حسن أحمديان

ما يلفت في أحمديان أولًا أنه لا يدخل البلاتوهات السياسية بصفة المعلّق الانفعالي الذي يعيش على رفع النبرة، بل بصفة الباحث الذي يعرف مادته، ويرتب جوابه، ويعرف كيف ينقل الفكرة من الحقل الأكاديمي إلى اللغة الإعلامية دون أن يفقدها تمامًا عمقها. خلفيته ليست مخترعة: هو أستاذ مساعد في دراسات غرب آسيا وشمال أفريقيا بجامعة طهران، وله حضور بحثي موثق تجاوزت فيه منشوراته المئة عمل علمي باللغات الفارسية والعربية والإنجليزية بين مقالات أكاديمية وتقارير استراتيجية وفصول كتب، وارتبط بمركز بلفر في هارفارد، وكتب في منصات تحليلية معروفة. لذلك فالإعجاب به لا يقوم فقط على “كاريزما الشاشة”، بل على شعور كثير من المتابعين أنهم أمام شخص لا يتكلم من فراغ.

غير أن السبب الحقيقي في بروزه ليس التكوين الأكاديمي وحده. هناك عشرات الأكاديميين، لكن قليلين منهم ينجحون في التلفزيون.

سرّ أحمديان أنه جمع بين ثلاثة أشياء دفعة واحدة: الهدوء، والسرعة في التقاط السؤال، والقدرة على بناء جواب يبدو متماسكًا ومتصلاً من أوله إلى آخره.

في زمن صار كثير من الضيوف أسرى الارتباك أو الشعارات أو الصراخ، بدا هو أكثر انضباطًا، وأكثر قدرة على الإمساك بإيقاع الحوار. ولهذا وجد فيه كثيرون نموذجًا نادرًا للضيف الذي لا يكتفي بالحضور، بل يفرض طريقته في إدارة المعنى داخل الحلقة.

من هنا نفهم أيضًا لماذا ظهرت الاتهامات المقابلة: بعضهم يقول إن الرجل لا ينتصر بالحجة بقدر ما ينتصر بإحكام العرض؛ أي إن قوة أدائه تجعل كثيرًا من الناس يخلطون بين “تماسك الجواب” و”صحة النتيجة”. وهذه ملاحظة تستحق النقاش، لكنها ليست كافية وحدها لاتهامه بالمغالطة. لأن كل متحدث متمكن يملك بالضرورة أدوات عرض قوية: يعيد صياغة السؤال، يختار زاوية البدء، يرتب الوقائع بحسب ما يخدم أطروحته، ويقارن بين سيناريوهات متعددة ليجعل خصمه يبدو متعجلًا أو سطحيًا. هذه كلها أدوات جدلية وإعلامية مشروعة في الأصل، ولا تتحول إلى مغالطات إلا إذا ثبت أنه يبني عليها استنتاجات لا تسندها الوقائع أو يتعمد إخفاء المعطيات المضادة. وفي حدود ما راجعته، لا يوجد نقد موثق يثبت ذلك عليه كقاعدة مطردة؛ الموجود هو أن خصومه يتضايقون من فاعلية منطقه الخطابي فيسمونها “مغالطات” من باب الحكم السريع.

بل إن جزءًا من هذه التهمة ناتج، في تقديري، عن طبيعة موقعه نفسه. وهنا لا بد من ملاحظة بنيوية يتجاهلها كثيرون: أحمديان ليس باحثًا مستقلًا بالمعنى الكامل، فهو يشغل منصب باحث أول في مركز الدراسات الاستراتيجية في طهران، وهو مركز حكومي. هذا لا يُسقط مصداقيته، لكنه يعني أن ثمة سقفًا بنيوياً ينبغي استحضاره عند تقييم اختياراته التحليلية وزوايا نظره، تمامًا كما نستحضر انتماء أي باحث غربي إلى مؤسسته. حسن أحمديان يتحدث من داخل البيئة الإيرانية، ويدافع غالبًا عن قراءات أكثر قربًا من السردية الإيرانية أو أقل عداءً لها من السائد عربيًا. هنا يصبح أي تماسك في عرضه مشبوهًا لدى بعض المتلقين سلفًا: فإذا نجح في شرح موقف إيران قيل إنه يبرر، وإذا فكك سردية خصومها قيل إنه يناور، وإذا لم ينفعل قيل إنه يراوغ. والحقيقة أن هذا ليس حكمًا على منطقه فقط، بل على موقعه السياسي والرمزي داخل مشهد عربي تشكلت فيه صورة إيران مسبقًا عند كثيرين. لذلك ينبغي التمييز بين نقد محتوى حججه، وهو مشروع وضروري، وبين اختزال الرجل كله في تهمة جاهزة: “بارع في المغالطات”.

أما مسألة اللغة العربية، فهي تهمة عجيبة وسخيفة. أحد إعلاميي قناة الجزيرة (مصري) حبّر مقالاً كاملاً يتهم فيه أحمديان بأن “عربيته غير سليمة” مقارنةً بلقاء مكي وغيره.. وكان مقالاً يهدف فقط للانتقاص من أحمديان.. بينما كان الإنصاف يستوجب التذكير بأنه ليس ابن بيئة عربية أمّ، ومن الطبيعي أن تظهر عليه أحيانًا آثار اللكنة أو بعض التراكيب غير المألوفة أو التفاوت في السلاسة بين جملة وأخرى. لكن هذا شيء، والحكم على لغته بأنها غير سليمة شيء آخر تمامًا. الرجل ينشر ويحاضر ويحاور بالعربية، وتنشر له منصات بحثية عربية مقالات وتحليلات باسمه، وهذا وحده يكفي لنقول إن أدواته العربية وظيفية ومتماسكة وفعالة إلى درجة مكّنته من التأثير الواسع. النقد الأدق ليس أن عربيته “غير سليمة”، بل أنها عربية غير أمّ تظهر فيها أحيانًا آثار المتكلم غير العربي، من دون أن يمنع ذلك وضوح الفكرة أو قوة الحضور. والفرق بين العبارتين كبير جدًا.

بل قد يكون بعض الانزعاج من لغته راجعًا إلى مفارقة نفسية عند المتلقي العربي نفسه: حين يتكلم غير العربي بالعربية بثقة وهدوء وفاعلية، يصبح أداؤه مستفزًا لبعض الناس أكثر مما لو كان متعثرًا؛ لأنهم ينتظرون منه نقصًا في اللغة يضعفه، فإذا لم يحصل ذلك انتقلوا من ملاحظة اللكنة إلى اتهام اللغة نفسها. هنا يتحول النقد من فحص لغوي إلى رد فعل نفسي على الحضور. وهذا لا يعني أنه معصوم من المآخذ، بل يعني فقط أن الحكم يجب أن يكون منصفًا: من حقك أن تقول إن لغته ليست لغة عربيّ مشرقيّ متمرس، لكن ليس من الدقة أن تقول إنها لغة مكسورة أو غير سليمة بإطلاق.

والأهم من هذا كله أن حسن أحمديان كشف، بقصد أو بغير قصد، أزمة أعمق في البلاتوهات العربية نفسها. فالاحتفاء به لا يفسَّر فقط بامتياز شخصي عنده، بل أيضًا بفقرٍ ظاهر عند عدد غير قليل من الضيوف الآخرين: ضعف في البناء، ارتباك في ترتيب المعطيات، خلط بين الصراخ والتحليل، وبين الموقف المسبق والحجة. حين يظهر ضيف يعرف كيف يضبط أعصابه، ويجيب من داخل ملفه، ويبدو أنه قرأ ما يتحدث عنه، يتحول بسرعة إلى “استثناء”، مع أن هذه الصفات كان ينبغي أن تكون هي الحد الأدنى لا الاستثناء. الاحتفاء به، في جزء منه، احتجاجٌ رمزي صامت على رداءة جزء من المشهد الإعلامي العربي.

لذلك، في تقديري، الرد المنصف على خصومه يكون هكذا: حسن أحمديان ليس مجرد أداء بلاغي فارغ، لأن له تكوينًا أكاديميًا وسجلًا بحثيًا وحضورًا تحليليًا فعليًا. وفي الوقت نفسه، هو ليس فوق النقد، لأن قوة البناء الخطابي لا تعني تلقائيًا أن كل استنتاجاته صائبة، ولأن انتماءه المؤسسي الحكومي — كأي باحث آخر في العالم — يُشكّل سياقًا لا يصح تجاهله عند تقييم انتقائيته وزوايا نظره. لكن الفرق بين النقد الجاد والتشنيع السريع هو أن الأول يفكك قوله نقطة نقطة، أما الثاني فيكتفي باتهامه بالمغالطة لأنه لم يعجبهم، أو باتهام عربيته بالفساد لأنهم لم يحتملوا أثره.