من المستغرب أن تتابع صفحة أستاذة جامعية متخصصة في “الاتصال السياسي” ومحاضرة في معهد الصحافة وعلوم الإخبار، فلا تكاد تعثر طوال سنوات من التدوين على مقاربة واحدة جادة أو تحليل علمي رصين يمت بصلة لمجال اختصاصها. (أقول هذا وأنا أتابع صفحتها منذ 2011 وعلقت مرتين أو ثلاثة في عشر سنوات.)

بدلاً من ذلك، نجد أنفسنا أمام نموذج يعكس أزمة حقيقية في دور النخبة الأكاديمية في الفضاء العام، وذلك لعدة اعتبارات منطقية:

غياب المنهجية وطغيان السخرية

يحق لأي باحث أو مفكر أن ينتقد التاريخ أو يفكك الموروث الديني، فهذا جزء من حرية البحث. ولكن هناك فرق شاسع بين “النقد الأكاديمي” الذي يعتمد على الحجة والتحليل التاريخي الرصين، وبين “الاستفزاز المجاني” الذي يعتمد على لغة الشارع، السخرية الفجة، واستخدام ضحكات التويتر والإيموجيات كبديل عن الحجة. الشكل الثاني ليس نقداً، بل هو تسطيح مُقنَّع بادعاء التنوير.

مفارقة التخصص والواقع

أستاذة الاتصال السياسي التي يُفترض أن تُشَرِّح لنا واقع الإعلام التونسي التعيس، وتفكك ظواهر التضليل الإعلامي، وتنتقد انحدار مستوى الصحافة (التي يتخرج ممارسوها من تحت يديها)، تختار الصمت المطبق تجاه صميم مهنتها.

المفارقة أن “خبيرة الاتصال” تفشل في أبسط قواعد الاتصال الجماهيري: وهي احترام ذكاء المتلقي وتأسيس حوار بناء.

معارك سطحية وانصراف عن الجوهر

عندما تطل علينا بصفتها المهنية، لا يكون ذلك للاحتفاء بإنجاز بحثي لأحد طلبتها، أو لتقديم ورقة علمية جديدة، بل غالباً ما يكون لتسجيل مواقف سطحية، مثل التنديد الغاضب بمن كتب صفتها (أستاذ) بدلاً من (أستاذة). هي معارك شكلية لا تعكس عمقاً أكاديمياً بقدر ما تعكس رغبة في استعراض هوية أيديولوجية أمام جمهور افتراضي محدد.

الاستثمار في الاستفزاز بدل التنوير

المثقف الحقيقي يطرح الأسئلة ليفتح آفاقاً جديدة للتفكير، بينما نرى هنا كتابات تقتات حصرياً على تسفيه الآخر ومحاولة صدمته بأي ثمن لتحقيق تفاعل (Engagement) فايسبوكي رخيص. هذا ليس تنويراً، بل هو ارتهان لـ”ترند” الصدام الأيديولوجي الذي لا يقدم للمجتمع أي قيمة مضافة.

لذلك كله، قد يكون الخيار الأذكى أمام هذا النوع من الطرح هو التجاهل التام. فصاحبة هذا الخطاب اختارت أن تتخلى عن جبتها الأكاديمية الرصينة لتلبس ثوب “الترول” (Troll) أو الذباب الفايسبوكي، والرد على هذا الأخير لا يزيده إلا انتعاشاً.

الرد على المغالطات حول عائشة زوجة النبي

حين نصحت في كلامي السابق بتجاهل استفزازات سلوى الشرفي، لم يكن هذا من باب العجز عن الرد على مغالطاتها وإنما إدراكاً لكون الرد على العبث يعطيه أحياناً حجماً لا يستحقه.

ومع ذلك، وحتى لا يُساء فهم خيار التجاهل ويُعتبر تسليماً بصحة ادعاءاتها أو هرباً من المواجهة، سأتوقف عند هذا المنشور استثناءً. ليس منحاً له قيمة لا يستحقها، بل لجعله حالة دراسية نُفكك من خلالها هذا الحجم من التشويه المتعمد والتسطيح المخل بالتاريخ. ردي هذا هو مجرد إثبات لوقائع تاريخية موثقة لا أكثر.

وسأرد هنا على كلامها متجاوزاً لغة “المقاهي” التي استخدمتها، ومعتمداً على التحليل الموضوعي والتدقيق التاريخي البسيط الذي عجزت، أو تعمدت العجز، عن القيام به:

1. مغالطة “العقم” وإلغاء الحقائق البيولوجية والتاريخية

ادعت أن السيدة عائشة “عاقر مثل كل ضراتها”. هذا الخطأ المادي بمفرده يسقط أهلية أي باحث. فمن المعلوم بالضرورة، والموثق في كل المراجع التاريخية، أن النبي محمد أنجب من السيدة خديجة ستة أبناء (القاسم، عبد الله، زينب، رقية، أم كلثوم، وفاطمة)، وأنجب من مارية القبطية (إبراهيم).

كيف لأكاديمية أن تلغي وجود سبعة أبناء بجرة قلم وتدعي عقم جميع الزوجات فقط لتمرير سردية ساخرة؟ هذا ليس نقداً، هذا تزوير لبيانات تاريخية أساسية.

2. اختزال الصراعات الجيوسياسية في “عقد نفسية”

تصوير “موقعة الجمل” — وهي واحدة من أعقد الأزمات السياسية في التاريخ الإسلامي المبكر والتي تداخلت فيها عوامل اغتيال الخليفة عثمان، وتمرد الأمصار، وغياب الاستقرار المؤسسي — على أنها مجرد نتيجة لـ “قلق 50 سنة عزوبية” ورغبة في تصفية حسابات شخصية تافهة، هو تسطيح ساذج.

المفارقة هنا أن الكاتبة التي تدعي تبني الفكر التقدمي أو النسوي، تستخدم أسوأ القوالب النمطية ضد المرأة، باختزال دورها التاريخي والسياسي في “الغيرة” و”الكيد” و”الفراغ العاطفي”.

3. حادثة الإفك واختلاق العداوات السببية

الادعاء بأن علي بن أبي طالب “اتهمها بالزنا” هو قراءة مشوهة ومقتطعة. المصادر التاريخية تجمع على أن علياً لم يتهمها، بل قدم نصيحة سياسية وعملية للنبي في خضم أزمة اجتماعية وإعلامية آنذاك قائلاً “النساء سواها كثير”، وهو موقف براغماتي خالص، وليس اتهاماً مباشراً بالباطل. توظيف هذا المقطع لبناء “عداء وجودي” مزعوم بين علي وعائشة هو إسقاط لأيديولوجيا طائفية لاحقة على حادثة سياقها مختلف تماماً.

4. أسطورة “الحفرة” ونهاية السردية الخيالية

تختم الأستاذة “بحثها” بادعاء أن عائشة “ماتت موتة شنيعة في حفرة عملها معاوية”. هذه الرواية لا توجد في أي مرجع تاريخي معتمد، بل هي من خرافات بعض المصادر الهامشية جداً التي يرفضها محققو التاريخ من كل التوجهات.

والثابت تاريخياً أنها توفيت بشكل طبيعي في المدينة المنورة سنة 58 هـ ودُفنت في البقيع. الاعتماد على قصص خرافية لبناء موقف نقدي هو إفلاس منهجي كامل.

الخلاصة

المشكلة هنا ليست في نقد التاريخ الديني، بل في “أدوات النقد”. عندما يتحول أستاذ الاتصال السياسي إلى مجرد حكواتي (العجيب أنها تحتفي في صفحتها بمهرّجين أمثال حسن بن عثمان) يعتمد على ضحكات افتراضية ومصطلحات شعبوية لتفكيك أحداث غيرت مجرى التاريخ، فنحن لسنا أمام فكر تنويري، بل أمام شعبوية أكاديمية أشد خطورة من الشعبوية العادية لأنها تستعير هيبة اللقب الجامعي دون أن تستعير منهجيته.

ختاماً: من المثير للشفقة حقاً أن الكاتبة تُكرس جُلّ مناشيرها لمحاولة إثبات وجود “عقد نفسية” في النبوة، والقرآن، والبيت النبوي، والصحابة، وتراث الفقهاء. لكن القراءة المتأنية لهذا الهوس المستمر والتركيز المرضي على نفس الزاوية، تثبت العكس تماماً؛ وتؤكد بمبدأ “الإسقاط النفسي” الذي تدرّسه — أو يفترض أنها تدرّسه — أن المشكلة في المرآة لا في الصورة.

والمؤسف حقاً في هذا المشهد، أن الانتماء للحرم الجامعي، والاختصاص الأكاديمي، وتعلم وتعليم “المنهجية العلمية”، لم تكن كافية لعلاجها من هذه العقد أو حتى لتهذيب أسلوبها. بل تحول الفضاء الافتراضي لديها إلى واجهة علنية لتفريغ أزماتها الداخلية، متوهمة أنها تمارس النقد، بينما هي في الحقيقة تمارس الاسقاط.