما يكشفانه. فهي ليست ديناً جديداً بأيّ معنى لاهوتيّ جادّ، لكنّها أيضاً ليست مبادرةً بريئة للحوار بين الأديان. هي شيءٌ آخر، أكثر دهاءً وأعمق دلالة: إطار سياسيّ لتطبيع علاقات قوّة، يستعير من المعجم الديني ما يُلطّف به وقعَه على الوجدان الجمعي.

مغالطة «الدين الجديد» ومغالطة «السلام البريء»

من الإنصاف أن نقول إنّ الاتفاقيات لم تُعلن عقيدةً جديدة، ولم تُؤسّس شعيرةً، ولم تُصدر كتاباً. ومن يصرّ على وصفها بـ«الدين الإبراهيمي الجديد» يُسقط على النصّ ما ليس فيه، ويمنح خصومه فرصةً سهلة لتسفيه نقده.

لكنّ المقابل أخطر: من يقول إنّها «مجرّد سلام» يُسقط من النصّ والسياق ما هو فيهما. فالاسم لم يُختر اعتباطاً. اختيار «إبراهيم» تحديداً، دون «معاهدة واشنطن» أو أيّ تسمية سياسية محايدة، هو فعلٌ خطابيّ محسوب. إنّه استدعاءٌ لرمزٍ يحمل في الوجدان الإسلاميّ خصوصاً، وفي الوجدان التوحيديّ عموماً، شحنةً من القداسة والأبوّة الروحية يصعب الاعتراض عليها دون أن يبدو المعترض كأنّه يعترض على إبراهيم نفسه.

والنصّ الرسميّ للاتفاقيات يستعمل بالفعل لغة التعايش والكرامة الإنسانية والحرية الدينية والحوار بين الأديان والثقافات، ويشير إلى «الأديان الإبراهيمية الثلاثة» في إطار تعزيز ثقافة السلام. وهذا يؤكّد أنّ البعد الدينيّ ليس مضموناً عقدياً جديداً، لكنّه حاضرٌ بوصفه غلافاً رمزياً وسياسياً للمبادرة.

وهنا تكمن الحيلة الكبرى. لقد نُقل النقاش، بضربة اسمٍ واحدة، من حقل العدالة إلى حقل التسامح. لم يعد السؤال: ما مصير القدس؟ ما حال غزّة؟ ما معنى الاستيطان؟ بل صار السؤال: لماذا ترفضون السلام؟ لماذا تكرهون التعايش؟ لماذا تعادون أخوّة الأديان؟

وهذا قلبٌ للموازين، لأنّه يُحوّل المظلوم إلى مُتّهم، والمعترض على الظلم إلى عدوٍّ للمحبّة. وقد يكون هذا أخطر ما تفعله السياسة حين تستعير لغة الدين: لا أن تُؤسّس ديناً، بل أن تُصادر لغةَ الدين لصالح مشروعها.

الغطاء الدينيّ: حين يتورّط الواعظ في الوظيفة لا في النيّة

ولم يكن هذا الغلاف الرمزيّ صناعةً سياسية خالصة، بل احتاج إلى أصواتٍ دينية تُليّنه وتمنحه مظهراً أخلاقياً. فالسياسة وحدها لا تستطيع شرعنة اسمٍ نبويّ؛ تحتاج إلى علماء يُقدّمون لها المفردات، ومؤسّساتٍ تُصدر لها البيانات، ومنابر تُحوّل قرارها إلى موعظة. وهنا ساهم بعض الفاعلين الدينيين والمؤسّسات الفقهية، بدرجاتٍ متفاوتة، في ترويج السردية الإبراهيمية أو تسويغها: بعضهم عن قناعة سياسية، وبعضهم تحت سقف المؤسّسة الرسمية، وبعضهم ربّما بحسن نيّةٍ ظنّ معها أنّ الحديث عن السلام بين الأديان يبقى خيراً مطلقاً في كلّ سياق.

ولعلّ أوضح تجلٍّ لهذه الظاهرة ما صدر عن بعض المنتديات الفقهية المرتبطة ببعض الدول الموقّعة، حين خرجت بعد إعلان التطبيع ببياناتٍ مؤيِّدة قُدّمت في خطاب «السلام» و«المصلحة» و«إيقاف الضمّ»، فتحوّلت من فضاءٍ للحوار إلى أداةٍ لإضفاء غطاءٍ شرعيّ على قرارٍ سياسيّ مُبرَمٍ سلفاً.

ثمّ هناك مستوى آخر، أعمق وأكثر منهجية: المشاريع الرمزية الكبرى التي أطلقتها الدول المطبِّعة، كالمجمَّعات الدينية التي تجمع المسجد والكنيسة والكنيس في فضاءٍ معماريّ واحد، وتُقدَّم بوصفها تجسيداً للأخوّة الإبراهيمية. هذه المشاريع ليست في ذاتها ديناً جديداً، ولا ينبغي قراءتها بمنطق المؤامرة العقدية. لكنّها، في السياق الذي وُجدت فيه، لا تنفصل عن الرهان السياسيّ الأكبر: تعميق التطبيع عبر توحيد الفضاء الرمزيّ، وجعل المسجد جاراً للكنيس في حين يخضع المسجد الأقصى لقيود الوصول.

والمسألة هنا ليست في إدانة الحوار بين الأديان من حيث هو حوار، فهذه قيمةٌ لا اعتراض عليها في ذاتها، ولا في إدانة الدعوة إلى التعايش بين المسلمين واليهود والمسيحيين. الإشكال أنّ هذا الخطاب، حين يُستعمل في لحظةٍ سياسية بعينها، يدخل في هندسةٍ أكبر منه. فيتحوّل الواعظ، من حيث لا يُريد أحياناً، إلى مكوِّنٍ وظيفيّ في مشروعٍ لم يُستشَر فيه.

لذلك فالتورّط هنا ليس بالضرورة تورّطاً في النيّة، بل تورّطٌ في الوظيفة. قد لا يقصد الواعظ خدمة مشروع القوّة، لكنّ خطابه يُوضَع في الموضع الذي يخدمه. والسياسة لا تسأل عمّا قصده الواعظ، بل عمّا يفعله كلامُه حين يُستثمَر في اللحظة المناسبة، وتحت العنوان المناسب. وهذا تذكيرٌ ضروريّ بأنّ الحياد في لحظات الحسم موقفٌ، وأنّ الصمت الذي لا يُميّز بين المظلوم والظالم خدمةٌ للظالم حتّى لو ادّعى الموقفُ النيّةَ الحسنة.

مفارقة الموقّعين: حين يصنع السلامَ مَن لا يعرفه

ثمّة سؤال بسيط يكفي وحده لزعزعة السردية الإبراهيمية، ولا يحتاج إلى تحليل قانوني أو تاريخي معقّد: مَن رعى هذا السلام؟

راعيه الأمريكي كان دونالد ترامب، وشريكه الإسرائيلي كان بنيامين نتنياهو. ولسنا هنا أمام قراءة نفسية للرجلين، بل أمام سجلّ سياسيّ موثَّق. ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتلّ، وطرح ما سُمّي «صفقة القرن» التي تعاملت مع الدولة الفلسطينية بوصفها تنازلاً اختيارياً قابلاً للتفاوض، لا حقّاً راسخاً لشعب.

أمّا نتنياهو، فقد قضى الجزء الأكبر من حياته السياسية في تعطيل أيّ مسارٍ جادّ نحو دولةٍ فلسطينية، وفي رعاية منظومة استيطانية تجعل قيام هذه الدولة مستحيلاً عملياً. ثمّ جاءت حرب غزّة لتدفع المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرة توقيفٍ بحقّه، وبحقّ وزير دفاعه السابق، بتهم تتعلّق بجرائم حربٍ وجرائم ضدّ الإنسانية.

فإذا كان السلام يُعرَف بصانعيه كما تُعرف الثمار بأشجارها، فأيّ سلامٍ يُنتظر من مدرسةٍ سياسية جعلت القانون الدولي تفصيلاً مُزعجاً، والحقوقَ الفلسطينية عبئاً قابلاً للتأجيل؟ المفارقة ليست تفصيلاً عابراً، بل هي مفتاح القراءة. فالسلام لا يُقرأ من عنوانه فقط، بل من هندسة من صنعه وطبيعة مصالحه.

وحين يأتيك خطاب المصالحة من رجال جعلوا الغلبة منهجاً، والإلحاق سياسةً، والاستعلاء لغةً، فإنّ أوّل واجبات العقل أن يسأل: أهو سلام، أم إعادة تسميةٍ للغلبة؟

ولهذا فإنّ الشكّ في النوايا هنا ليس سوء ظنّ، بل ضرورة تحليلية. حين يُقدّم لك الذئبُ عقدَ صداقةٍ مع الحَمَل، فالسؤال ليس عن بنود العقد، بل عن طبيعة الذئب. والذئب لا يُغيّر طبيعته بتغيير اسم العقد. لقد سمّاها ترامب «إبراهيمية» لأنّ الاسم ينفع في التسويق، تماماً كما يُسمَّى قانون مصادرة الأرض قانوناً للتطوير العمراني.

الجوهر السياسي تحت الغلاف الرمزي

حين نُزيح الغلاف الرمزي، يظهر الجوهر بوضوح. الاتفاقيات هي، من الناحية القانونية، معاهدات تطبيع ثنائية: اعترافٌ متبادل، سفاراتٌ، خطوطٌ جوّية، تجارةٌ، تعاونٌ أمني واستخباراتي وتكنولوجي. ومعاهدة الإمارات-إسرائيل المسجّلة لدى الأمم المتحدة لا تُداري ذلك، إذ تحمل عنوان «معاهدة السلام والعلاقات الدبلوماسية والعلاقات الطبيعية الكاملة».

وكلّ دولة دخلت هذا المسار دفعت أو قبضت ثمناً ملموساً لا علاقة له بإبراهيم ولا بأبنائه. المغرب حصل على اعتراف أمريكي بسيادته على الصحراء الغربية. السودان رُفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب. الإمارات دخلت في أفق صفقات تسلّحٍ متقدّمة، واكتسبت موقعاً إقليمياً جديداً. والبحرين كان موقفها الأكثر صراحةً في الكشف عن الحسابات الأمنية في مواجهة إيران. هذه مصالح سياسية وأمنية واقتصادية حقيقية، تستدعي نقاشاً جاداً حول جدواها ومخاطرها. لكنّ تمريرها تحت عنوان «الأخوّة الإبراهيمية» هو الحيلة التي جعلت النقاش الجادّ أصعب.

انقلاب المعادلة وتأجيل العدالة

المبادرة العربية للسلام سنة 2002 وضعت معادلة واضحة: حلٌّ عادل للقضية الفلسطينية أوّلاً، ثمّ تطبيعٌ عربيّ شامل. كانت المعادلة تربط التطبيع بالعدالة ربطاً عضوياً، وتجعل الأوّل ثمرةً للثانية لا بديلاً عنها.

أمّا الاتفاقيات الإبراهيمية فقلبت المعادلة رأساً على عقب: تطبيعٌ أوّلاً، ثمّ حديثٌ مُؤجَّل وغامض عن أنّ التطبيع قد «يُساعد» على السلام لاحقاً.

هذا القلب ليس تفصيلاً تقنياً، بل استبدالٌ لمنطق العدالة بمنطق الأمر الواقع. إسرائيل لم تعد دولةً مطالَبةً بإنهاء احتلالها لتُقبَل في محيطها، بل صارت شريكاً إقليمياً مقبولاً قبل أن تُقدّم تنازلاً واحداً. وما كان يُفترض أن يكون مكافأةً على العدل صار هديةً مجّانية للظلم.

وفي هذا تحوّلٌ معرفيّ خطير: إذ يُعلَّم الوعيُ السياسيّ العربي، عبر فعلٍ رسميٍّ متكرّر، أنّ الحقّ ليس شرطاً للاعتراف، وأنّ المظلوم ينتظر، والظالم يُكافَأ.

محور المقاومة والاختبار الميداني

وفي هذا السياق، برز موقف محور المقاومة بوصفه نقيضاً عمليّاً للمنطق الذي قامت عليه الاتفاقيات الإبراهيمية. فبينما راهن مسار التطبيع على تحويل إسرائيل إلى شريكٍ طبيعيّ في المنطقة، أعاد هذا المحور تثبيت الفكرة المعاكسة: أنّ إسرائيل ليست مشكلةَ علاقاتٍ عامّة تحتاج إلى لغة تسامح، بل كيان قوّةٍ واحتلالٍ لا يُدمَج في المنطقة بتجاوز فلسطين، بل تُعاد مساءلته من بوّابة فلسطين.

بهذا المعنى، لم يأتِ السابع من أكتوبر وما بعده حدثاً منفصلاً عن سؤال الاتفاقيات، بل اختباراً قاسياً لها. فقد كشف أنّ التطبيع يستطيع أن يصنع سفاراتٍ وخطوط طيران واتفاقياتٍ تجارية، لكنّه لا يستطيع أن يُنتج شرعيةً تاريخية لإسرائيل ما دامت فلسطين معلّقةً بين الاحتلال والحصار والتهجير.

حربا إيران واختبار الأمن الإقليمي

ثمّ جاءت الحربان المتتاليتان على إيران لتُضيفا اختباراً آخر للسردية الإبراهيمية. الحرب الأولى اندلعت في يونيو 2025 وامتدّت اثني عشر يوماً، والحرب الثانية بدأت في 28 فبراير 2026 وفتحت مرحلة جديدة من الاشتباك الإقليمي امتدّت أسابيع متتالية قبل أن تُعلَّق بهدنةٍ هشّة. وكلتاهما لم تكونا حدثاً عابراً يمكن إدراجه في خانة «التصعيد»، بل كانتا اختباراً مكشوفاً لأحد الوعود الضمنية الكبرى للتطبيع: أنّ الاندماج مع إسرائيل والولايات المتحدة سيُنتج أمناً إقليمياً جديداً.

ما كشفته الحربان هو العكس تماماً. فالأمن الموعود تحوّل إلى ارتهان، والشراكة الموعودة تحوّلت إلى انكشاف. الدول التي أدخلت إسرائيل إلى قلب معادلاتها الأمنية وجدت نفسها، شاءت أم أبت، قريبةً من خطوط تماسٍّ لا تملك قرار إشعالها ولا قرار إطفائها. ومنشآتها الحيوية ومجالها الجوّي وممرّاتها البحرية صارت جزءاً من حسابات حربٍ تُدار من تل أبيب وواشنطن، لا من عواصمها هي.

وهنا تظهر مفارقةٌ ثانية لا تقلّ حدّةً عن الأولى: التطبيع الذي قُدِّم بوصفه باباً إلى الاستقرار صار، في لحظة الحرب، سبباً إضافياً للانكشاف. فالدولة التي تُصبح شريكاً أمنياً لإسرائيل لا تحصل بالضرورة على أمن إسرائيل، بل قد تحصل أيضاً على نصيبها من أعداء إسرائيل، ومن حروب إسرائيل، ومن كُلفة الانحياز إلى إسرائيل. وهذا منطقٌ كان ينبغي توقّعه: من يربط مصيره بدولةٍ تعيش بالحرب يتعلّم متأخّراً أنّ الحرب لا تعرف الحدود التي ترسمها معاهدات السلام.

مصير الاتفاقيات: استمرارٌ بلا مشروعية

الأرجح أنّ هذه الاتفاقيات ستستمرّ، لأنّ وراءها شبكاتٍ ضخمة من المصالح لا تُفكَّك بسهولة. لكنّها ستستمرّ منزوعةَ المعنى الأخلاقي، مُجرَّدةً من سرديّتها التأسيسية. ستبقى كترتيباتٍ بين دول، لا كمشروعٍ بين شعوب. وستظلّ هذه الفجوة بين القرار الرسمي والوجدان الشعبي مصدرَ هشاشةٍ دائمة، لأنّ الشعوب لا تُطبّع، حتّى حين تُطبّع حكوماتها.

أمّا الرهان الأكبر، وهو انضمام السعودية، فقد تعقّد بعد غزّة وبعد حربَي إيران. الموقف السعودي الرسمي ربط التطبيع بإنهاء الحرب على غزّة وبقيام دولة فلسطينية أو مسارٍ واضح نحو حلّ الدولتين، وهو شرطٌ يصعب التراجع عنه دون كلفة باهظة على الشرعية الدينية للمملكة وعلى موقعها في العالم الإسلامي. وقطر بقيت خارج المسار الإبراهيمي، تتعامل مع الملفّ من موقع الوساطة لا من موقع الالتحاق.

خاتمة: حين يُعار الاسمُ ويُخان المعنى

الاتفاقيات الإبراهيمية ليست ديناً جديداً، وهذه مغالطة ينبغي تصحيحها بهدوء. لكنّها أيضاً ليست السلامَ الذي تدّعيه، وهذه مغالطة أكبر ينبغي كشفها بحزم. هي مشروع قوّةٍ وقّعه رجال القوّة، وأُعطي اسماً نبوياً لا يستحقّه، وقُدِّم للعرب والمسلمين على أنّه إنجازٌ حضاري في حين أنّه إعادةُ ترتيبٍ لموازين الإلحاق.

والمسلم الذي يقرأ هذه الاتفاقيات لا يحتاج إلى أن يكون فقيهاً ليُدرك أنّ إبراهيم عليه السلام، الذي حطّم الأصنام بيديه ووقف وحيداً في وجه نمرود، ليس راعياً مناسباً لمشروعٍ يُكافئ القوّة ويُعاقب الحقّ.

استعارةُ اسمه هنا ليست تكريماً، بل خيانةٌ للمعنى الذي حمله. وحين يُخان المعنى، يبقى أمام الوعي طريقٌ واحد: أن يُسمّي الأشياء بأسمائها الحقيقية، وأن يردّ إلى إبراهيم اسمَه، وإلى السياسة لغتَها، وإلى العدالة موقعَها الذي لا تستقيم الأمور إلّا به.