(نشر المقال في جريدة المغرب بنسخة مختصرة، وأطرحه هنا كاملا رغبةً في وضوح الفكرة بتفاصيلها).
أثار عدد من النصوص المنشورة أخيرًا نقاشًا مهمًا حول أزمة اليسار التونسي ومستقبله. بدأ حمّة الهمامي بالدفاع عن ضرورة تقييم العشرية التي أعقبت الثورة وتحديد مسؤوليات القوى التي حكمت خلالها، وردّ أيمن العلوي بالدعوة إلى الكف عن الاحتماء بصحة المواقف الماضية والاعتراف بالهزيمة السياسية التي انتهت إليها التنظيمات اليسارية. ورأى حبيب بوعجيلة في نص العلوي انتقالًا واعدًا من الأيديولوجيا إلى السياسة، بينما وسّع طارق الكحلاوي دائرة النقد لتشمل العلاقة بالاتحاد العام التونسي للشغل، والموقف من الديمقراطية، والإرث اللينيني والاستئصال، ودعا إلى انتقال صريح نحو الديمقراطية الاجتماعية. وأضاف فوزي بن عبد الرحمن أسئلة تتعلق بالتركيبة الاجتماعية للاتحاد، وترك الفئات الأكثر هشاشة للإسلاميين والمجتمع المدني، والحاجة إلى نموذج اقتصادي اجتماعي تنموي يتجاوز ثنائية النيوليبرالية والقطيعة الشاملة.
تكمن أهمية هذا النقاش في أنه ينقل أزمة اليسار، ولو جزئيًا، من الخصومات الشخصية ومنطق التخوين إلى مجال الأفكار والبرامج والتنظيم. وهو أمر نادر في حياة سياسية أصبح فيها الاعتراف بالفشل أشد صعوبة من الفشل نفسه.
أكتب هذه المساهمة من موقع يساري ديمقراطي اجتماعي، متصالح مع الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، ولا أنطق باسم أي من العائلات التنظيمية التي يدور بينها هذا النقاش. ولا أرى في ضعف اليسار مكسبًا لخصومه، بل خسارة لتونس؛ لأن الحياة الديمقراطية لا تستقيم من دون قوة اجتماعية قادرة على وصل الحرية بالعدالة، ومقاومة الاستبداد بمقاومة الفقر والريع والتفاوت.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: إذا استوعب اليسار المراجعات الواردة في هذه النصوص، فهل تكفي فعلًا لتأسيس مرحلة جديدة يصبح فيها قوة سياسية جدية، منافسة ومقبولة شعبيًا؟
هل يكفي أن يتوقف عن محاكمة الماضي، وأن يبني منظمة حديثة وجهازًا إعلاميًا محترفًا؟ هل يكفي أن يفصل الحزب عن الاتحاد والجمعيات، ويضع برنامجًا اقتصاديًا أكثر واقعية، وينتقل من أفق الثورة الشاملة إلى الديمقراطية الاجتماعية؟
هذه كلها شروط ضرورية. لكنها، في تقديري، لا تكفي ما لم يراجع اليسار علاقته بالإنسان الذي يريد تمثيله، لا بوصفه موقعًا داخل “علاقات الإنتاج” فحسب، بل بوصفه أيضًا حاملًا لذاكرة وهوية وانتماء ومصدر أخلاقي للمعنى.
لقد عرف اليسار مظالم الفئات الشعبية، لكنه لم يعرف دائمًا عالمها. وهنا يكمن أحد الجذور العميقة لأزمته: لقد انفصل العدل عن الهوية.
بين محكمة الماضي وسؤال المستقبل
يمثل نص حمّة الهمامي لحظة دفاع عن حق الشعب في تقييم العشرية التي أعقبت الثورة، ورفض إذابة المسؤوليات داخل عبارة «كلنا مسؤولون». وهو محق في أن المعارضة لا تتحمل المسؤولية نفسها التي تتحملها الأحزاب التي امتلكت السلطة التنفيذية والتشريعية ووضعت السياسات ونفذتها. كما أن الدفاع عن الديمقراطية لا يقتضي إعفاء الحكومات المتعاقبة من محاسبتها على نتائج خياراتها.
لكن نص الهمامي يظل، في جانب واسع منه، منشغلًا بإثبات صواب الموقف التاريخي لحزبه أكثر من انشغاله بتفسير عجز هذا الصواب عن التحول إلى قوة سياسية واجتماعية. قد يكون الحزب قد عارض سياسات خاطئة، وحذّر من نتائجها، ولم يشارك في الحكم، لكن السياسة لا تُقاس فقط بصحة الموقف، بل أيضًا بالقدرة على إقناع المجتمع وتنظيمه وتغيير موازين القوى داخله.
وهنا تأتي أهمية نص أيمن العلوي. فهو ينقل السؤال من «من كان على حق؟» إلى «ماذا نستطيع أن نفعل اليوم؟». ويدعو اليسار إلى الاعتراف بأنه لم يعد يمثل الطبقة العاملة أو الفئات المضطهدة بالمعنى الفعلي، وأن تنظيماته ليست قوى جماهيرية، بل مجموعات مناضلة محدودة العدد والتأثير. كما يدعوه إلى بناء منظمة حديثة، محترفة، متصلة بالمجتمع، ذات إعلام قادر وبرنامج «جذري في أهدافه، إصلاحي في أفقه».
هذه نقلة مهمة، وإن بقي السؤال الذي أثاره طارق الكحلاوي قائمًا: هل الإصلاح هنا وسيلة مؤقتة نحو قطيعة ثورية مؤجلة، أم أصبح مشروعًا إيجابيًا قائمًا بذاته؟ وهل يستطيع اليسار بناء ممارسة إصلاحية ديمقراطية فيما تظل مخيلته النهائية محكومة بفكرة الثورة الشاملة و«الضربة القاضية»؟
أما حبيب بوعجيلة فيضع هذا التحول داخل أفق أوسع: انتهاء زمن التنظيمات المبنية على الأيديولوجيات التمامية، وانتقال السياسة إلى المجال البرنامجي الذي ينتظر فيه الناس حلولًا لحياتهم المادية وأمنهم الغذائي والوطني والثقافي.
ويذهب طارق الكحلاوي وفوزي بن عبد الرحمن أبعد في تفكيك العوائق البنيوية والتنظيمية. فقد أدى انغماس اليساريين في الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الحقوقية والجمعيات إلى حضور قوي للمناضل اليساري داخل المجتمع، يقابله غياب الحزب اليساري القادر على جمع القضايا الجزئية في مشروع سياسي وطني. كان اليساري حاضرًا بصفته نقابيًا أو حقوقيًا أو ناشطًا جمعياتيًا، لكنه كان أضعف حضورًا بصفته ممثلًا لمشروع حكم.
تقدم هذه النصوص، مجتمعة، أجزاء أساسية من تفسير الأزمة: عبء الذاكرة، وفجوة الشعارات والواقع، وضعف التنظيم، والذوبان في الاتحاد والجمعيات، وغموض الموقف من الديمقراطية، وقصور البرنامج الاقتصادي.
وقد أشار طارق الكحلاوي أيضًا إلى الاغتراب الثقافي الذي يفصل جانبًا من كوادر اليسار عن التدين الشعبي، كما رأى فوزي بن عبد الرحمن أن جعل الإسلام السياسي «التناقض الرئيسي» دفع العدالة الاجتماعية إلى مرتبة ثانوية وترك الفئات الهشة لشبكات دينية وجمعياتية.
وتلتقي هذه القراءة معهما، لكنها تحاول الذهاب بالسؤال خطوة أبعد. فالمشكلة ليست فقط خطأً في ترتيب الأولويات يمكن تصحيحه بقرار سياسي، ولا مجرد ضعف في الانتشار داخل الأوساط المتدينة. إنها أيضًا نقص في تصور اليسار للإنسان الذي يريد تمثيله.
لقد امتلك اليسار جهازًا مفاهيميًا دقيقًا نسبيًا لفهم الموقع الطبقي والمصلحة المادية، لكنه لم يمنح المكانة نفسها لحاجة الإنسان إلى المعنى والانتماء والمصدر الأخلاقي الذي يستند إليه في فهم العدل والظلم. ولذلك فإن المراجعة المطلوبة ليست تكتيكية وتنظيمية فحسب، بل فكرية أيضًا.
الإنسان الشعبي ليس مجرد موقع طبقي
ينظر التحليل اليساري التقليدي إلى الإنسان أساسًا من خلال موقعه داخل علاقات الإنتاج: عاملًا أو أجيرًا أو فلاحًا صغيرًا أو عاطلًا عن العمل أو منتميًا إلى طبقة وسطى مهددة بالتفقير. وهذه أدوات ضرورية لفهم المجتمع، لكنها لا تستنفد الإنسان.
فالعامل والمرأة الريفية والشاب العاطل وساكن الحي الشعبي لا يعيشون داخل علاقة اقتصادية فقط. إنهم يعيشون أيضًا داخل أسرة وحيّ وذاكرة ولغة وعادات وشعور بالانتماء ومنظومة أخلاقية ودينية تحدد فهمهم للعدل والظلم، وللرزق والتكافل، وللكرامة والحرية والمعنى.
والهوية هنا لا تختزل في الدين وحده. بل تشمل أيضًا الانتماء إلى الجهة والمدينة والقرية، والذاكرة المحلية، واللغة، والإحساس بالمكانة، والكرامة الرمزية التي يجرحها احتقار المركز للأطراف، أو احتقار النخبة للثقافة الشعبية. قد تطالب جهة بالماء والعمل، لكنها تطالب في الوقت نفسه بالاعتراف وبأن تُعامل بوصفها جزءًا كاملًا من الوطن، لا مجرد ملف تنمية متأخر.
حين لا يجد الإنسان نفسه كاملًا داخل الخطاب السياسي، لا تكفي صحة المطالب الاقتصادية حتى يلتحق بأصحابها. قد يؤيد مطلب الأجر العادل، لكنه لا يمنح ثقته لتنظيم يشعر أنه ينظر إلى جزء أساسي من هويته باعتباره علامة تأخر أو وعيًا ناقصًا.
لقد تحدث اليسار باسم الفئات الشعبية، لكنه خاطبها أحيانًا كما لو أن تحررها يقتضي أولًا تخليها عن جزء من عالمها. لم يقل ذلك دائمًا بصورة معلنة، لكن بعض خطابه وتكوينه النظري وتحالفاته الثقافية أوحت بأن الإنسان يصبح أكثر تقدمًا بقدر ما يبتعد عن الدين، وأن التدين الشعبي أقرب إلى أن يكون خزانًا للإسلام السياسي منه إلى أن يكون مكوّنًا مشروعًا من تكوين المجتمع.
ومن هنا نشأ انفصال خطير: حمل اليسار مطالب الناس، لكنه لم يحمل عالمهم الثقافي والأخلاقي. وترك للإسلاميين الحديث عن الهوية والقيم والتكافل، كما ترك للاتحاد تمثيل الأجراء المنظمين، وللجمعيات توثيق مظالم الفئات الهشة. ثم جاءت الشعبوية فاستولت على مفردات الشعب والسيادة والكرامة والعدالة معًا.
وهكذا لم يحتفظ اليسار باحتكار العدل، ولم يصبح شريكًا مقبولًا في تمثيل الهوية.
ولا يقتصر هذا الاختزال على علاقة اليسار بالدين والهوية، بل يظهر أيضًا في علاقته برجال الأعمال ورأس المال. فقد بنى قسم منه رؤيته على مقابلتين حادّتين: العمل في مواجهة رأس المال، والتقدم في مواجهة الدين. وكما اختُزل المتدين أحيانًا في مشروع إسلامي محتمل، اختُزل رجل الأعمال في مستغِلّ أو ممثل للرأسمالية، من دون تمييز كافٍ بين رأس مال منتج يستثمر ويبتكر ويوفر مواطن الشغل، ورأس مال ريعي أو احتكاري يبني ثروته على الامتيازات والفساد والقرب من السلطة. ولا يعني ذلك إنكار تعارض المصالح أو الاستغلال، بل رفض تحويلهما إلى عداء جوهري دائم يمنع بناء تحالف اجتماعي من أجل التنمية والعدالة.
هل تكفي إزالة كلمة «الشيوعي»؟
تقدم تجربة حزب العمال مثالًا دالًا، دون أن يكون الحزب ممثلًا وحيدًا لليسار التونسي أو المسؤول الوحيد عن أزمته.
كان التخلي عن كلمة «الشيوعي» من اسم «حزب العمال الشيوعي التونسي» خطوة ذات دلالة. فالاسم القديم كان يحمل عبئًا تاريخيًا ورمزيًا ويقيم حاجزًا بين الحزب وقطاعات واسعة من المجتمع. لكن حذف الكلمة لا يجيب وحده عن السؤال الأعمق: هل تغير الاسم فقط، أم تغيرت معه النظرة إلى الدين والهوية والإنسان المتدين؟
يمكن تغيير الاسم بقرار مؤتمر، أما الثقافة السياسية فتحتاج إلى مراجعة فكرية طويلة. والمشكلة لم تكن يومًا في مجرد وجود كلمة «الشيوعي»، بل في المسافة التي فصلت بين التكوين الثقافي لقطاعات من اليسار والعالم الديني والأخلاقي الذي تعيش داخله أغلبية المجتمع.
وقد يُعترض بأن في حزب العمال، كما في غيره من الأحزاب اليسارية، نساء محجبات وأعضاء يصلّون ويصومون. وهذا صحيح، لكنه لا يمس جوهر المسألة. فقبول المتدين فردًا داخل التنظيم لا يعني بالضرورة أن التنظيم راجع علاقته بالدين بوصفه مكوّنًا من هوية المجتمع وموردًا أخلاقيًا يمكن أن يستند إليه النضال من أجل العدل والحرية.
قد يُقبل المؤمن عضوًا كامل الحقوق، فيما يظل إيمانه خارج اللغة الفكرية الشرعية للتنظيم: شأنًا شخصيًا يُتسامح معه، لا مصدرًا ممكنًا للمعنى والتحرر. لذلك لا يتعلق السؤال بحرية العبادة داخل الحزب، بل بقدرة اليسار على رؤية الإنسان المتدين كاملًا، لا مناضلًا تقدميًا رغم تدينه.
ولا ينفرد حزب العمال بهذا المأزق. فاليسار التونسي متعدد، وتختلف داخله المرجعيات والعلاقات بالدين والعروبة والهوية. كما أن في كل عائلة يسارية أفرادًا وتجارب أكثر انفتاحًا من الخطاب الغالب. لكن ذلك لا ينفي وجود توتر ثقافي متكرر بين قسم مؤثر من اليسار وبين الهوية الدينية للمجتمع.
توجس لم ينشأ من فراغ
والإنصاف يقتضي القول إن توجس اليسار من الحركات الدينية لم ينشأ من كراهية ثقافية مجردة، ولا يمكن فهمه خارج التجارب التي تشكل داخلها.
فقد عاشت أجيال من اليساريين صدامات جامعية حادة مع الإسلاميين، وتأثرت بتجربة الثورة الإيرانية ثم بالمأساة الجزائرية، وواجهت خطابًا دينيًا يكفّر خصومه أو يشكك في أخلاقهم ووطنيتهم. وبعد الثورة رأت هذه الأجيال صعود تيارات سلفية معادية للحريات، وعاينت اعتداءات على فنانين ومثقفين ونقابيين ومقرات سياسية.
لذلك كان الخوف من توظيف الدين في الهيمنة السياسية قائمًا على وقائع وتجارب، لا على أوهام محضة. كما أن الدفاع عن مدنية الدولة وحقوق النساء وحرية الضمير لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل معركة ديمقراطية مشروعة.
لكن تفسير نشأة الموقف لا يعني تبرير استمراره بالصورة نفسها، ولا يبرر اختزال الإسلام في الإسلاميين، أو الإسلاميين في أكثر تياراتهم تشددًا، أو تحويل الخوف المشروع من التسلط الديني إلى قطيعة مع العالم الديني كله.
كان على اليسار أن يواجه التوظيف السياسي للدين من داخل المجتمع وهويته، لا من موقع يبدو أحيانًا غريبًا عنهما. وكان عليه أن يميز بين الإسلام بوصفه دين أغلبية التونسيين، والتدين بوصفه تجربة شخصية واجتماعية متعددة، والإسلام السياسي بوصفه عائلة من المشاريع المتباينة، وحركة النهضة بوصفها حزبًا سياسيًا يُحاسب على برامجه وممارساته.
غياب هذا التمييز جعل كل مستوى يُحمَّل أوزار المستوى الآخر.
حين اختُزل الإسلام في النهضة
ازدادت المسافة بين اليسار وقطاعات واسعة من المجتمع بعد الثورة بسبب الاستقطاب الحاد بينه وبين حركة النهضة.
كان الاختلاف بينهما طبيعيًا ومشروعًا. فهناك خلافات جدية حول علاقة الدين بالدولة، والحريات الفردية، وحقوق النساء، والديمقراطية، والسياسات الاقتصادية، والتعامل مع التيارات السلفية، والتحالفات الإقليمية. ومن حق اليسار أن ينقد النهضة بصرامة، كما من حقه أن يعارض أي مشروع يهدد الحريات أو يوظف الدين في الهيمنة السياسية.
لكن الخصومة تجاوزت في مراحل كثيرة حدود المنافسة الديمقراطية إلى استقطاب هوياتي ووجودي. قَدّم جانب من الإسلاميين اليسار بوصفه معاديًا للدين، وقَدّم جانب من اليسار النهضة بوصفها التعبير السياسي عن الخطر الديني كله. واختُزل الإسلام في الإسلام السياسي، واختُزل الإسلام السياسي في النهضة، ثم أصبح المتدين الشعبي موضع ريبة، كأنه إسلامي مؤجل.
وفي المقابل تحولت مقاومة النهضة لدى بعض اليساريين إلى أولوية تتقدم على العدالة الاجتماعية، بل أحيانًا على الديمقراطية نفسها. ودفع هذا الاستقطاب أطرافًا يسارية إلى تقاطعات مع قوى اقتصادية وسياسية أشد عداءً لمصالح الفئات الشعبية من الإسلاميين، ثم إلى التساهل مع المسار السلطوي الذي أزاح النهضة من الحكم.
ولا يمكن فهم عمق هذه القطيعة من دون الاعتراف بأن اليسار دفن قائدين بارزين اغتيلا في ظرف أشهر، وأن الخوف والمرارة اللذين خلّفتهما الجريمتان لم يكونا اختراعًا دعائيًا، بل جرحًا سياسيًا وإنسانيًا عميقًا لم يلتئم.
لكن مشروعية الجرح لا تجعل كل ما بُني عليه صحيحًا. فقد صدرت أحكام في حق متهمين بتنفيذ الاغتيالين والمشاركة فيهما، بينما ظلت ملفات وشبهات أخرى محل نزاع وتقاض. وحتى الآن لم يصدر حكم قضائي يثبت أن حركة النهضة، بوصفها حزبًا، أو قيادتها، أصدرت أمرًا باغتيال شكري بلعيد أو محمد البراهمي. ويزيد المسألة تعقيدًا أن جانبًا من هذه الملفات استمر في ظل منظومة أصبح فيها استقلال القضاء نفسه موضع طعن جدي، فلا يجوز تحويل غياب الإدانة إلى تبرئة سياسية مطلقة، كما لا يجوز تحويل الشبهة والخصومة إلى إدانة جنائية.
لم تكن النهضة بلا مسؤولية عما حدث في العشرية. فقد ارتكبت أخطاء سياسية وحكومية جسيمة، وأسهم بعض خطابها وممارسات بعض المحسوبين عليها في تسميم المناخ العام. لكن المسؤولية السياسية لا تتحول تلقائيًا إلى مسؤولية جنائية، ونقد الإسلاميين لا يبرر تحويل الإسلام نفسه إلى موضوع اشتباه.
لقد احتُجزت تونس بين طرفين يعرّف كل منهما نفسه من خلال الخوف من الآخر: إسلاميون يوحون بأن الدفاع عن الهوية يقتضي الوقوف معهم، ويسار يوحي أحيانًا بأن الدفاع عن الحداثة يقتضي إقصاء الإسلاميين. وبينهما ضاقت مساحة بناء يسار اجتماعي ديمقراطي، متصالح مع الإسلام بوصفه دين المجتمع، ومختلف مع الإسلاميين سياسيًا وفكريًا، لكنه يرفض استئصالهم أو تعليق الديمقراطية للتخلص منهم.
حين جعل اليسار الإسلاميين خصمه الرئيسي، نسي أن خصمه الاجتماعي ليس المتدين، وأن خصمه الديمقراطي لا يُهزم بإلغاء الديمقراطية. فخسر جزءًا من الفئات الشعبية باسم الحداثة، ثم خسر الحداثة نفسها حين تساهل بعضه مع الاستبداد.
هل انتهى زمن الهوية فعلًا؟
يرى حبيب بوعجيلة أن زمن الأيديولوجيات التمامية قد انتهى، وأن المستقبل للانتظام البرنامجي، وأن قيم الهوية والعدل الاجتماعي والوحدة ستتحول إلى مشتركات عامة لا تؤسس، كل واحدة منها منفردة، انتظامًا سياسيًا.
في هذا القول قدر كبير من الصحة. فقد أثبتت التجربة أن الهوية وحدها لا تطعم الناس ولا توفر لهم التعليم والصحة والنقل والعمل، كما أثبتت أن رفع شعارات العدالة أو الوحدة لا يغني عن برنامج حكم قابل للتنفيذ.
لكن انتهاء الحزب الهوياتي لا يعني انتهاء حاجة الإنسان إلى الهوية، كما أن تراجع الإسلاميين انتخابيًا لا يعني أن التدين فقد مكانته في حياة المجتمع.
لا أطالب اليسار بأن يحول الهوية إلى برنامج، أو أن ينافس الإسلاميين على احتكارها، أو أن يتاجر بالدين انتخابيًا. المطلوب أوّلًا أن يكف عن معاداتها أو التوجس من كل تعبير عنها، وأن يزيل بذلك عائقًا ثقافيًا يمنع وصول خطابه الاجتماعي إلى قطاعات واسعة.
لكن الهوية ليست مجرد مانع ينبغي رفعه. فهي أيضًا، بالنسبة إلى المؤمن، أحد منابع المعنى والالتزام الأخلاقي. ويمكن لقيم مثل العدل والكرامة والأمانة والتكافل وحرمة الاستبداد أن تغذّي الانحياز الاجتماعي والديمقراطي، من دون أن تتحول إلى أحكام دينية ملزمة للدولة والمواطنين.
الهوية ليست بديلًا عن البرنامج، ولكن البرنامج الذي يصطدم بهوية الناس يصعب أن يتحول إلى قوة شعبية.
شاهد تونسي قبل المقارنة الأمريكية
لعل الشاهد الأقرب على أهمية هذا البعد ليس حركة النهضة، بل قيس سعيّد نفسه.
فقد استطاع، قبل أن تتحول وعوده إلى منظومة حكم فردية سلطوية، أن يجمع مفردات السيادة والكرامة والعدل ومقاومة الفساد داخل خطاب أخلاقي ذي نبرة دينية واضحة. لم يقدم برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، لكنه خاطب حاجة قطاعات شعبية إلى العدل والمعنى والانتماء في الوقت نفسه.
واستطاع بذلك استقطاب جزء من الفئات التي كان يفترض أن تجد تعبيرها السياسي الطبيعي داخل اليسار. وقد كشف نجاحه أن الفراغ الذي تركه اليسار لم يكن اقتصاديًا وتنظيميًا فقط، بل كان رمزيًا وأخلاقيًا أيضًا.
لم ينتصر قيس سعيّد لأن مشروعه كان أكثر عدلًا أو قدرة على الحكم، بل لأنه نجح في لحظة معينة في احتلال المساحة التي تركها الآخرون فارغة: مساحة الربط بين الغضب الاجتماعي والنقاء الأخلاقي المزعوم، وبين السيادة والكرامة والانتماء.
وحين لا يقدم اليسار هذا الربط داخل مشروع ديمقراطي ومؤسساتي، يمكن للشعبوية أن تستعمله لبناء سلطة فردية.
ماذا تفيد المقارنة الأمريكية؟
أقيم في كندا منذ ثمانية وعشرين عامًا، ولا أدّعي أن المسافة تمنح صاحبها صوابًا إضافيًا أو أن تجارب المجتمعات الغربية قابلة للنقل إلى تونس. لكنها أتاحت لي معاينة فضاء سياسي تعددي يستطيع فيه المؤمن وغير المؤمن، وأصحاب الانتماءات الدينية والثقافية المختلفة، الالتقاء داخل مشروع اجتماعي وديمقراطي مشترك، من دون أن يُطلب من أي منهم التخلي عن هويته، ومن دون أن تتحول تلك الهوية إلى برنامج للدولة.
ومع ذلك تبدو المقارنة مع اليسار التقدمي الأمريكي، لأول وهلة، غير متكافئة. فالإسلام في الولايات المتحدة هوية أقلية تعرضت للتمييز، ولذلك يسهل إدراج المسلمين داخل ائتلاف تقدمي يدافع عن الأقليات والمهاجرين. أما في تونس فالإسلام دين الأغلبية والمرجعية الرمزية للحركة السياسية التي نافست اليسار على السلطة والمجتمع.
لا تسمح هذه الفوارق باستنساخ التجربة الأمريكية أو اتخاذها دليلًا مباشرًا على ما ينبغي فعله في تونس. لكنها تجعل المقارنة مفيدة في مستوى آخر: مفهوم العلمانية وطبيعة الانتماء إلى اليسار.
ولم يقتصر هذا الانفتاح على المسلمين أو على أتباع ديانات الأقليات. فالدين نفسه لم يُعامل داخل اليسار الأمريكي كله بوصفه نقيضًا للتقدم. وقد كان للكنائس السوداء ورجال ونساء الدين المسيحيين دور مركزي في حركة الحقوق المدنية والنضال ضد العنصرية والفقر، وما تزال تيارات مسيحية واسعة وقيادات دينية تنشط من مواقع تقدمية في قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والمهاجرين ومقاومة التمييز. كما توجد داخل اليهودية وغيرها من الديانات تيارات تصل بين إيمانها والانحياز إلى القضايا الاجتماعية. فالتدين هنا ليس علامة سياسية حصرية لليمين المحافظ، بل مجال تتنافس داخله رؤى محافظة وأخرى تحررية واجتماعية.
وفي السياق نفسه، برزت داخل المجال التقدمي الأمريكي شخصيات مسلمة معلنة الانتماء الديني، مثل إلهان عمر، وزهران ممداني، وعبد الرحمن «عبدول» السيد. ولا تحتل هذه الشخصيات الموقع التنظيمي نفسه؛ فممداني اشتراكي ديمقراطي، بينما تنتمي إلهان عمر وعبدول السيد، بدرجات مختلفة، إلى الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي. لكنهم جميعًا يكشفون إمكان الجمع بين هوية دينية معلنة وبرنامج سياسي تقدمي.
لم يتوجس قادة اليسار منهم خيفة، ولم يطلب منهم أن يخفوا إسلامهم حتى يصبحوا مقبولين داخل اليسار، كما لم يجعلوا إسلامهم برنامجًا دينيًا للدولة. وقد قدم ممداني خصوصًا نموذجًا دالًا: سياسي مسلم لا يعتذر عن هويته، واشتراكي ديمقراطي يبني خطابه على الإيجار والنقل والحضانة والأسعار والخدمات والضرائب.
والدرس الذي يمكن أخذه ليس أن يقلد اليسار التونسي ممداني أو أن يستورد النموذج الأمريكي، بل أن الاتفاق السياسي لا يشترط وحدة فلسفية، وأن الدولة المدنية لا تستوجب علمانية ثقافية تصنف الناس بحسب قربهم من الدين أو ابتعادهم عنه.
هل تكفي المراجعات المطروحة؟
على ضوء ذلك يمكن العودة إلى المقاربات التي قدمتها النصوص الأخيرة.
المحاسبة التي يدعو إليها حمّة الهمامي ضرورية، لكنها تتحول إلى محكمة للماضي إذا لم تشمل مراجعة الذات والثقافة السياسية التي منعت المواقف الصحيحة من التحول إلى قوة شعبية.
والمنظمة المحترفة التي يقترحها أيمن العلوي ضرورية، لكنها قد تصبح جهازًا أكثر كفاءة في إعادة إنتاج الاغتراب نفسه إذا لم تغير تصورها للإنسان وعلاقتها بالمجتمع.
والانتقال من الأيديولوجيا إلى البرنامج الذي يثمنه حبيب بوعجيلة ضروري، لكن الإنسان لا يعيش بالمطالب المادية وحدها. بل يحتاج أيضًا إلى الانتماء والمعنى والاعتراف.
والديمقراطية الاجتماعية التي يدعو إليها طارق الكحلاوي تقدم أفقًا سياسيًا واقعيًا، لكنها لا تصبح شعبية تلقائيًا إذا ظلت تعبيرًا ثقافيًا عن نخبة حداثية منفصلة عن وجدان المجتمع.
أما الفصل بين الحزب والاتحاد والجمعيات، وبناء نموذج سوق اجتماعي تنموي، كما يقترح فوزي بن عبد الرحمن، فهما ضروريان أيضًا، لكنهما لا يملآن الفراغ الاجتماعي والثقافي إذا لم تتغير علاقة اليسار بالمجتمع الذي يريد تمثيله.
إن المقاربات الخمس تقدم أجزاء أساسية من الجواب، لكن جمعها في مشروع جديد يحتاج إلى حلقة إضافية، أدافع عنها: مصالحة ديمقراطية بين العدل والهوية.
نحو يسار ديمقراطي اجتماعي متصالح مع الهوية
لا تعني هذه المصالحة إنشاء (أو إعادة تأسيس) “يسار إسلامي”، ولا إضافة آيات وشعارات إسلامية إلى برنامج ماركسي، ولا منافسة الإسلاميين في الوعظ والرموز، ولا منح رجال الدين سلطة على الدولة والمجتمع.
ولا تعني التراجع عن الدولة المدنية أو المساواة أو الحريات الفردية وحقوق النساء وحرية الضمير. فهذه ليست تنازلات ثقافية، بل أسس لا تقوم الديمقراطية من دونها.
المطلوب يسار ديمقراطي اجتماعي يفصل بين الدولة والعقيدة، لكنه لا يفصل المجتمع عن ذاكرته. يسار يفتح أبوابه للمؤمن وغير المؤمن على قدم المساواة، من دون أن يجعل الموقف من الدين مقياسًا للتقدمية.
يمكن أن يجتمع في هذا اليسار مسلم يستمد انحيازه إلى الفقراء من إيمانه، وعلماني يستمده من فلسفة إنسانية، وماركسي يفسره بعلاقات الإنتاج، وقومي يربطه بالتحرر والسيادة، ونسوي ينطلق من المساواة، ونقابي ينطلق من حقوق العمل.
ولا يحتاج هؤلاء إلى الاتفاق على تفسير نهائي للإنسان والتاريخ، بل إلى الاتفاق على دولة ديمقراطية مدنية، ومواطنة متساوية، وعدالة اجتماعية، وحريات مضمونة، وتداول على السلطة، وبرنامج حكم قابل للتنفيذ.
ويحتاج هذا اليسار إلى منظمة حديثة وديمقراطية، لكن أيضًا إلى ثقافة سياسية جديدة. منظمة لا تنتظر من المجتمع أن يأتي إليها بعد أن يتبنى معجمها، بل تذهب إليه وتتعلم لغته وتفهم مصادر معناه. ولا تتعامل مع الأحياء والمساجد والجمعيات والروابط المحلية باعتبارها فضاءات يسيطر عليها الخصم أو تفرّخ الظلامية، بل باعتبارها جزءًا من المجتمع الذي ينبغي التواصل معه من دون توظيف ديني أو وصاية ثقافية.
كما يحتاج إلى برنامج اقتصادي اجتماعي تنموي يخرج من عموميات القطيعة ومن شعار «مزيد من الدولة» إلى أسئلة الحكم الفعلية: كيف تُفكك منظومات الريع؟ كيف تصل الحماية الاجتماعية إلى العاملين في الاقتصاد غير المنظم؟ كيف تُصلح المؤسسات العمومية من دون بيعها أو تركها للفساد؟ كيف تموّل الصحة والتعليم والنقل؟ وكيف تتحول العدالة الجبائية والتنمية الجهوية والأمن الغذائي إلى سياسات وأرقام وآجال ومسؤوليات؟
ويقتضي ذلك أيضًا بناء علاقة جديدة مع رجال الأعمال والمؤسسة الخاصة، لا تقوم على التبعية لرأس المال ولا على معاداته من حيث المبدأ. فالديمقراطية الاجتماعية لا تعادي السوق ولا الملكية الخاصة ولا الربح المشروع، وإنما تميّز بين الاستثمار المنتج والريع، وبين المنافسة والاحتكار، وبين المؤسسة التي تخلق الثروة والشغل وتدفع الضرائب، وتلك التي تراكم الامتيازات عبر الفساد والقرب من السلطة. كما تبحث عن توازن عملي بين حقوق العامل في الأجر والحماية والكرامة، وحق المؤسسة في الاستمرار والاستثمار والنمو.
فالناس لا تمنح ثقتها لفكرة لأنها صحيحة نظريًا، بل حين تراها قادرة على تحسين حياتها وحماية كرامتها، من دون أن تطلب منها التنكر لهويتها.
من تمثيل المطالب إلى تمثيل الإنسان
أزمة اليسار التونسي، إذن، مركّبة: أزمة مرجعية وتنظيم وبرنامج وديمقراطية وتمثيل اجتماعي وعلاقة بالاتحاد والمجتمع المدني. ولا يجوز اختزالها في موقفه من الدين وحده. لكن هذه الأزمات تتضاعف حين يعجز اليسار عن رؤية الإنسان التونسي في تمام تكوينه الاجتماعي والثقافي.
لن يكفي اليسار أن يغيّر أسماء أحزابه أو يخفف شعاراته الثورية. ولن يكفيه أن يثبت أن مواقفه السابقة كانت صحيحة، أو أن خصومه فشلوا في الحكم. كما لن تنقذه وحدة فوقية جديدة تجمع التنظيمات القديمة داخل إطار جديد.
إنه يحتاج إلى بداية فكرية وسياسية مختلفة: أن ينتقل من حزب يعرف مسبقًا ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع إلى حزب يتعلم من المجتمع ويعمل داخله؛ ومن تمثيل طبقات متخيلة في النصوص إلى تنظيم بشر حقيقيين في حياتهم اليومية؛ ومن علمانية ثقافية تصنف الناس إلى تقدميين ومتخلفين إلى دولة مدنية تحمي حرية الجميع؛ ومن خصومة وجودية مع الإسلاميين إلى منافسة ديمقراطية تكشف اختلاف البرامج والمصالح؛ ومن خطاب عن العدالة إلى قدرة فعلية على تحقيقها.
لا يصبح اليسار شعبيًا بمجرد أن يتحدث عن الشعب، ولا يصبح ممثلًا للفقراء بمجرد أن يرفع مطالبهم. يصبح كذلك حين يرى الناس أنفسهم فيه كاملين: في حاجتهم إلى الخبز والحرية، وفي طلبهم للعدل والكرامة، وفي ذاكرتهم وانتمائهم وإيمانهم.
وحين يعيد وصل ما انفصل — العدل بالهوية، والحرية بالانتماء، والبرنامج بالإنسان — يمكنه أن ينتقل من جماعات تدافع عن صحة ماضيها إلى قوة ديمقراطية اجتماعية تنافس فعلًا على مستقبل تونس.