﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِماؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾

هذه الآية ليست تعليقًا عابرًا على شعيرة الأضحية، بل ضربة في صميم تصور ديني موغل في القدم: أن الإنسان قادر على أن “يعطي” الله شيئًا.

تاريخ القرابين عند البشر كان يقوم غالبًا على منطق تبادلي شبه تجاري: الإنسان يقدّم شيئًا ثمينًا، والآلهة ترد عليه بمطر أو نصر أو غفران. علاقة مصالح، لا علاقة وعي.

لكن القرآن يهدم هذا المنطق من جذره في جملة واحدة: الله خارج دائرة الحاجة أصلًا. وكل عبادة تتأسس على فكرة “إفادة الله” هي عبادة مضطربة في تصورها قبل أن تكون مضطربة في ممارستها.

فأين القربان إذن؟

القربان الحقيقي ليس ما يخرج من الذبيحة، بل ما يخرج من الإنسان نفسه. الذبح هنا ليس اختبارًا لقدرته على سفك الدم، بل اختبار لقدرته على التحرر من وهم التملك.

فالإنسان بطبيعته يحول ما يملك إلى امتداد لذاته: مالي، أرضي، مشروعي، ذبيحتي، إنجازي… حتى تصير الأشياء جزءًا من هويته، يخاف فقدانها كما يخاف فقدان نفسه.

ثم تأتي الأضحية لتقول له بهدوء: ما تعتبره “ملكك” ليس مقدسا في ذاته، ويمكن أن تتخلى عنه دون أن تنهار.

لهذا ربطت الآية القربان بالتقوى، لا بالطقس ولا بالكمية ولا بنوع الأضحية. لأن التقوى ليست خوفًا غامضًا من غيب، بل وعي بمكان الإنسان الحقيقي في الكون: أن القيمة الأخلاقية أعلى من القيمة المادية، وأن القرب من الله لا يُقاس بما سال من الدم، بل بما استقام في الضمير.

اللحم مادة، والدم حياة، لكن التقوى موقف وجودي.

الدم يثبت أن الذبح وقع، أما التقوى فتثبت أن الإنسان تغيّر.

وحتى في قصة إبراهيم، لم يكن الله يريد من إبراهيم أن يقدّم ابنه، بل أراد أن يُحرّر الوعي الإنساني من فكرة بدائية: أن التقرّب إلى المقدّس يمرّ عبر إزهاق النفس. ولو كان الدم مقصودًا لذاته لتمّ الذبح فعلا. لكن القصة انتهت بالفداء، لا بالدم؛ معلنةً نهاية عهد القرابين البشرية، وبداية معنى آخر للقربان: أن يقدّم الإنسان طاعته الواعية، لا دمه ولا دم غيره.

غير أن أخطر ما في الطقوس أنها قد تتحول إلى وسيلة جديدة لعبادة الذات. يذبح الإنسان، ثم يتباهى بما ذبح. يوزّع اللحم، ثم يطلب الاعتراف. يقترب من الشعيرة، لكنه لا يقترب من المعنى.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل ذبحتَ الأضحية، أم زدتَ بها حجم الأنا؟

فالآية لا تلغي الذبح، لكنها تمنعه من أن يكون غاية في ذاته. تنقله من كونه فعلًا يقع على جسد الحيوان، إلى كونه امتحانًا يقع داخل الإنسان.

ولهذا تبدو الآية وكأنها تهمس في أذن كل من يقترب من المذبح:

الله لا يقيسك بما تذبح، بل بما تكسره داخلك أثناء الذبح.