في حوار مطوّل عرّف فيه بالموسوعة العربية الشاملة أرابيكا، التي يطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات موقعها المستقل مطلع عام 2027، قدّم عزمي بشارة تصورا متماسكا لمشروع نهضوي يريد أن يضع بين يدي القارئ العربي متنا معرفيا مفحوصا، مصاغا بلغته ومن منظوره، في زمن تشظّي المعلومات وما بعد الحقيقة. التصور جدير بالاحترام، والرجل صريح في كلفته الشخصية وفي تردده الطويل قبل الشروع فيه. ولهذا السبب بالذات يستحق المشروع نقدا جادا لا مجاملة، لأن ما يُبنى ليستمر عقودا ينبغي أن يُختبر في أساساته قبل أن يعلو البنيان. وأكثر ما سأعرضه نقد داخلي ينطلق من مقدمات بشارة نفسها ليسأل عمّا إذا كانت البنية التي اختارها تحقق الوعد الذي يعلنه، ولا سيما وعد مخاطبة الآلة.
ما الذي وعد به المشروع
يمكن اختزال وعد أرابيكا في أربع دعاوى. الأولى أنها شاملة، تغطي مجمل المعارف الإنسانية بالعربية انطلاقا من شجرة معرفية تقارب ستين ألف مدخل جذعي. الثانية أنها مفحوصة، بدائرتين للتحرير العلمي والموسوعي، ودائرة للتحكيم، ومراحل متعددة من المراجعة، وكاتب يوقّع باسمه ويتحمل مسؤولية ما كتب. الثالثة أنها ذات شخصية، موضوعية في نقل الحقائق لكنها غير محايدة في المنظور، تنظر إلى الاستعمار بعين المستعمَر وتخصص هيئة تحرير للبلدان العربية. والرابعة، وهي الأكثر طموحا، أنها موجّهة نحو الآلة، أي أنها تريد أن تكون المتن الذي تستند إليه محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي حين تُسأل بالعربية. والرابع يفرض متطلبات لا تُختزل في جودة المقالة: طريقة إنتاج قابلة للتوسع، وترخيص لإعادة الاستخدام، وبنية بيانات قابلة للمعالجة الآلية، وآلية تحديث. وهنا تقع المسافة الأهم بين الرؤية المعلنة والتصميم الظاهر حتى الآن.
مفارقة التوقيت: مشروع وُلد عند عتبة التحول
يذكر بشارة أن الجلسات الأولى انعقدت قبل ثلاث سنوات، وأن هذه السنوات استُهلكت في بناء البنية التحريرية. هذا يضع ميلاد أرابيكا في أوائل 2023، في الأشهر التي تلت الانتشار الجماهيري لنماذج المحادثة الكبيرة، وهذه التفصيلة الزمنية هي في تقديري مفتاح الخيارات التصميمية كلها.
في مطلع 2023 كانت النماذج اللغوية في العربية ضعيفة، وكانت الهلوسة وضعف الإسناد عيبين ظاهرين لا سبيل إلى ضبطهما. وكان ما يُعرف اليوم بالذكاء الاصطناعي المستند إلى المصادر (Grounded AI)، أي تقييد النموذج بمجموعة مصادر معتمدة وإلزامه بأن يكتب منها ويُسند إليها بدل أن يكتب من ذاكرته العامة، فكرة بحثية منشورة منذ 2020 لكنها لم تكن قد بلغت بعد النضج وسهولة الدمج والقدرة العربية التي بلغتها لاحقا. ولم يكن قد استقر بعد ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي المحكوم (Governed AI)، أي الخاضع لضوابط وإشراف بشري يحددان ما يجوز له إنتاجه وما يجب أن يُراجَع منه قبل اعتماده. في تلك اللحظة كان القرار العقلاني لمن يريد متنا مفحوصا أن يبني على التأليف البشري وأن يحصّن المشروع من الآلة لا أن يبنيه عليها. ومن هنا تُفهم النبرة الدفاعية في موقف بشارة: نحن مع الاستخدامات المشروعة، لكننا ضد أن يؤلّف الذكاء الاصطناعي عنك. الآلة في هذا التصور خصم يُراقب لا شريك يُوظّف.
المشكلة ليست أن قرار 2023 كان خاطئا، بل أن القرار العقلاني في لحظته يتحول إلى قيد إذا عومل بوصفه نهائيا. فقد أُنفقت السنوات الثلاث في تشييد بنية مصممة بكاملها حول التأليف البشري، استكتابا فتحكيما فتحريرا فتوقيعا، والبنى المؤسسية تكتسب قصورا ذاتيا: شبكات وعقود وأدوار صُممت على افتراض أن الإنسان يكتب من الصفحة البيضاء وأن الآلة لا تفعل سوى استهلاك ما كتب. والمفارقة أن مشروعا يعلن أنه موجّه نحو الآلة صُمّم قبل أن يتضح ما الذي تحتاجه الآلة، ولا يظهر في الحوار أنه خضع لمراجعة تقنية في ضوء ما تغير.
ماذا لو انطلق المشروع في 2027؟
لو أن الفريق نفسه، بالخبرة نفسها والرؤية نفسها، جلس إلى جلساته الأولى في 2027 بدل 2023، هل كان سيتخذ القرارات نفسها؟ أغلب الظن أنه لم يكن ليفعل. فالذكاء الاصطناعي المستند إلى المصادر صار قادرا على استخراج الوقائع من متن محدد سلفا، واقتراح هيكل أولي، وجمع الإحالات، وكشف التكرار والفجوات، وإنتاج مسودة قابلة للفحص بإسناد صريح إلى مصادرها. وليس المقصود أن يكتب النموذج من ذاكرته العامة، فتلك هي الهلوسة التي يحق لبشارة أن يحذر منها، بل أن يُقيّد بمكتبة المركز العربي نفسها: عقدان من الدراسات المحكّمة، ومعجم الدوحة التاريخي، والمسرد الرباعي اللغات الذي يضم ما بين عشرين وثلاثين ألف مصطلح. عندئذ تكون المسودة الأولى مستخرجة من المتن العربي المفحوص لا من ويكيبيديا الإنجليزية، ويكون المنظور الذي يريده بشارة مضمونا في المصدر لا مطلوبا من المؤلف.
وهنا أكبر فرصة أهدرها التصميم الحالي. ميزة أرابيكا ليست امتلاك نموذج لغوي، فالنماذج متاحة للجميع، بل هيئتا تحرير ودائرة تحكيم وشبكة من مئات المتخصصين، وهي أصول لا تعوَّض، يُصرف جهدها اليوم في الصياغة والانتظار والمراسلة والتحكيم لمقالات تُكتب من الصفر. لو أُعيد توزيع العمل بحيث تُنتج الآلة المقيَّدة بمصادرها المسودة ويتفرغ المتخصصون للتحقق والتصويب والإضافة النوعية، وهذا هو بالضبط معنى الذكاء الاصطناعي المحكوم، آلة تصوغ وبشر يحكمون على ما صاغت، لصُرف وقت الخبير حيث قيمته الحدّية أعلى: اختيار المصادر، وتمييز الخلاف من الخطأ، وكشف ما أغفلته المسودة، وتحمل المسؤولية النهائية. والفارق في الزمن والكلفة كبير على الأرجح، وإن كان مقداره الدقيق مما يُقاس لا مما يُفترض.
لكن النزاهة تقتضي أن نعرض ما يمكن أن يرد به بشارة، وبعض ردوده وجيه.
الرد الأول أن الموسوعة لا تريد تجميعا بل إسهاما نوعيا يجعل المدخل مرجعا يُقتبس، والآلة تجمع وتلخص لكنها لا تجتهد. وهذا صحيح في المداخل المفهومية التي يكتبها بشارة نفسه، مثل الأيديولوجيا والقومية، حيث القيمة في التركيب النظري. غير أن هذه المداخل قلة في شجرة من ستين ألف مدخل أغلبها أعلام وأماكن وأحداث ونظريات ومصطلحات، وهي المادة التي تكون فيها المسودة الآلية المقيَّدة بالمصادر عونا حقيقيا للمتخصص. فالرد لا يبطل الطرح بل يحدد نطاقه: مسار للمداخل الاجتهادية يُكتب بشريا، ومسار للمداخل الوصفية تُعدّ مسودته آليا ويتحقق متخصص من كل دعوى وإسناد فيها. واللافت أن بذرة هذا التمييز موجودة في المشروع: فالموقع التجريبي يضم، إلى جانب المداخل الموقّعة، إنتاجات لفريق التحرير، وبشارة نفسه يحدد أن المداخل الطويلة والمتوسطة هي الموقّعة بأسماء كتّابها. المطلوب إذن ليس اختراع المسارين بل تحويل تمييز قائم إلى سياسة إنتاج معلنة تُقاس نتائجها.
الرد الثاني أن التوقيع هو جوهر الفارق مع ويكيبيديا، ولا معنى لتوقيع على نص كتبته آلة. وهذا يُحلّ بتعديل نموذج المسؤولية لا بالتخلي عن الآلة: يوقّع المتخصص بصفته محررا علميا ومحققا لا مؤلفا، مع الإفصاح عن دور الأدوات وحفظ سجل بالمصادر والتحولات التي مر بها النص، فتبقى المسؤولية باسم شخص كما يريد بشارة، بل يصير النموذج أكثر انسجاما مع منطق التحكيم الذي يعتز به، لأن الخبرة تنصرف إلى ما تمتاز به، وهو الحكم على صحة الشيء لا إنشاؤه.
الرد الثالث، وهو الأقوى، أن المراجعة ليست مجانية، وأن المسودة السلسة قد تولّد لدى المراجع انحيازا إلى القبول فيصبح التصحيح أحيانا أشق من الكتابة من الصفر، وأن الأنظمة المعززة بالاسترجاع قد تسترجع مصدرا غير مناسب أو تورد إحالة صحيحة الشكل لا تسند الادعاء. كل هذا صحيح وموثق، ولذلك فالوفر الحقيقي مشروط ببروتوكول مراجعة يفترض الخطأ ويُلزم بالتحقق من كل إسناد، ولا ينبغي أن يُفترض بل يُقاس: تجربة مضبوطة تقارن، داخل كل نوع من المداخل، بين زمن التأليف التقليدي وزمن المسودة المساعدة وعدد الأخطاء التي تنجو من المراجعة. عندئذ يتحول الوعد التقني إلى قرار مؤسسي مستند إلى بيانات، وهو ما يملك المركز بخبرته البحثية القدرة على إجرائه أكثر من أي جهة أخرى.
الرد الرابع فلسفي: الذكاء الاصطناعي لا ينتج معرفة، فكيف نبني عليه موسوعة؟ وهو صحيح في مقدمته خاطئ في نتيجته. فالموسوعة بتعريف بشارة نفسه ليست إنتاجا للمعرفة بل حصاد لها وتنظيم، وهذا بالضبط ما تجيده الآلة المستندة إلى المصادر وما يستهلك من المتخصص وقتا لا يتناسب مع قيمته. الخلط هنا بين إنتاج المعرفة وإنتاج المدخل الموسوعي، والثاني عمل صياغة أكثر منه عمل اكتشاف.
ما وراء أرابيكا: حين يتضاعف التأخر
ما يجعل حالة أرابيكا جديرة بالتوقف ليس أنها مشروع واحد أخطأ التوقيت، بل أنها نموذج لكيفية تأخر النخبة العربية في زمن تغيّرت فيه طبيعة التأخر نفسها. الفجوة المعرفية القديمة كانت جمعية: من تأخر عقدين في بناء موسوعة يمكنه نظريا أن يلحق في عقدين، لأن أدوات الإنتاج ثابتة عند الطرفين. أما اليوم فأدوات الإنتاج نفسها تتسارع. من يملك متنا مفحوصا مرخّصا ومهيكلا يجعل الآلة تضاعف إنتاجه كل عام، ومن لا يملكه يبقى ينتج بالوتيرة البشرية، فالمسافة بين الطرفين لا تبقى ثابتة بل تتضاعف، والتأخر الذي كان يُحسب بالسنوات والعقود صار يُحسب بالأجيال.
ثم إن الفجوة تعيد إنتاج نفسها. النماذج تتعلم مما هو موجود، وما هو موجود بالعربية اليوم أغلبه ترجمة رديئة لما كُتب بغيرها، فكل سنة تأخر هي سنة تُكتب فيها الطبقة المعرفية العربية داخل الآلة بأيدي غيرنا، ويصير تصحيحها أصعب لأنها تثبّت نفسها في كل دورة تدريب. والأخطر أن التأخر هنا ليس تأخر موارد بل تأخر تصور. فبشارة من أكثر المثقفين العرب انفتاحا على الآلة، وهو أسبق من كثيرين في التوجه إليها، ومع ذلك ما زال موقفه منها دفاعيا يراها خصما للتأليف يُراقب لا شريكا يُوظّف. وإذا كان هذا موقف الطليعة فما بالك بالقاعدة. المفارقة أن النخبة التي تتأخر في التبني هي نفسها التي ستحكم على ما تنتجه الآلة، فيعني تأخرها أن تُحاكم المستقبل بمعايير الماضي. والمشكلة ليست في غياب الآلة عن مشاريعنا، بل في حضورها الجزئي الدفاعي الذي يأخذ منها أقل ما تعطيه ويحرس منها أكثر مما تهدده.
مفارقة الآلة: الولوج ليس ترخيصا
وحتى لو تجاوزنا سؤال الإنتاج، يبقى سؤال الاستهلاك: هل صُممت أرابيكا فعلا لتستهلكها الآلة؟
بشارة محق في تشخيصه أن الذكاء الاصطناعي يتغذى على معرفة قائمة، وأن السؤال هو بأي معرفة تزوّده الأمة العربية. لكن الحوار يخلط، كما يخلط أغلب النقاش العربي، بين ثلاث عمليات مختلفة: أن يفهرس محرك البحث صفحات أرابيكا، وأن يسترجعها نظام ذكاء اصطناعي لحظة الإجابة، وأن تدخل نصوصها في التدريب المسبق لنموذج جديد. ما أسعد بشارة حين وجد مقاله عن القومية يظهر بعد ويكيبيديا هو الثانية: استرجاع حي، لا موقع في أوزان النموذج. والاسترجاع الحي لا ينتظر دورة تدريب، لكنه يتطلب ما لم يُعلن المشروع عنه بعد: وصولا تقنيا مستقرا وواجهات برمجية وآليات إسناد. أما الدخول في التدريب فيحكمه الحجم والترخيص قبل المستوى، وويكيبيديا لم تهيمن على بيانات التدريب لأنها الأدق بل لأنها الأضخم والأكثر إباحة قانونيا.
ومن هنا فسؤال الترخيص ليس تفصيلا قانونيا لاحقا. يعلن المشروع أن الموسوعة متاحة بولوج مفتوح، لكن الولوج المجاني للقارئ لا يساوي ترخيصا لإعادة النسخ والتوزيع والاشتقاق وبناء مجموعات البيانات، ولم يُعلن المشروع حتى الآن رخصة من هذا النوع، بل إن الموقع التجريبي، وفق ما يظهر في تذييله، يحتفظ بجميع الحقوق. صحيح أن الترخيص المفتوح ليس شرطا تقنيا للظهور في البحث أو الاسترجاع، لكنه يمنح مطوري النماذج والباحثين والجامعات إذنا واضحا بإعادة الاستخدام، ويضمن بقاء المحتوى قابلا للتداول إذا تغيرت سياسات المؤسسة أو تمويلها. رخصة واضحة بشرط نسبة المحتوى إلى أصحابه تخدم الانتشار والاستمرارية والمساءلة معا.
من موسوعة تُقرأ إلى بنية تُستعلم
المدخل في أرابيكا موجز يليه نص مطوّل كثيف التوثيق، وهو تصميم جيد للقارئ البشري. لكن البنية التي تخاطب الآلة فعلا هي البنية المهيكلة: معرّفات ثابتة للكيانات، وعلاقات صريحة بين المفاهيم والأعلام والأحداث قابلة للاستعلام لا للقراءة فحسب، وإصدارات، وربط بمعرّفات عالمية، وبيان تقرؤه الآلة عن المؤلف والمراجع والترخيص. تحدث بشارة عن شجرة معرفية وخريطة للعلاقات، لكن الحوار لا يكفي للحكم بأن المشروع يملك رسما معرفيا تحت طبقة النص أو يفتقر إليه، فالأدق ألا نتهمه بغياب ما لم يكشف عنه بل أن نسأله علنا: هل الشجرة أداة تحرير داخلية فحسب أم ستُنشر بوصفها بيانات مترابطة؟ هل لكل مفهوم وكيان معرّف دائم؟ هل توجد واجهة برمجية أو ملفات قابلة للتنزيل؟ وهل يحتفظ النظام بتاريخ التعديلات والإسنادات على مستوى الدعوى لا المقالة فقط؟ الجواب عن هذه الأسئلة، لا مجرد ظهور المدخل في محرك البحث، هو الذي يبيّن الفارق بين موسوعة تُقرأ وموسوعة تُستعلم.
الحجم والحوافز
بأرقام بشارة نفسه: الشجرة الجذعية ستون ألف مدخل، والمعدل المطلوب عشرة آلاف في السنة شبه مستحيل باعترافه، والرصيد الحالي نحو 1500 مدخل. وقد تتسارع الوتيرة بعد الإطلاق، لكن التغطية الجذعية وحدها، أي المفاهيم العامة دون تفريعاتها، تحتاج عقدا في أفضل الأحوال، وسؤال المعنى يسبق سؤال الصبر: موسوعة تغطي الجذوع دون الفروع لا تؤدي الوظيفة التي وُضعت لأجلها، وفي المسافة الفاصلة بين الجذع والفرع تبقى ويكيبيديا هي المرجع الفعلي، وتبقى الآلة تتغذى منها.
ويتصل بالحجم توتر واضح بين تشخيص بشارة وحلّه في مسألة الحوافز. هو يقول إن ضعف ويكيبيديا العربية ليس عيبا في النموذج التشاركي بل انعكاس لضعف الشعور بالمسؤولية العمومية لدى النخبة العربية، ثم يقترح علاجا يقوم على استقطاب هذه النخبة نفسها للكتابة تطوعا في مسار تحكيم ثقيل مقابل مكسب معنوي هو أن يصير الكاتب مرجعا. فإذا كانت العلة بنيوية في اقتصاد الحوافز الأكاديمي، حيث لا يُحتسب المدخل الموسوعي في الترقية، فما الذي يجعل النداء الأخلاقي ينجح في أرابيكا بعد أن فشل في ويكيبيديا؟ المشروع يعالج مشكلة الجودة بمعمار تحريري متين، لكنه يترك مشكلة العرض دون جواب مؤسسي. وهنا يعود الطرح السابق: حين يُختزل دور المتخصص إلى مراجعة مسودة جاهزة بدل تأليف من الصفر، تنخفض كلفة المشاركة إلى الحد الذي يصبح فيه النداء الأخلاقي كافيا.
موضوعي لا محايد: مبدأ ليس معيارا
الصيغة التي اختارها بشارة لمشكلة الانحياز، أن تكون الموسوعة موضوعية لا محايدة، صياغة أنيقة وصادقة، وأفضل من ادعاء حياد مطلق لا وجود له. لكنها تظل مبدأ لا معيارا، ولا يُستخرج منها خط إجرائي يفصل بين المنظور المشروع والأيديولوجيا المرفوضة، والإحالة إلى دليل التحرير والاجتماعات الأسبوعية إقرار ضمني بأن الخط يُرسم حالة بحالة.
ومشكلتها الحادة ليست في العلاقة بالغرب، حيث منظور المستعمَر واضح ومتماسك، بل في العلاقة بالداخل. عبارة منظور هذه البلاد تفترض وحدة منظور بين ثلاثمائة مليون، بينما الانقسامات التي ستكتب عنها الموسوعة هي نفسها موضع النزاع: الثورات العربية ومآلاتها، الإسلام السياسي ومحنته ومسؤوليته، العلاقة بين الديني والسياسي، الأنظمة الخليجية، سوريا وليبيا والسودان واليمن. هيئة تحرير البلدان العربية ستجد في كل قطر روايتين متخاصمتين على الأقل، والاحتمال الجاد أن ينجح المشروع في تفادي المركزية الأوروبية ليستقر في مركزية قومية عربية ديمقراطية بعينها، وهي مدرسة محترمة لكنها مدرسة. وليس في هذا عيب لو أُعلن، فكل موسوعة بنت مدرسة، والحل ليس إخفاء المدرسة بل جعلها قابلة للفحص: التمييز داخل المدخل بين الوقائع المتفق عليها والتفسيرات المتنازعة، ونشر قواعد التصحيح والاعتراض. العيب أن تُقدَّم المدرسة بوصفها الموضوعية.
ويبرز من هنا سؤال حوكمة مشروع: أن يكتب المدير العام للمركز بنفسه المداخل المفهومية الأكثر إشكالا، من القومية إلى الصهيونية إلى الأيديولوجيا. هذا مفهوم من جهة أنه من كبار المشتغلين عليها، ويشبه ما فعله فولتير وروسو في الموسوعة الفرنسية التي يستشهد بها. لكن من يحكّم مقالات صاحب القرار الإداري والمالي؟ وهل يستطيع محرر شاب أن يردّ مدخلا لعزمي بشارة كما يردّ مدخلا لغيره؟ التحكيم الأعمى لا يكون أعمى حين يكون الأسلوب معروفا والموضوع مقترنا بصاحبه. ليست المسألة تشكيكا في نزاهته، بل حماية للمحرر وللمؤلف معا من تفاوت السلطة داخل المؤسسة، والحل المعروف هو إخضاع مداخل القيادة لتحكيم خارجي معلَن المعايير.
المصير الذي شخّصه في غيره
يفسّر بشارة إخفاق المحاولات السابقة بأن الدولة في بلادنا غير متمايزة عن نظام الحكم، فإذا تغيّر النظام تغيّرت الأولويات وانقطع المشروع، ويشير صراحة إلى الانحيازات الأيديولوجية في الموسوعة السورية وإلى انقطاع التجربة المصرية. لكن أرابيكا تقوم بدورها على احتضان سيادي، والجواب الذي يقدمه، وهو أننا نبني مؤسسات تستمر بعدنا، جواب عن سؤال الخلافة الشخصية لا عن سؤال التمويل. فما الذي يحصّن المشروع بنيويا من المصير الذي شخّصه في غيره؟ وما حدود الموضوعية حين يصل الأمر إلى مداخل تمسّ الممول أو تحالفاته أو خصومه؟ وعيه بالحرج ظاهر في تشديده على أنها ليست موسوعة قطرية، لكن التشديد ليس ضمانة. الضمانات الممكنة معروفة: وقف مستقل أو تمويل متعدد المصادر لا تصرفه ميزانية سنوية، ومجلس أمناء متعدد المرجعيات، وميثاق تحرير منشور، وترخيص مفتوح يجعل الرصيد المنشور غير قابل للاختفاء إذا تغيرت الأولويات. وهذا الأخير يلتقي مرة أخرى مع شرط الآلة، فالترخيص المفتوح هو في آن واحد ضمانة الاستمرار وضمانة الحضور في النماذج.
ثلاثة أسئلة أصغر
يبقى سؤال الكلفة البديلة: هل كان استثمار هذه الموارد في رفع مستوى ويكيبيديا العربية، المقروءة فعلا والمُدرجة أصلا في بيانات النماذج، أجدى من بناء متن جديد من الصفر؟ الجواب الأمين أن الإحلال غير ممكن، فويكيبيديا تحكمها قواعد الحياد والتوافق ومنع البحث الأصلي، ولا تستوعب مقالات مرجعية موقّعة ذات منظور معلن. لكن التكامل ممكن ومهمل: أن تنشر أرابيكا محتواها الموثق بترخيص يسمح بالاقتباس وإعادة الاستخدام، فتستفيد منه ويكيبيديا العربية والنماذج معا، من دون أن تتنازل أرابيكا عن نموذجها التحريري. وسؤال الجنس الأدبي: الكتابة شبه البحثية كثيفة التوثيق، التي يعدّها بشارة ميزة، قد تخرج بالمدخل من جنسه الموسوعي إلى جنس المقالة الموقعة فيصير رأي صاحبه ويستعصي على التحديث، والموسوعات الموقعة الكبرى لم تخسر أمام النموذج التشاركي لضعف جودتها بل لتعذّر تحديثها، وهو ما يجعل نموذج المراجع الموقّع أصلح للتحديث من نموذج المؤلف الموقّع. وسؤال المصطلح: توحيد المصطلحات، الذي يقرّ بشارة بأن فيه قدرا من التعسف، سلطة معجمية من مركز واحد، وتاريخ المجامع يشهد أن الفرض المعجمي نادرا ما ينفذ إلى الاستعمال. ما ينفذ هو ما يشيع، وما يشيع اليوم هو ما تردده الآلة، فالمسرد الرباعي اللغات لن يوحّد المصطلح بنشره في المداخل بل بجعله المتن الذي تُقيَّد به النماذج حين تترجم.
ما يصمد من المشروع
حتى لا يكون النقد في غير موضعه، ثمة مواضع يصعب النيل منها في موقف بشارة. تمييزه بين الموضوعية والحياد، على قصوره الإجرائي، يعالج مشكلة حقيقية طالما تهرّبت منها الموسوعات الكبرى بادعاء حياد زائف. وتشخيصه أن الذكاء الاصطناعي مستهلك للمعرفة لا منتج لها صائب يخالف الشائع، وهو الأساس الذي يقوم عليه هذا المقال نفسه. وإدراكه أن المشكلة العربية مشكلة استمرارية مؤسسية لا مشكلة كفاءات إدراك نادر بين المشتغلين بالمشاريع الثقافية. وقد بنى جهازا للتحرير والتحكيم بدل الاكتفاء بشعار النهضة، وأعاد الاعتبار إلى التأليف الموسوعي بوصفه حرفة. واستحضاره بومة مينرفا التي لا تطير إلا بعد الغروب صادق في وصف اللحظة وفي تواضع ما يمكن فعله فيها.
وخلاصة القول أن أرابيكا مشروع صائب في تشخيصه، نبيل في مقصده، متأخر في توقيته على النحو الذي يقرّ به صاحبه، لكنه متأخر أيضا على نحو لا يقرّ به: صُمم في لحظة كانت فيها الآلة خصما، ويُطلق في لحظة صارت فيها الآلة الوسيط الذي يمر عبره كل طلب للمعرفة. وهو بهذا ليس مشروعا متأخرا فحسب، بل نموذج لكيفية تأخر النخبة: تبنٍّ جزئي دفاعي في زمن لا يعاقب على التردد بسنوات إضافية بل بمضاعفة المسافة، وما يُفوَّت اليوم لن يُلحق غدا بالوتيرة نفسها. المطلوب ليس تسليم التأليف إلى نموذج لغوي ولا اختزال الخبير في مصحح أخطاء، بل بناء نظام هجين واختباره: يكتب الإنسان حيث تكون القيمة في الاجتهاد والتركيب، وتساعد الآلة المستندة إلى المتن العربي المفحوص حيث تكون القيمة في التغطية والسرعة، ويوقّع المتخصص بصفته حارسا للصحة لا صانعا للنص، ويُبنى المتن كله بترخيص مفتوح وبنية مهيكلة تجعله قابلا للاستعلام لا للقراءة فحسب. المشروع النهضوي لا يثبت وفاءه لرؤيته بالتمسك بأدواته الأولى، بل بقدرته على إعادة تصميمها حين تتغير شروط إنتاج المعرفة. عندئذ فقط تصير أرابيكا ما تريد أن تكونه: المعرفة التي تزوّد بها الأمة العربية آلة لا تعرف إلا ما نعطيها.
المصادر
- حوار عزمي بشارة حول مشروع أرابيكا، برنامج ضفاف، قناة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سبتمبر 2026.
- الموقع التجريبي للموسوعة العربية أرابيكا.
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيان إطلاق الإصدار التجريبي مختارات من الموسوعة العربية أرابيكا، أبريل 2026.
- Lewis et al., Retrieval-Augmented Generation for Knowledge-Intensive NLP Tasks, 2020.