في الحديث النبوي:
يَقُولُ ابنُ آدَم: مَالي! مَالي! وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدمَ مِنْ مالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟
رواه مسلم.
الحديث يفكك وهم المِلكية ويعيد تعريفها:
ما في يدك الآن ليس مِلكاً، بل أمانة عابرة. ما ستفارقه حتماً لا يكون جزءاً من رصيدك الدائم. رقم في حساب، وطعام في مخزن، وثوب في خزانة — كلها في طريقها إلى الزوال، أو إلى وارث يقول عنها «مالي» بدوره.
ما أخرجته من يدك هو وحده ما صار مِلكاً لك حقاً. لأنه انتقل من الحيازة الهشة إلى الأثر الثابت.
وتأمل دقة الألفاظ:
- أكلت فأفنيت — استهلاك ينتهي بالفناء.
- لبست فأبليت — استعمال ينتهي بالبِلى.
- تصدقت فأمضيت — إنفاذ وإثبات لا يُمحى.
الفعلان الأولان يقترنان بالتلاشي، والثالث يقترن بالإثبات. البلاغة نفسها تحمل الحُجة.
والحديث تفريع على أصل قرآني حاسم: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
الرؤية القرآنية تنزع عن الإنسان صفة المالك الأصلي وتثبت له صفة المستخلَف: المال مال الله، والإنسان وكيل عليه لا صاحب له. التعبير القرآني «مال الله الذي آتاكم» يجمع في جملة واحدة حقيقة الحديث كله: النسبة إلى الله ملكية حقيقية، والنسبة إليك عارية مؤقتة.
وهنا تتضح فلسفة الإنفاق: حين تتصدق فأنت لا تتبرع من جيبك، بل تُعيد جزءاً من أمانة إلى مصارفها التي أرادها المالك الأصلي. لهذا كان الجزاء مضاعفاً: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ — فسمى العطاء قرضاً لله، لأن المال ماله ابتداءً، والعائد إليك انتهاءً.