ثمة أرقام لا يراها أحد سواي. حين أنشر نصًّا أنفقتُ في تحضيره ما أنفقت، تأتيني خلال ساعات عشرات الإشارات: إعجاب، ومشاركة، وتعليق مقتضب بكلمتين. ثم أنظر في الأرقام الأخرى، تلك التي لا تظهر للعموم خلف واجهات التفاعل البراقة: كم مستخدمًا فتح الرابط فعلًا؟ كم بقي على الصفحة زمنًا يسمح بالقراءة؟ كم تجاوز العنوان والفقرة الأولى؟ كم وصل إلى الخاتمة؟ فأكتشف أن المسافة بين “إشارة التفاعل” وبين “فعل القراءة” سحيقة، وأن الإعجاب وقع على العتبة الخارجية للنص دون أن يعبر صاحبه إلى داخله.
أكتب هذا لا لأشكو، بل لأضع إصبعي على نسق رقمي وسلوكي يتسع باطّراد، وأظنه أخطر مما نتصور. ظاهرة لم تعد تطال العامة وحدهم، بل صارت سمةً بارزة تسود أوساط النخبة والمثقفين قبل غيرهم.
المعرفة المعطَّلة على رفوف الشاشات
في موسوعة god database وضعتُ زبدة عمل استنزف مني سنوات من البحث والجمع والترتيب والمقارنة، وأزعم أنها أثمرت كنزًا معرفيًا للشباب وللباحثين. والأمر نفسه ينطبق على موقعي الشخصي وكتبي المطبوعة والرقمية، التي تطرقتُ فيها لمئات الأفكار بمنهجية عالية الدقة. لكنّي لم أضع هذه المشاريع لتكون واجهات تعريفية بي أو علامات حضور شخصي، بل مادةً قابلة للقراءة والفحص والاعتراض والبناء عليها. وهذا بالضبط ما يجعل تعطيلها مؤلمًا: ليست المسألة إهمال شخصٍ، بل تعطيل معرفةٍ.
ثم رأيت عشرات اللايكات على فايسبوك، ولم أرَ أحدًا تقريبًا تصفّح الأقسام، أو فتح فيشة، أو قرأ مقالًا إلى نهايته. الإعجاب حاضر، والقراءة غائبة. والموسوعة، والموقع، والكتب، تُعامَل كأيقونات للزينة الرقمية، لا كأدوات للبحث والتحصيل: يُحتفى بإطلاقها كحدث عابر، ثم يُهجَر مضمونها فلا تكاد تقربه عينٌ قاصدة، ليتحول الجهد المعرفي إلى أثرٍ محفوظ، لا إلى معرفةٍ مفعّلة.
والمشكلة هنا لا تكمن في غياب الزوار أو الأرقام الخام (مثلا: خلال الشهر الأخير: الموقع الشخصي حقق 450 زيارة، وموسوعة وجود الله حققت 560 زيارة)، بل في نمط الحركة داخل الموقع: حضور سريع، وبقاء قصير، وغياب شبه كامل عن الصفحات التي تحمل المادة المعرفية الفعلية. الحضور على العتبة، والغياب عن الداخل.
الإعجاب بوصفه أداة لتبرئة الذمة
هذا العزوف المستتر خلف أقنعة التفاعل ليس سلوكًا فرديًا عابرًا، بل نمطٌ جمعيّ تحوّل تدريجيًا إلى قانون يحكم الفضاء الرقمي. استحال “الإعجاب” طقسًا اجتماعيًا ومجاملةً آليةً تُؤدّى على عجل، والهدف الحقيقي منها ليس تقدير المعرفة، بل تبرئة الذمة من واجب القراءة.
والأدقّ أن هذه التبرئة مزدوجة: نضغط الزر لنقول للآخرين إننا مع المعرفة ومع النص الجادّ، ونقوله لأنفسنا قبلهم. يطمئن القارئ ضمنيًا إلى أنه “دعم المحتوى الجادّ”، وأنه “ليس من جمهور التفاهة”، وأنه شارك في الفعل الثقافي — مع أنه لم يقرأ سطرًا. وهكذا يصير الإعجاب حيلةً نخدع بها ضمائرنا، لا جسرًا نعبر به إلى الفكرة. لم نغادر موضعنا، ولم نمنح النص زمنه، ولم نسمح لفكرة واحدة بأن تربك وعينا أو تضيف إليه.
هندسة التشتيت وسلعنة الانتباه
بيد أن إلقاء اللوم على الأفراد وحدهم تبسيطٌ مخلّ؛ إذ ثمة بنية تقنية كاملة تستثمر هذا الضعف وتضخّمه. والمنصات لا تصنع الكسل المعرفي من العدم، لكنها تلتقط قابليةً موجودة فينا — حبّ السرعة، والكسل الإدراكي، والبحث عن الاعتراف، والخوف من الجهد — ثم تحوّلها إلى نموذج اقتصادي مربح.
صُمّمت الشاشات بعناية لتكافئ السلوك البصري السريع والتمرير اللانهائي، فينفد التركيز قبل الوصول إلى الفقرة الثانية من أي نص جاد. وتتكفل الخوارزميات — المدرَّبة على إبقائنا في دائرة الإدمان — بمعاقبة المحتوى الطويل والمعمّق بالحجب والتقييد. وبناءً على هذه الهندسة، استبدلت الثقافة المعاصرة عمق المعرفة بسرعة الاطلاع؛ فصرنا نعرف عناوين كل شيء ولا نسكن مضمون أيّ شيء بما يكفي. والأخطر: أن التظاهر بالمعرفة صار أيسر من تحصيلها؛ إذ يكفي أن تضع إشارة إعجاب على رابط كتاب لتبدو قارئًا له، دون أن تفتح صفحة واحدة منه.
حين ينسحب الكاتب أيضًا
والأخطر من عزوف القرّاء أن المثقفين والكتّاب أنفسهم انساقوا إلى المنطق ذاته. فبعد أن كان الكاتب يحتمي بعمقه ولو خسر جمهوره، صار كثيرٌ منا يقيس قيمة ما يكتب بعدد الإعجابات ومدى الانتشار. فلماذا يُنفق أسابيع في مقالٍ تحليليّ مُحكَم لا يقرؤه أحد، ما دامت تدوينة عابرة أو عبارة لاذعة تحصد أضعاف تفاعله؟
وهكذا انزلق بعض أهل الفكر إلى التخفّف من الكتابة الجادّة بالحجج نفسها التي يسوقها القارئ المتعب: ضيق الوقت، وقلّة العائد، وإرهاق المعركة الخاسرة. فاستبدلوا التحليل بالخاطرة، والبرهان بالشعار، والبناء المتدرّج بالومضة سريعة الاشتعال سريعة الانطفاء. وكلما تنازل المنتِج للسوق، ضمر العرض الجادّ، فضمر معه ذوق القارئ الذي يتغذّى عليه، في حلقةٍ يأكل بعضها بعضًا. والمسؤولية على من يحمل القلم أثقل: إن لم يصمد الكاتب على عمقه، فمن يبقى ليصنع ما نطالب الناس بقراءته؟ تسطيح المنتِج أخطر من كسل المستهلِك، لأنه يجفّف المنبع نفسه.
ولكن لماذا نقرأ أصلًا؟
قد يقول قائل: ولماذا أُثقل عقلي بقراءة طويلة وأنا غارقٌ في هموم لا تنتهي؟ الدراسة تطحنني، والشغل يستنزفني، والبيت له حسابه، والشارع والمجتمع يضيفان إلى الحمل حملًا. من أين آتي بصبرٍ على نصٍّ جادّ وأنا بالكاد أصبر على يومي؟
وهذا اعتراضٌ صادق، لكنه يقلب المعادلة. فالقراءة ليست عبئًا يُضاف إلى أعبائك، بل هي المساحة الوحيدة تقريبًا التي تستردّ فيها عقلك من ضجيج كل ذلك. حين تقرأ نصًّا عميقًا بصبر، فأنت لا تجمع معلومات فحسب؛ أنت تُدرّب انتباهك على التماسك في زمنٍ يُفتِّت الانتباه، وتُعيد إلى ذهنك القدرة على المكوث والتسلسل والربط — وهي القدرة نفسها التي ستنفعك في دراستك وعملك وفهمك لمن حولك.
والأهمّ أن القراءة في القضايا الكبرى — معنى الوجود، والمصير، والإيمان، والموت، وموقع الإنسان من هذا العالم — ليست ترفًا تؤجّله إلى يوم تهدأ فيه الهموم. بل هي تحديدًا ما يمنح تلك الهموم معنى يُحتمَل. فالتعب بلا أفق يسحق، أما التعب الذي يعرف صاحبه لماذا يتعب فيتحوّل إلى طاقة. النصوص التي تُلامس أسئلتك الوجودية لا تُلغي ضيقك اليومي، لكنها تضعه في سياق أوسع منه، فلا يبقى الإنسان أسير لحظته الضيقة، يدور في طاحونة العمل والبيت والشارع دون أن يرفع رأسه ليسأل: إلى أين؟ ولماذا؟
ثم إن القراءة المنهجية الطويلة تمنحك ما لا يمنحه الاطلاع السريع أبدًا: عمقًا تُميّز به الغثّ من السمين، وحصانةً ضد من يتلاعب بوعيك، وصوتًا داخليًا يفكّر بدل أن يُكرّر ما لُقِّن. القارئ الحقيقي أصعب خداعًا، وأقدر على مواجهة الإحباط، لأنه لا يستمدّ معناه من اللحظة العابرة، بل من رصيدٍ أعمق راكمه في صمت. وفي زمنٍ يُراد فيه للإنسان أن يكون مستهلِكًا سريعًا، تصير القراءة آخر حصونه ليبقى إنسانًا يفكّر.
القراءة بوصفها فعل مقاومة
ما أتمناه، في النهاية، ليس تفاعلًا أكثر، بل قراءةً أصدق. لا أطلب من القارئ أن يضغط زرًا إضافيًا، بل أن يستعيد عادةً مهدَّدة: أن يدخل إلى النص لا أن يحييه من بعيد. أن نستعيد فعل القراءة بوصفه مقاومةً واعية ضد التسطيح، لا إشارةً لا تُسمن ولا تُغني.
كسر هذه الحلقة المفرغة بسيط في صورته، عسيرٌ في تطبيقه: أن نقتطع من وقت الشاشة المستنزَف مساحةً لنصٍّ واحد في الأسبوع — لي أو لغيري، فالأمر سيان — نقرؤه بصبر، ونفكّك أفكاره، ونختلف معه إن شئنا، أو نهدمه بحجة. فالاشتباك المعرفي المبني على قراءة أكرم ألف مرة من تضامنٍ بارد لم يقرأ صاحبه سطرًا.
والأبواب مشرعة: الموسوعة، والموقع، والكتب، وسائر الأعمال — رقميةً ومطبوعة. لا تطلب تزكيةً عابرة ولا مجاملةً رقمية، بل شيئًا أندر وأثمن: قارئًا يفتح الصندوق، فيعيد إلى المعرفة وظيفتها، وإلى النص حياته.