كتب الصديق عبد اللطيف العلوي نقدا لمقالي السابق عن سيد قطب.
وأبدأ بتوضيح لا بدّ منه. أنا لست بصدد محاكمة جديدة لسيد قطب، فضلا عن أن أعيد شنقه كما يخشى صديقي. المحاكمة إجراء ينتهي بحكم وعقوبة، بينما النقد عمل ينتهي بفهم. وسيد قطب لم يعد يملك ما يُعاقَب به، لأنه دفع كل ما يملك سنة 1966، رحمه الله. الذي أساءِل ليس الرجل، فقد خرج من دائرة المساءلة يوم خرج من الحياة، بل الأدوات التي تركها وراءه ولا تزال تعمل. فالرجل قد مات، والمفاهيم لم تمت، والنقد يتوجه إلى ما بقي حيا.
ما أتنازل عنه فورا
سي عبد اللطيف محقّ في اصطياد جملتي الختامية حين قلت إن نظامه الفكري “أنتج جلادين آخرين”. فالإنتاج فعل مباشر يفيد الصنع والتوليد، وهذا أكثر مما أستطيع إثباته وأكثر مما أعتقده فعلا. الصياغة الأفضل لعبارتي هي: نظام الفكري “أتاح لجلادين آخرين شرعيتَهم”. من الإنتاج إلى الإتاحة. والفرق ليس بلاغيا: الإنتاج يعني أن الفكرة كافية لتوليد الفعل، والإتاحة تعني أنها وفّرت له الرخصة والمعجم والتأصيل الذي بدونه يبقى الغضب غضبا ولا يصير عقيدة. أدافع عن الثانية ولا أدّعي الأولى.
أمر ثاني أعترف به: تفسير قطب لقوله تعالى “ولا تعتدوا”، وتنصيصه على حماية النساء والأطفال والشيوخ والعبّاد، حقيقة في نصه كان ينبغي أن ترد في مقالي، وغيابها خلل في الإنصاف. مَن قَتل الآمنين باسمه خرق نصه قبل أن يخرق غيره.
وأتنازل عن أمر ثالث أيضا: الخط الذي رسمته من شكري مصطفى إلى داعش يمثل اختزالا مبالغا. فالوقائع التي عدّدها، من هزيمة 1967 إلى الجهاد الأفغاني إلى غزو العراق سنة 2003 وحلّ الجيش وسجون الاحتلال، ليست هوامش في القصة بل ضمن متونها.
هذه ثلاثة تنازلات حقيقية وصادقة. ولكن بعد ذلك، تبقى أوجه الاختلاف بيننا.
خطأ في اتجاه الاحتمال
حجّة الملايين هي عمود مقال أخي عبد اللطيف. فهو يرى أنه: لو كان البناء القطبي يولّد العنف من داخله لتحوّل الملايين من قرائه إلى خلايا، وقد خرج منهم دعاة ومربّون وأدباء وناس أغلقوا الكتاب وعادوا إلى حياتهم.
هذا صحيح، ولا يقيس ما يُظنّ أنه يقيسه. لقد حُسب الاحتمال في اتجاه واحد: كم من قرّاء قطب صاروا عنيفين. والجواب نسبة ضئيلة جدا. لكن السؤال المطروح في مسألة المسؤولية الفكرية هو الاتجاه المعاكس: كم من جماعات العنف السنّي منذ السبعينيات إلى اليوم اشتغلت بمعجم آخر غير معجم الحاكمية والجاهلية والمفاصلة والولاء والبراء؟ والجواب هنا: تكاد لا توجد.
وهذا هو المقياس المعتبر. لا توجد فكرة في التاريخ حوّلت أغلبية قرائها إلى فاعلين، لا الماركسية ولا القومية ولا الفاشية. النسبة من الفكرة إلى القارئ ضئيلة دائما، والنسبة من الجماعة إلى الفكرة هي التي تدلّ.
الظلم يفسّر الطاقة، والفكرة تفسّر الشكل
يقدّم صديقي سببين رئيسيين: الهيمنة الخارجية والاستبداد المحلي. ولا أختلف معه في وزنهما، بل قلت بعضه في مقالي. لكنني أختلف في ما يفسّرانه.
الظلم يفسّر لماذا انفجر الناس، ولا يفسّر لماذا انفجروا بهذه الطريقة تحديدا وضدّ هؤلاء تحديدا.
خذ الاختبار المقارن: أمريكا اللاتينية عاشت في الحقبة نفسها تحت مزيج مطابق من الديكتاتوريات العسكرية والدعم الأمريكي لها ونهب الموارد والتعذيب في السجون، فأنتجت لاهوت التحرير وحركات يسارية مسلحة. الظروف واحدة والشكل مختلف تماما، لأن المخزون الرمزي المتاح كان مختلفا. الضغط يفسّر الانفجار، وشكل الوعاء يفسّر اتجاه الشظايا.
والاختبار الأقسى: نظرية المظلومية الخارجية عاجزة تماما عن تفسير أن الأغلبية الساحقة من ضحايا هذه الجماعات كانوا مسلمين. لا الاحتلال ولا القواعد الأجنبية ولا غزو بغداد تفسّر مذابح القرى في الجزائر في التسعينيات، ولا تفجير المساجد في باكستان، ولا ذبح أهل الموصل والرقة على يد من زعم تحريرهم. الغضب من الأجنبي لا يوصل منطقيا إلى قتل جارك في صلاة الجمعة. الذي يوصل إلى ذلك مقولة واحدة بعينها: مقولة تسمح بإخراج المسلم من ملّته.
أما دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي استشهد بها ونسبتها عن الفعل الحكومي بوصفه لحظة الالتحاق، فهي دراسة في التجنيد لا في التأصيل. تخبرنا لماذا التحق الفرد بالجماعة، ولا تخبرنا لماذا عرّفت الجماعة عدوّها على هذا النحو. سؤال من انضمّ غير سؤال إلى ماذا انضمّ.
الخوارج وماركس وساطع الحصري
سي عبد اللطيف يقول إن الخوارج رفعوا إن الحكم إلا لله قبل قطب بثلاثة عشر قرنا، فالآلية أقدم منه ولا حاجة إليه.
لكنني لم أستدعِ الخوارج لأقول إن قطب اخترع الآلية، بل لأقول العكس: إن الأمة عرفت هذا المرض مبكرا فبنت له جهاز مناعة. أربعة عشر قرنا من العمل الأصولي أنتجت شروط التكفير وموانعه، واشتراط قيام الحجة وانتفاء الشبهة، والتفريق بين إطلاق الوصف وتنزيله على المعيّن، واحتكار المؤسسة العلمية لسلطة الإفتاء، وقاعدة درء الحدود بالشبهات. هذا كله ترياق تراكمي صُنع بالضبط لأن الخوارج ظهروا.
فالمشكلة في المشروع القطبي ليست أنه اخترع الفيروس، بل أنه أسهم في تعطيل المناعة. القراءة الحركية المباشرة للنص، بلا وساطة أصولية ولا فقه مآلات ولا مدرسة، تعيد الشاب إلى الآية عاريا من كل ما راكمته الأمة لحمايته من نفسه. وأن يكون المرض قديما لا يبرّئ من فتح باب الحجر الصحي.
ثم يسأل: هل نكتب أن النظام الفكري لماركس أنتج جلادي ألبانيا؟ وهل كان ساطع الحصري مسؤولا عن كل جلاد بعثي؟
وجوابي: نعم، بالدرجة نفسها وبالمنهج نفسه. وتاريخ الأفكار الجاد في القرن العشرين فعل هذا بماركس بالضبط، فبحث في النص الماركسي عما جعل اللينينية ممكنة، ولم يكن ذلك تكفيرا لماركس ولا تبرئة له، بل كان عملا. ونفس السي يقال في حق ساطع الحصري وفي حق النزعة القومية التي حوّلت الأمة إلى معبود يُقدَّم له البشر.
وهذا ينطبق أيضا على ابن تيمية وفتاواه المغولية، والإرث السلفي في تعريف التوحيد. فالاتهام بالانتقائية لا يصيبني، لأن المعيار واحد ويجب تطبيقه على الجميع.
لكن هنا فارق مهم بين الحالتين. ماركس تحدث عن الصراع بين الطبقات، وقطب تحدث عن الإيمان والكفر. ووصفُ إنسانٍ بأنه عدو طبقي لا يترتب عليه في ذاته أي حكم، لذلك فقد احتاج لينين وستالين إلى بناء نظري كامل ليجعلا من ذلك الوصف مبررا للقتل. أما وصف الناس بالجاهلية فيحيل إلى معجم اصطلاحي في حقل ديني مختلف تماما، قائم على التقابل بين الإسلام والجاهلية وبين الإيمان والكفر. وهذا المعجم متصل بمقولة الردة كما تبلورت في الفقه السلطاني، حيث تستوجب عقوبة القتل. لذلك، يجد من أراد أن يستبيح الدم حكما جاهزا لا يحتاج إلى اختراعه.
وأنا هنا لا أقول إن قطب أباح دما، فهو لم يفعل، ولا أقول إن هذه الأحكام تنطبق على ما كتبه. أقول ما قلته في مقالي السابق، إن المفكر مسؤول عن موقع كلامه لا عن نيته وحدها، وإن الكلام الذي ينزل في أرض معدّة سلفا بأحكام قاطعة أخطر من الكلام الذي يحتاج من يستعمله إلى أن يبني له حكما من الصفر. هذا فارق في درجة الخطر لا في درجة الإدانة.
نعود لمفهوم الجاهلية والأمثلة القرآنية التي أوردها العلوي
الملاحظة القرآنية التي أوردها دقيقة: القرآن يقول “حكم الجاهلية” و”تبرّج الجاهلية” و”حميّة الجاهلية” و”ظنّ الجاهلية”. وهذا بالضبط موضع الفرق. فكل هذه الاستعمالات إضافة إلى سلوك أو حكم أو ظنّ، أي وصف جزئي لخصلة في إنسان أو نظام. والقرآن لا يقول “المجتمع الجاهلي”، ولا يجعل الجاهلية ماهيةً كلّيةً لكيان اجتماعي.
بينما سيد قطب فعل الشيء الآخر: جعلها حكما على المجتمعات القائمة كلها بما فيها التي تسمّي نفسها إسلامية. فالانتقال من صفة جزئية قابلة للتدرج إلى ماهية كلية لا تقبله، هو الانتقال الذي أنتقده. نعم، أتفق في أن “وصف النظام” لا يعني بالضرورة “تكفير الأفراد”، وأن قطب امتنع عن الثانية في أكثر مواضعه. لكن المفهوم الذي لا يقبل درجات لا يبقى طويلا في مستوى الوصف، لأن أول سائل يسأل: وأهل هذا المجتمع، ما هم؟ هذا سؤال بديهي طرحه كثيرون، حتى ممن لم يذهبوا إلى تيارات العنف المسلح بمسمى الجهاد. أنا مثلا، طرحت على نفسي هذا السؤال عشرات المرات، في تأملاتي وفي جلساتي ولقاءاتي مع أصدقاء في فترة الشباب. لأن الفكرة كانت بالفعل مربكة جدا.
شهادة القرضاوي
يشير صديقي عبد اللطيف بحق إلى الدعاية السوداء التي صنعها خصوم قطب وورثة من قتله، ويحذّر من الاتكاء عليها. وأشاركه هذا الحذر تماما، ولذلك لا أبني على شهادة الظواهري ولا على محاضر التحقيق. ولكنني أبني على شهادة لا تصحّ فيها هذه التهمة بحال: شهادة يوسف القرضاوي.
والقرضاوي خصم لا يُتّهم. عاش المحنة نفسها، وسُجن، وكتب في سيد قطب أنه شهيد الدعوة، ولم يكن يوما من ورثة عبد الناصر. ومع ذلك جاء نقده من موضعين.
الأول كتاب فقه الجهاد، الصادر في مجلدين تتجاوز صفحاتهما 1600 سنة 2009. هناك يضع القرضاوي المودودي وسيد قطب معا في ميزان واحد، ويقول إنه رأى في تناولهما لقضية الجهاد ما يشبه تحمّس المحامين الكبار للدفاع في القضايا الشهيرة، مع تصريحه بحبه واحترامه الكبيرين لكليهما. ويورد أربع عشرة آية يستدل بها القائلون إن الإسلام يسالم من يسالمه، ويردّ على من يوجبون القتال بغير علة إلا كفر المقاتَل بأن لا دليل لهم إلا دعوى نسخ ذلك كله بما يسمّونه آية السيف. وهذا هو الخلاف في جوهره: جهاد الدفع في مقابل إزالة العوائق بالقوة. وقد سلّم صديقي بهذه النقطة عرضا حين قال إنه يجوز أن نختلف مع قطب في توسيع مفهوم الجهاد. أنا أقول إن هذا التسليم العابر هو ما بنى عليه القرضاوي ألفا وستمئة صفحة.
والموضع الثاني أخطر، وهو مسألة التكفير. وقد رواها عصام تليمة، سكرتيره العلمي والشاهد على تفاصيلها. كان النقاش قبل القرضاوي يدور حول عبارات الجاهلية وحدها دون العثور على نصوص صريحة، إلى أن استخرج هو نصوصا من في ظلال القرآن ومن معالم في الطريق ومن العدالة الاجتماعية في الإسلام، ونُشر الكلام في مذكراته “القرضاوي، ابن القرية والكتاب: ملامح سيرة ومسيرة” (ج3) وفي الصحافة، فأثار ضجة دفعته إلى نشر مزيد من النصوص ردا على منتقديه.
وهنا الفائدة الحاسمة لنقاشنا. حين اعترض عليه عصام تليمة بأنهم قرأوا الظلال وكل كتب سيد ولم يشعروا بشيء من ذلك، أجابه القرضاوي بأن الثقافة الأزهرية تجعل القارئ يغربل ويتغاضى لأنه في سياق قراءة لا في سياق نقد وتقويم، وأن الإخواني يحمل سدّا يمنع فكره من التكفير مصدره الأصول العشرون لحسن البنا وخاصة العشرون منها وكتاب دعاة لا قضاة، فيجعل لكل عبارة تأويلا ويظنّها شدّة سببها المحنة والسجن.
هذا هو بالحرف برهان المناعة الذي عرضته، لكن بلسان القرضاوي وقبل عشرين سنة. الملايين لم يَسْلَموا لأن النص سليم، بل لأنهم دخلوا إليه حاملين ترياقا من خارجه. ومن فقد الترياق، أي من قرأ قطب بلا أزهر ولا أصول عشرين ولا دعاة لا قضاة (في السياق الثقافي المصري طبعا)، قرأ ما لم يقرأه أولئك. فحجّة الملايين لا تثبت سلامة الكتاب، بل تثبت جودة ما كان يحمله قرّاؤه معهم.
وهناك ملاحظة ثانية لا تقلّ أهمية: كل من ناقش قطب اعتمد على معالم في الطريق، بينما ذهب القرضاوي إلى أبعد من ذلك، فأثبت أن النصوص الأخطر لم تكن في “المعالم” وإنما في “الظلال” و”العدالة الاجتماعية”، لدرجة أن عصام تليمة قال “إن المعالم هو في الحقيقة أخفّ تلك النصوص”. فإذا كان الأقسى موجودا في كتاب العمر (تفسير الظلال)، المنقّح المعاد طبعه، الذي قرأه الملايين غذاء روحيا، فقدْ فقدَ هذا الدفاع موضوعه.
ثم إن الذين ردّوا على القرضاوي كانوا محمود عزت ومحمد مرسي وأحمد عبد المجيد، أي قيادة الإخوان، وأن طارق البشري وفهمي هويدي نصحاه بحذف صفحات قطب أو اختصارها اختصارا شديدا فأبى. وهذا يعني أن النزاع كله داخل البيت الإسلامي، بين أعلامه وفي مجالسه، لا في مطابخ الدعاية السوداء.
ومع ذلك، فمن الأمانة أن أنقل قصة وجدتها في إطار صياغة هذا المقال، نقلها عصام تليمة: قصة خليل علوة، الذي زار سيد قطب في محبسه، ونقل إليه أن بعض الشباب المعتقلين والمنتسبين للحركة الإسلامية بدأوا يتبنون فكر “التكفير” الشامل للمجتمع والحكام بناءً على قراءتهم لكتابه “معالم في الطريق” وبعض أجزاء “في ظلال القرآن. فأبدى سيد قطب صدمته وتبرأ من هذا الفهم المندفع. وعند انصراف خليل علوة، سُمع سيد قطب وهو يقول بحسرة: “لقد حُمِلَت بضاعتي على حمار أعرج”. وقد أكّد محمد قطب صحة الحادثة. وعلق القرضاوي عليها بأنها لا تنفي ما في الكتب، وأن قطب لو عاش ونوقش لربما رجع فهو ليس جامدا. ولكن الرجل في مجلسه غير الرجل في نصه، والذي يُورَّث هو النص لا المجلس.
هل هو فعلا مجرد تشابه في المصطلحات بين قطب وتيارات العنف؟
يقول صديقي العلوي إن ربط الظاهرة بفكر قطب يحتاج إلى أكثر من تشابه المصطلحات وشهادة أحدهم بأنه قرأ كتابا. وهو محقّ في المعيار، فلنطبّقه إذن. السؤال ليس هل المصطلحات حاضرة، فهو قد سلّم بحضورها، بل هل هي مؤسِّسة أم زينة، وهل كانت قابلة للاستبدال. وقد جمع معتز الخطيب في سلسلته المنشورة بالجزيرة نت سنة 2023 مادة تجيب على الاثنين.
أما مسألة التشابه، فيحسمها نصّ تأصيلي لا خاطرة. اقتبس صالح سرية في رسالة الإيمان التي كتبها سنة 1973 عن قطب أن قوانين الحكم والتشريعات هي الفرض الأول لأنها أساس التوحيد والشرك في هذا العصر، ثم خلص إلى أن كل الأنظمة والبلاد الإسلامية التي اتخذت مناهج غير الكتاب والسنة قد كفرت، وأن من أطاعها مقتنعا بها فهو كافر، وأحال إلى قطب صراحة. هذه إحالة صرّح بها في موضع التأصيل وليس في موضع الاستئناس، وصاحبها هو صاحب أول تطبيق فعلي للعنف في مصر سنة 1974. ويضاف إليها أن سرية كان يرى أن خير التفاسير هو في ظلال القرآن في طبعاته الأخيرة، وهي الطبعة التي تحمل المادة الأشدّ، وهو ما يعيدنا إلى مسألة الطبعات.
وأما مسألة الاستبدال، وهي قول صديقي إنهم لو لم يجدوا قطب لوجدوا ألف مصدر غيره، فيردّ عليها شاهد من داخل المشروع نفسه لا من خصومه: أبو مصعب السوري، كبير منظّري الجهاد المعاصر، قرّر أن سيد قطب “وضع الأسس الفكرية للمشروع الجهادي”. وحين تصف الحركة نفسها بهذا فليس لنا أن نصفها بأرقّ منه.
لكن أنفع شاهد في الملف كله هو الذي يضبط الدعوى ويضيّقها. يقول عبد الله عزام عن أكثر من أثّروا فيه: وجهني سيد قطب فكريا، وابن تيمية عقديا، ثم يذكر ابن القيم روحيا والنووي فقهيا. هذا تقسيم عمل يصفه الرجل بنفسه: الإطار والتشخيص والحرارة من قطب، والآلة العقدية والفقهية التي تُصدر الحكم على الأعيان من مصادر أخرى. وهو يطابق تماما صيغة الإتاحة لا الإنتاج التي بدأت بها. قطب لم يكن كل شيء، لكنه كان الطبقة التي بدونها يبقى التراث الفقهي ساكنا في موضعه ولا يتحوّل إلى مشروع.
وينبغي أن أنقل أيضا ما يقف في كفة صديقي من المصدر نفسه: يقرّر معتز الخطيب أن قطب لم ينشغل بالحكم على الأفراد بإيمان أو كفر ولم يكن ذلك من أولوياته، وأن نقلة تكفير الأعيان قام بها من تأثروا به من منظّري العنف. وهذا هو بالضبط ما قاله سي عبد اللطيف: من كفّر الأعيان اتخذ قرارا جديدا. وأنا أقرّه عليه.
حدود الدعوى، وثغرة القرآن
أكرّر: لست أقول إن سيد قطب دعا إلى العنف، ولا إنه كفّر الأعيان، ولا إنه كتب دليلا لأحد، ولا إنه المصدر الوحيد لظاهرة التطرف، ولا إنه كان سيرضى بما فُعل باسمه، بل أرجّح أنه كان سيتبرأ منه. ولست أقول إن قرّاءه المسالمين أساؤوا فهم أنفسهم.
ولكنني أقول إنه صاغ إطارا تشخيصيا كلّيا لا يقبل التدرج، ونزع عنه الوساطة الأصولية التي تحدّ منه، وقدّمه بلغة عالية الحرارة، فوجده لاحقون جاهزا فاستعملوه في موضع التأصيل بإحالات مصرّح بها، ثم أضافوا إليه من عندهم النقلة التي امتنع هو عنها. هذا هو الفرق بين المسؤولية والإدانة، وبين نقد الفكرة وإسناد الجريمة.
ويبقى الاعتراض الأقوى، وهو الذي أتوقّعه من غير صديقي: جماعات العنف المسلح بمسمى الجهاد تستشهد بالقرآن وبالنبي أكثر مما تستشهد بقطب، فلماذا نحمّل قطب ولا نحمّلهما؟ وإن صحّ معيار الاقتباس فهو يهدم كل شيء.
والجواب أن الاعتراض مبني على خلط بين الاستشهاد والاستمداد. هم لا يستشهدون بالقرآن مباشرة، بل بالقرآن مقروءا بطريقة معيّنة. والقرآن يحتمل عندهم وعند غيرهم قراءات متقابلة، فيه آيات القتال وفيه “ولا تعتدوا” وفيه “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”. فالذي يحدّد أيّ قراءة تخرج، هو الجهاز الذي يُقرأ به لا النصّ المقروء. وسيد قطب أحد صنّاع ذلك الجهاز. بل إن حاجتهم إليه هي أقوى دليل على براءة المصدر: فلو كان القرآن وحده كافيا لإنتاج هذا الفهم لما احتاجوا إلى وسيط يعلّمهم كيف يقرأونه.
المظلوميّة لا تعلّق المسؤولية
يبقى الأصل الذي يقوم عليه اعتراض صديقي كلّه، وهو أن الرجل قُتل ظلما فلا ينبغي أن نُثقل قبره. وهذا هو موضع خلافنا الحقيقي، وهو أكبر من قطب.
نحن نعرف هذه القاعدة في تجاربنا القريبة. الإخوان في مصر يُسحقون في السجون منذ 2013، والنهضة في تونس تعرّض قادتها للسجن، وقبلهما عقود من القمع. فهل يعني ذلك أن تجربتهما فوق النقد؟ هل نؤجّل السؤال عن أخطائهم السياسية وعن حساباتهم وعن مسؤولياتهم إلى أن ينتهي القمع؟ لو فعلنا لما نقدنا شيئا أبدا، لأن القمع لا ينتهي، ولأصبح السجن حجّة دائمة لتعطيل العقل.
بل إن تعليق النقد إلى حين رفع الظلم يقدّم للجلّاد أفضل خدمة ممكنة: يجعل المراجعة مستحيلة من الداخل، فلا يبقى من يقوّم التجربة إلا من يريد تصفيتها. والحركة التي تُحصَّن بمظلوميتها تفقد قدرتها على التعلّم، فتعيد إنتاج أخطائها في كل دورة، ويكون ثمن ذلك على أبنائها هم قبل غيرهم.
ثم إن الصمت عن أخطاء المظلوم ليس تضامنا معه بل وصاية عليه. هو أن نعامله كقاصر لا يحتمل المساءلة، وأن نمنحه من التسامح ما لا نمنحه لمن نعدّهم أندادا. وهذا في العمق انتقاص لا إنصاف.
لكن التمييز واجب. الفرق بين النقد وبين الوقود ليس في المضمون بل في الوظيفة والمقصد والخطاب. النقد يخاطب أهل التجربة لتصحيحها، والوقود يخاطب الجلّاد ليبرّر سوطه. والمعيار العملي بسيط: هل يسكت نقدي عن السجن حين يتكلم عن الفكرة؟ وهل أطالب الضحية بما لا أطالب به من ظلمها؟ فإن أجبت بنعم فأنا أزيد المظلمة ولا أعالج الخطأ.
وقد اجتهدت في مقالي أن أستوفي هذا الشرط، فقلت إن الدولة التي عذّبت قطب وشنقته شريكة كاملة في إنتاجه، وإن من يستعمل نقده اليوم ذريعة لتبييض الاستبداد يعيد إنتاج الشروط نفسها. ولا أزال عندها.
وقد ختم صديقي بجملة مؤثرة: شنقه عبد الناصر سنة 1966، ولا حاجة إلى أن نعيد شنقه في 2026.
وأنا معه في مقصدها، وأخالفه في نتيجتها. لا أحد يعيد شنق ميت بمقال. لكن الجملة، حين تُعمَّم، تجعل من الدم درعا حول النص، ومن المظلومية مانعا من المساءلة. والرجل الذي رفض أن يكتب كلمة استرحام دفاعا عن حقّه في أن يفكّر هو أًوْلى الناس بأن تُعامَل أفكاره كأفكار: تُقرأ وتُناقَش وتُخطَّأ. تحصين نصّه بعنقه هو الإهانة الحقيقية له، لأنه يحوّله من مفكّر إلى ضريح، ومن صاحب رأي إلى مقام يُزار.
وأنا وسي عبد اللطيف متفقان على ما هو أخطر مما نختلف فيه. الخطر أن يُختطف هذا النقاش من طرفيه: من نظام يستعمل نقد قطب ليغسل سجونه، ومن تيار يستعمل مظلومية قطب ليمنع مراجعة أدواته. وبين الاثنين مساحة ضيقة اسمها الفكر، أزعم أننا واقفان فيها معا، ولو من زاويتين مختلفتين.