شهد الفضاء العربي في العقد الأخير إنتاجاً في “الردّ على الإلحاد” لا يُقاس بما سبقه: كتبٌ ومراكز وقنوات ومناظرات وسلاسل مصوّرة، وجهدٌ لا يُنكر في الترجمة والتلخيص والتبسيط. ومع ذلك، لا تبدو الظاهرة التي وُجّه إليها هذا الجهد في طريقها إلى الانحسار؛ بل تشير المؤشّرات المتاحة وتزايد الشهادات العلنية إلى اتّساعها وتنوّعها، وإلى انتقالها من همسٍ في المجالس المغلقة إلى خطابٍ له جمهوره ولغته ورموزه.
وتزامنُ الأمرين لا يثبت وحده فشل تلك الردود، فقد تكون الظاهرة محكومة بعوامل اجتماعية وتقنية وسياسية أقوى من أن يحدّ منها خطاب. لكنّه يكفي لتبرير سؤالٍ مؤجَّل: هل يجيب هذا الإنتاج عن السؤال الذي يُطرح فعلاً، أم عن سؤالٍ افترضه؟
هذه المقالة محاولة لتحرير ذلك السؤال، تمهيداً لمقاربةٍ مختلفة، وقد تجسّد جانبٌ منها في موقعي الإلكتروني المنشور “قاعدة بيانات مسالك البحث في وجود الله” (god-database.com).
ما وراء التوصيف: أنماط الخروج
لنبدأ من التوصيف نفسه، فهو مضلّل. عبارة “الإلحاد العربي المعاصر” تجمع تحت اسم واحد أنماطاً متباينة لا يجمع بينها إلا الخروج من دائرة الانتماء المعلن. فهناك إلحاد فلسفيّ صريح، مبنيّ على موقف من الوجود والمعرفة، وهو الأقلّ عدداً والأكثر تماسكاً. وهناك لا أدريّة معلّقة الحكم، وربوبيّة تحتفظ بالخالق وتتخلّى عن الوحي. وهناك، وهو الأوسع في تقديري، خروجٌ من المؤسسة الدينية ومن صورة الإله التي قدّمتها تلك المؤسسة، لا من فكرة الألوهية ذاتها. كثيرٌ ممّن يسمّون أنفسهم اليوم ملحدين هم في الحقيقة غاضبون على إلهٍ بعينه، رُسم لهم في طفولتهم بملامح السلطة والعقاب والتحكّم في الأجساد، ثم طُلب منهم أن يحبّوه. وحين نخلط هذه الأنماط في خانة واحدة، ونجيب عنها كلّها بجوابٍ واحد، نكون قد أخطأنا المخاطَب قبل أن نخطئ الحجة.
ما يحرّك الخروج: الأخلاقي قبل المعرفي
ثمّ إنّ ما يحرّك هذا الخروج، في غالب ما اطّلعتُ عليه، ليس من جنس المعرفيّ. فالمتكرّر في الشهادات هو الأخلاقيّ والسياسيّ والوجوديّ: تحالف قطاعاتٍ من الخطاب الديني مع الاستبداد ومنحُها إيّاه غطاءً شرعياً، وما أعقب موجة 2011 من انكشافٍ لهذا التحالف. والعنف الذي مورس باسم النصّ ورُوّج له بأدواته. والصور الفقهية والاجتماعية السائدة لمكانة المرأة، وهي من أوسع أبواب الخروج اليوم. والأخلاق الجنسية وما تولّده من عارٍ وازدواجية وكبتٍ لا يجد أحداً يخاطبه بصدق. ومسألة الشرّ والألم، التي ما تزال تُقابَل بجوابٍ مدرسيّ لا يمسّ التجربة. ثم انهيار حرّاس البوابة: لم يعد بين الشابّ وبين أعقد الأسئلة وسيطٌ يقرّر ما يصله ومتى وبأيّ صيغة.
وهنا يلزم تمييزٌ لا يجوز إغفاله، وإلا انقلب التشخيص إلى مغالطة. فالحديث عن الدافع ليس حديثاً عن المبرّر. أن تكون الشرارة الأولى أخلاقية أو سياسية أو وجودية لا يعني أنّ ما بُني عليها لاحقاً بلا قيمة معرفية؛ فكثيرٌ ممّن غادروا لجرحٍ أخلاقيّ شيّدوا بعدها موقفاً فلسفياً متماسكاً يستحقّ أن يُواجَه بذاته، لا أن يُردّ إلى منشئه. وردُّ الحجّة إلى دافعها مغالطةٌ تكوينية، وهي من أشدّ ما يُنفّر القارئ المغادر، لأنّه يقرأ فيها استخفافاً بعقله. فالمطلوب إذن جمعُ الأمرين: مواجهة الحجّة في مستواها المعرفيّ كاملةً، والانتباه في الوقت نفسه إلى أنّ الخطاب الذي يقتصر على ذلك المستوى يخاطب الطبقة الأخيرة من المسألة ويترك أساسها بلا جواب.
المختبر المغاربي
ولعلّ المجال المغاربيّ من أوضح المختبرات لهذه الأطروحة، لأنّ الخروج من الدين فيه لم يستورد أدواته من الإلحاد الأنجلوسكسوني الجديد، بل ورث قسماً منها عن متنٍ حداثيّ محليّ سابق عليه بعقود: لائكيّة ذات أصل فرنسي، ترسّخت في مؤسسات الدولة الوطنية بعد الاستقلال، ثمّ وجدت امتدادها في الجامعة وفي جزءٍ من اليسار الثقافي. ومن أراد أن يفهم لماذا يبدو الموقف من الدين هناك مشحوناً بدلالةٍ هوويّة زائدة على مضمونه المعرفي، فليتأمّل توزّعه الاجتماعيّ واللغويّ، حيث يميل إلى التمركز في أوساطٍ حضرية فرنكوفونية في مقابل عمقٍ معرَّب. وهي ملاحظة لا تُقال من موقع الدفاع عن الدين، بل بأدوات النقد الاجتماعي نفسها التي رفعها اليسار: الطبقة، والهيمنة الرمزية، والرأسمال الثقافي.
وأشدّد هنا على أنّ هذا محدِّدٌ من محدّدات الظاهرة لا تفسيرها الحاسم. فمن يقول إنّ القطيعة مع الدين ليست في المغارب إلا علامةَ التحاقٍ بطبقة يكون قد ارتكب — معكوساً — الاختزال ذاته الذي يأخذه على خطاب الردود، ونزع عن أفرادٍ كثيرين جدّية مراجعتهم. المقصود أنّ للظاهرة تربةً اجتماعية بعينها، وأنّ إهمال هذه التربة يجعلنا نناقشها بمفردات معركةٍ نظرية استُوردت من سياقٍ آخر.
أعطاب الإنتاج القائم
وعلى ضوء ذلك تتكشّف أعطاب الإنتاج القائم، وهي ثلاثة في نظري.
أوّلها أنّه يردّ في قسمٍ كبير منه على خصمٍ غائب. فأكثر ما كُتب عربياً في هذا الباب مصوغٌ ضدّ “الإلحاد الجديد” في صيغته الأنجلوسكسونية، صيغة دوكينز وهيتشنز وهاريس، وهي موجة فقدت في موطنها كثيراً من زخمها ووجاهتها، حتى عند عددٍ من غير المتديّنين هناك. ومعها انتقلت إلى العربية اعتذاريّاتٌ تحليلية بُنيت لسياقٍ آخر — دليل الكلام كما صاغه كريغ، وأعمال بلانتينغا وسوينبرن — فوُظّفت في بيئةٍ ليست بيئتها، وضدّ خصمٍ لا يقول بالضرورة ما قاله خصمها الأصلي. والنتيجة معركة تدور في جانبٍ من الساحة بينما ثقلها في جانبٍ آخر.
وثانيها أنّه مكتوبٌ من موقع الحراسة لا من موقع البحث. وهذه ملاحظة في الوظيفة لا في النوايا. من يكتب لجمهورٍ مؤمنٍ قلق، ويعلم أنّ المحاسبة ستأتيه من هذا الجمهور لا من خصمه، يصعب عليه أن يمنح الحجّة المقابلة أفضل صياغاتها، لأنّ منحها ذلك يبدو في عين جمهوره تنازلاً. ومن هنا تأتي النبرة المتوتّرة التي تُلاحَظ على كثير من هذا الإنتاج: ليست عيباً في مزاج أصحابها، بل عَرَضٌ لوظيفةٍ اختاروها. ولذلك لا يكفي أن نأخذ المضمون نفسه ونخفض الصوت؛ فالنبرة عرَضٌ لا مرض، وتغييرها يقتضي تغيير الوظيفة نفسها.
وثالثها، وهو الأخطر أثراً، أنّ القارئ المتردّد يلتقط ذلك كلّه فوراً. الشابّ الذي يقرأ ردّاً يسخر من خصمه، أو يقدّم حجّة الخصم في صيغةٍ ضعيفة يسهل نقضها، لا يخرج مقتنعاً بالردّ؛ يخرج بانطباعٍ أنّ في الأمر خوفاً. ولا شيء أشدّ إضراراً بموقفٍ من أن يبدو خائفاً على نفسه.
ملامح البديل
فما البديل؟
مشروعٌ مختلف، في تقديري، يقوم أوّلاً على تحويل الفعل من الردّ إلى المساءلة. لا لأنّ الردّ خطأ في ذاته، بل لأنّه حين يصير عنواناً جامعاً يجعل صاحبه تابعاً لأجندة خصمه، يتحرّك حيث تحرّك ويصمت حيث صمت. أمّا المساءلة فتعيد فتح السؤال لا إغلاقه، وتخاطب الباحث لا المحروس.
ويقوم ثانياً على مبدأ الإنصاف المنهجيّ: ألّا تُعرض حجّة المخالف إلا في أقوى صياغةٍ يقبلها أصحابها، وأن يكون النصّ قابلاً لأن يقرأه الخصم فيقول إنّ هذا رأيي فعلاً. هذا وحده يقلب علاقة القارئ بالنصّ، لأنّه ينقل الثقة قبل أن ينقل الحجّة.
ويقوم ثالثاً على التمييز الصارم بين ثلاثة أشياء يخلطها الطرفان معاً: النصّ، وتاريخ تأويله، والمؤسسة التي احتكرت ذلك التأويل. كثيرٌ ممّا يُقدَّم اليوم بوصفه نقداً للدين هو في حقيقته نقدٌ لتاريخٍ فقهيّ أو لسلطةٍ دينية، وهو نقدٌ مشروع في جزءٍ كبير منه. والاعتراف بذلك ليس تنازلاً، بل شرطٌ لأيّ حوارٍ جادّ.
ويقوم رابعاً على توسيع ميدان الاشتغال من البرهان وحده إلى المعنى والأخلاق معه. لا إلغاءً للبرهان — فمن غادر لسببٍ أخلاقيّ ثم بنى موقفاً معرفياً يستحقّ أن يُناقَش معرفياً — بل لأنّ الاقتصار عليه يترك أصل المسألة بلا مخاطَب. والأسئلة المؤجَّلة معروفة: هل يستقيم العدل مع هذا الألم؟ وما موقع المرأة حين تُقرأ النصوص خارج تراكم قرون؟ وكيف نتحدّث عن الجسد والرغبة والحبّ بلغةٍ لا تنتج العار؟ ومن أين يأتي المعنى إن لم يأت من هناك؟ هذه أسئلةٌ لم تنل حقّها من الجدّية، لا في خطاب المدافعين ولا في خطاب المغادرين.
ويقوم خامساً على التوثيق وقابلية التحقّق. أن تكون المسالك مرتّبة ومصادرها ظاهرة وأدلّتها مبوّبة، بحيث يستطيع الباحث أن يتتبّع الطريق بنفسه لا أن يُسلّم بنتيجته. فالعرض المنظّم للمسلك — مع مقابله ونقده — أبلغ من أيّ ردٍّ مباشر، لأنّه يمنح القارئ أدوات الحكم بدل أن يمنحه الحكم.
ويقوم أخيراً على قبول نتيجة لا يقبلها خطاب الحراسة: أن يخرج القارئ أحياناً بغير ما خرجتُ به أنا. فمن لا يحتمل هذا الاحتمال لا يكتب بحثاً، بل يكتب دفاعاً؛ والفرق بينهما يظهر في السطر الأوّل، ويشعر به القارئ قبل أن يبلغ الأخير.
موقع الكتابة
ويبقى أن يُقال إنّ هذا الموقف ليس بدعةً ولا التماساً لمنزلةٍ بين المنزلتين. فالمراجعة النقدية لدعوى احتكار العقلانية جرت في الغرب نفسه، ومن داخل فضاءاتٍ لا تُتّهم بالتحيّز الدينيّ: من نقد تيري إيغلتون للإلحاد الجديد، وهو ماركسيّ ذو صلة معقّدة بالتراث المسيحي لا مدافع عن الدين، إلى تحوّل هابرماس نحو ما سمّاه المجتمع ما بعد العلمانيّ واعترافه بأنّ المضامين الأخلاقية للدين لا تُستنفد في ترجمةٍ دنيوية كاملة، إلى إعادة قراءة تشارلز تايلور لنشأة العصر العلمانيّ بوصفها تحوّلاً في شروط الإيمان لا انتصاراً للعقل على الخرافة. والمشترك بينهم أنّهم فكّكوا سرديّةً اختزلت تاريخ الفكر في معركةٍ بين نورٍ وظلام. وهذا هو الموقع الذي أكتب منه: لا موقع المدافع الذي يخشى على عقيدته، ولا موقع القاطع الذي حسم أمره سلفاً، بل موقع من يرى أنّ السؤال أثمن من أن يُترك لأيّ من الطرفين.
الرهان
أمّا الرهان في نهاية المطاف فبسيط، وإن كان تنفيذه شاقّاً: أنّ جانباً مهمّاً ممّا يُبعد الناس عن الدين اليوم لا يعود إلى قوّة الحجّة المقابلة وحدها، بل إلى ضعف الأسئلة والأجوبة التي تُقدَّم إليهم باسمه. وأنّ إعادة فتح الأسئلة الكبرى بأمانةٍ ورويّة، دون خوفٍ ودون تهويل ودون احتكارٍ للعقلانية من أيّ طرف، أجدى وأبقى من ردٍّ مُحكمٍ على خصمٍ لم يُحسن أحدٌ الإصغاء إليه.
وليس هذا كلّه دعوى نظرية. فقاعدة بيانات مسالك البحث في وجود الله منشورة ومتاحة على الموقع god-database.com، وفيها تُعرض المسالك — الفلسفية والكلامية والعلمية والأخلاقية والوجدانية — مرتّبةً موثّقة، كلُّ مسلكٍ بصيغته القويّة، وباعتراضاته وردودها، وبمصادره التي يمكن للقارئ أن يعود إليها بنفسه، دون أن يُساق إلى نتيجةٍ قبل أن يقطع الطريق.
على أنّ حدود القاعدة يجب أن تكون واضحة، ولا سيّما بعد ما تقدّم. فهي معنيّة بمستوى واحدٍ من المسألة، هو مستوى مسالك النظر في وجود الله، وغرضها إصلاح طريقة تناول هذا المستوى لا الادّعاء بأنّه يستوعب الظاهرة كلّها. وهي لا تزعم أنّ البرهان يعالج أسباب الخروج الأخلاقية والسياسية والوجودية، ولا أنّ من غادر لجرحٍ يعود بجدول. تلك الأسئلة الأخرى — العدل والألم، والمرأة، والجسد، والمعنى — مجالُ هذه السلسلة وما يليها، والقاعدة إحدى أدوات المشروع لا المشروع نفسه.