في مثل هذا اليوم (29 أوت) من سنة 1966 نُفّذ حكم الإعدام في المفكّر والأديب والشاعر ومفسر القرآن، سيد قطب.
ستون سنة كاملة مرّت، ولم يهدأ الرجل في قبره ولا في وعينا. لا يوجد مفكر عربي في القرن العشرين اجتمع عليه هذا القدر من التقديس وهذا القدر من التجريم في آن واحد. ما يزال كتابه يُقرأ في المساجد ويُصادر في المطارات. وما يزال اسمه يُستدعى في خطبة الجمعة وفي محاضر التحقيق معا. وهذه المفارقة وحدها تكفي لتبرير العودة إليه: فالرجل الذي لا يموت في ذاكرة أمة هو الرجل الذي لم تُنجز معه محاسبة فكرية صادقة، لا تكفيرا ولا تبجيلا.
وأنا أكتب هذا النص من موقع من قرأ في شبابه بشغف، تفسير الظلال وجميع كتب سيد قطب بلا استثناء، ثم عاد إليها بعد عشرين سنة من العمل الدعوي والفكري بعين أخرى.
وهذا الفارق بين القراءتين هو موضوع المقال.
أولا: ما يُحسب له
جاء سيد قطب إلى الفكر الإسلامي من باب الأدب لا من باب الفقه، وهذا ما منحه حساسية نادرة. كتاباه “التصوير الفني في القرآن” و”مشاهد القيامة في القرآن” أعادا للنص القرآني بُعده الجمالي بعد قرون من التعامل معه بوصفه مدوّنةَ أحكام، أو ميدانًا للإعراب النحوي. كان يقرأ القرآن كما يُقرأ العملُ الفني العظيم: بالحس، بالإيقاع، بالصورة. وهذا إنجاز حقيقي كان له فيه قصب السبق. وبالمناسبة: لعل كثيرين لا يعرفون أن سيد قطب هو الذي انتبه مبكرا إلى موهبة نجيب محفوظ وقدّمه للقراء، في زمن لم يكن أحد يراه.
في كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” سنة 1949، فعل سيد قطب شيئا نادرا: أخرج الفقر من دائرة القدَر إلى دائرة المسؤولية. فطرح الاستغلال والإقطاع وتحالف رجال الدين مع أصحاب الثروة بوصفها قضايا دينية لا اجتماعية فحسب. وكان ذلك قبل موجة الأدبيات الإسلامية الاقتصادية بعقود، وقبل أن تتحول العدالة إلى شعار محفوظ في البيانات. من يقرأ ذلك الكتاب اليوم يجد فيه حسا اجتماعيا يساريا صريحا، وغضبا أخلاقيا على التفاوت، لا يزال أصدق من كثير مما كُتب بعده.
أما نقده للحضارة الغربية، في “أمريكا التي رأيت” وفي غيرها، لم يكن كله انفعالا ساذجا. فيه بصيرة سبقت أدبيات ما بعد الاستعمار: أن التبعية الثقافية أخطر من الاحتلال العسكري، وأن الاستهلاك يمكن أن يكون شكلا من أشكال الاستلاب، وأن المجتمع الذي يعرف كل شيء عن الإنتاج ولا يعرف شيئا عن الغاية مجتمع في أزمة. هذا كلام يقوله اليوم نقاد غربيون كثر، وقاله قطب في الخمسينيات.
ثم هناك ما لا يستطيع أي خصم أن ينزعه منه: الثمن. رجل عُرض عليه أن يكتب كلمة استرحام فيخرج حرا، فرفض. قال جملته المعروفة عن أن “الإصبع التي تشهد لله، لا تكتب كلمة تُقرّ بحكم طاغوت”. يمكن أن نختلف مع كل حرف كتبه، ولكن لا يمكن أن ننكر أنه دفع ثمن كلامه من عنقه، في زمن باع فيه كثير من أقرانه قناعاتهم بأقل من ذلك بكثير. هذا الصدق الشخصي هو المفتاح الحقيقي لفهم سلطته على أجيال متعاقبة: الناس لا تتبع الأفكار فقط، بل تتبع الأفكار التي دُفع ثمنها.
وأخيرا تفسيره “في ظلال القرآن”. مهما قيل في منهجه، فهو نص ذو حرارة استثنائية، أعاد وصل النص بالوجدان، وخاطب أجيالا وجدت في المدونة التفسيرية التقليدية بردا معرفيا لا يُشبع ظمأها. ملايين قرأوه فوجدوا فيه غذاء روحيا حقيقيا، وليس من الأمانة أن نتجاهل ذلك ونحن ننتقده.
ثانيا: أين يبدأ الخلل
الخلل عند قطب ليس في التشخيص، بل في الجهاز المفاهيمي الذي بناه للخروج من المرض. لقد شخّص أزمة حقيقية، ثم وصف لها دواء صار أفتك من الداء.
1- “الحاكمية” أوّلا
استورد سيد قطب هذا المفهوم في صيغته المكتملة من أبي الأعلى المودودي، وهو في جوهره مفهوم سياسي حديث أُلبِس لباسا قرآنيا. فالحاكمية بوصفها صفة إلهية أمر لا يختلف فيه مسلمان. لكن تحويلها إلى معيار سياسي يُقاس به إسلام المجتمعات مثّل نقلة أخرى تماما. وحين نتذكر أن كلمة “إن الحكم إلا لله” هي بعينها الشعار الذي رفعه الخوارج في وجه علي بن أبي طالب، وأن جوابه كان “هي كلمة حق يراد بها باطل”، ندرك أن المشكلة ليست في الآية القرآنية، بل في الوظيفة التي تُحمَّل إياها. فالحاكمية عند قطب صارت معيارا مطلقا لا يستطيع أي اجتماع بشري واقعي أن يستوفيه. ومعيارٌ لا يستطيع أحدٌ استيفاءه لا يكون معيارا للإصلاح، بل يصبح آلةً لإدانة الجميع.
2- ثم الجاهلية
في كتابه “معالم في الطريق”، يعلن قطب أن المجتمعات القائمة كلها جاهلية، بما فيها تلك التي تسمي نفسها إسلامية. ودافع عنه كثيرون بأنه لم يكفّر الأعيان، وهذا صحيح نصا. لكنّ المنطق البنيوي للمفهوم لا يترك مَخرجا: إذا كان المجتمع جاهليا، والجاهلية نقيض الإسلام، فماذا يكون أهل هذا المجتمع؟ استخرج تلاميذ سيد النتيجة التي امتنع أستاذهم عن التصريح بها، ولم يكونوا مبدعين أو منحرفين حين فعلوا، بل كانوا منطقيين.
والمشكلة الأعمق أن الجاهلية عنده مفهوم وجودي لا تحليلي. فهي عنده جاهلية لا تقبل التدرج، ولا تقبل الدرجات، ولا يمكن اختبارها أو نفيها. لا يوجد في “جاهلية” سيد قطب مجتمعٌ نصفُ جاهلي أو مجتمع ناقصُ الإسلام أو مسلم عاص. والمفهوم الذي لا يقبل التدرج لا يصلح أداة لتحليل الاجتماع البشري، لأنه لا يصف واقعا متدرجا بطبيعته. بل هو لا يصلح إلا لشيء واحد: الفرز.
3- وهنا يأتي المفهوم التالي “الطليعة” و”العزلة الشعورية”
المفارقة الكبرى في مشروع قطب أن ألد أعداء الغرب استورد من الغرب أكثر أشكاله السياسية شمولية: جماعة مؤمنة مختارة، تنفصل عن المجتمع الفاسد شعوريا ثم عمليا، تحفظ نقاء العقيدة، ثم تعود إليه لتقوده. هذا هو الحزب الطليعي اللينيني بحذافيره، مصبوغا بمعجم قرآني. البنية واحدة: أقلية واعية تحتكر تمثيل الحقيقة في مواجهة جماهير غارقة في الوعي الزائف. أي أن سيد قطب غيّر المفردات، ولم يغيّر الهندسة.
4- ثم “المنهج في التعامل مع النص”
وضع سيد مفهوما جديدا هو “القراءة الحركية” للقرآن. وهي قراءة، كما بشّر بها، تقطع الصلة بالتراكم التفسيري والأصولي: بأسباب النزول، بفقه المآلات، بقواعد الاستنباط، بتاريخية الخطاب، وبالمدرسة الفقهية التي راكمت أربعة عشر قرنا من الاحتياطات. كتب سيد “الظلال” في معظمه بلا وساطة هذا التراث. وليس أدلّ على هذا الانزياح من المقارنة بين طبعتي التفسير نفسه: طبعة أولى غلب عليها التذوق الأدبي والوجدان الروحي، وطبعة ثانية منقحة كُتبت في ظلال السجن (خاصة في سور كالأنعام ويونس والتوبة)، أُعيد فيها حقن الآيات بالمفاهيم الصدامية للمنظومة الحركية، ليتحول التفسير من تأمل قرآني إلى بيان أيديولوجي. والنتيجة أن القارئ صار يملك طريقا مباشرا من الآية إلى الفعل، بلا انضباط منهجي بينهما. ولم يكن قطب أول من فعل ذلك، لكنه فعله بلغة جميلة ومؤثرة وحارة، وهذا بالضبط ما جعله خطيرا: الخطأ المنهجي حين يُكتب بلغة رديئة يموت، وحين يُكتب بلغة عظيمة يُورَّث.
ويضاف إلى ذلك غياب شبه كامل لفقه الواقع وفقه المآلات. فلا نظرية في الدولة، ولا تصور للانتقال، ولا اقتصاد سياسي، ولا فقه للعيش المشترك، ولا طرح لمعضلات المواطنة في مجتمع متنوع دينيا وثقافيا واجتماعيا، ولا جواب عن سؤال اليوم التالي. المشروع كله تشخيص لفساد شامل وواجب تغيير عاجل، بلا أي أداة للتغيير المتدرج. وحين تُلغى أدوات التدرج نظريا، لا تبقى إلا أداة واحدة عمليا. هذه ليست مصادفة في التلقي، بل نتيجة مبرمجة في البنية.
ثالثا: مسألة المسؤولية
يبقى السؤال الأصعب: إلى أي حد يتحمل قطب مسؤولية ما بُني على كلامه؟
السلسلة التي توارثت فكر سيد قطب معروفة ولا تحتمل إنكارا: شكري مصطفى وجماعة المسلمين، صالح سرية وتنظيم الفنية العسكرية، ثم محمد عبد السلام فرج في الفريضة الغائبة، ثم تنظيمات الجهاد والجماعة الإسلامية، ثم القاعدة، وأيمن الظواهري الذي اعترف صراحة في “فرسان تحت راية النبي” بأن قطب كان الشرارة، وصولا إلى داعش التي أخذت ثلاثية الحاكمية والولاء والبراء والتكفير إلى نهايتها المنطقية القصوى.
والإنصاف يقتضي القول إن قطب لم يكتب دليلا عملياتيا لأحد من هؤلاء، وإن السلسلة تمر أيضا عبر قنوات أخرى: فتاوى ابن تيمية في سياقها المغولي وقد اقتُلعت من سياقها، والإرث السلفي في تعريف التوحيد، وقبل ذلك كله وحشية الدولة نفسها التي صنعت بالتعذيب ما لم يصنعه كتاب، كما وثّقته القاضي العراقي عبود الشالجي في “موسوعة العذاب” (7 مجلدات)، ودراسات الباحث العراقي هادي العلوي في “تاريخ العذاب في الإسلام”.
لكن الإنصاف يقتضي أيضا القول الآخر: المفكر مسؤول أيضا عن الأدوات التي يضعها في التداول، لا عن نواياه فقط. والدفاع الدائم بأنه أُسيء فهمه يَسقط حين يصير سوء الفهم منهجيا ومتكررا وباتجاه واحد على امتداد ستين سنة، وعشرات التنظيمات، وأربع قارات. المفهوم الذي يُساء فهمه دائما في الاتجاه نفسه فيه خلل بنيوي، لا في قرّائه فقط.
وهنا الملاحظة التي أراها الأهم: معظم محتوى “معالم في الطريق” كُتب في سجن ليمان طرة، تحت التعذيب، بعد مجزرة السجن الحربي سنة 1957. أي أن النص “وثيقة حالة قصوى”: أقلية مطاردة في دولة تعذيب.
والخطأ المؤسس أن قطب حوّل هذه الحالة الاستثنائية، إلى لاهوت دائم للعالم كله.
وخطأ أتباعه أنهم ظلوا يقرأون نص السجن، بعد أن خرجوا من السجن.
خاتمة
المفارقة الأخيرة في مسيرة سيد قطب أنه أراد تحرير العقل المسلم من الوصاية، فأنتج إطارا انتهى إلى أقسى أشكال الوصاية: طليعة تقرر من هو المسلم.
وأنا أزعم أن تفكيك قطب لا يكتمل بتبرئة من أعدمه. فالدولة التي عذبته وشنقته هي شريكة كاملة في إنتاجه، لأنها منحت أطروحته أقوى برهان ممكن: قال إن السلطة جاهلية طاغوتية، فردت عليه بالمشنقة فأثبتت له دعواه أمام أجيال. ومن يستعمل نقد قطب اليوم ذريعةً لتبييض الاستبداد إنما يعيد إنتاج الشروط نفسها التي أنتجته.
حين نقرأ سيد قطب اليوم، فإن قراءته تقتضي عملية فرز دقيقة: أن نفصل “القارئ الجمالي للقرآن” عن “منظّر المفاصلة”، و”صاحب العدالة الاجتماعية” عن “صاحب الحاكمية”، و”الرجل الذي رفض أن يستعطف جلاّده” عن “النظام الفكري الذي أنتج جلاّدين آخرين”.
لا نجرّمه ولا نقدّسه. وإنما نقرأه كما يُقرأ منعطف: بوصفه سؤالا لم يُحسم بعد في ضمير هذه الأمة.
رحم الله سيد قطب.