من الأحاديث النبوية التي تعجبني، وأرى فيها جوهر رؤية النبي (ص) للدولة:
مَنْ أصبَحَ مِنكُم مُعافًى في جَسَدِه، آمِنًا في سِربِه، عِندَه قوتُ يَومِه، فَكَأنَّما حيزَت له الدُّنيا بحذافيرِها.
رواه البخاري في “الأدب المفرد” والترمذي في “السنن”.
حديث، رغم إيجازه، يرسم تعريفًا دقيقًا لـ”الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية”، وهو تعريف يسبق بقرون ما تصوغه اليوم مواثيق الحقوق الأساسية. حين نقرأه في ضوء مسؤولية الدولة، نجده يحدّد ثلاثة أعمدة، لا رفاهيات بل شروطاً لوجود إنساني كريم.
الأمن في السرب — العمود الأول
“السرب” هو المسكن والحيّز الخاص والمجال الذي يتحرك فيه الإنسان بلا خوف.
الأمن هنا ليس مجرد غياب الحرب، بل شعور المواطن بأنه محميّ في بيته وطريقه ومعتقده وكلمته. حين يخاف الإنسان من السلطة نفسها التي يُفترض أن تحميه، ينهار هذا العمود من داخله.
مسؤولية الدولة الأولى إذن ليست أن “تمنح” الأمن كمنّة، بل أن تكفّ أولاً عن أن تكون هي مصدر الخوف، ثم تحمي الفضاء الذي يعيش فيه الناس.
العافية في الجسد — العمود الثاني
الصحة هنا شرط لممارسة الحياة نفسها، لا امتياز يُشترى. في القراءة المعاصرة، هذا يترجَم إلى حقّ في الرعاية الصحية، وفي بيئة لا تُمرِض، وفي عمل لا يستهلك الجسد.
الدولة التي تترك صحة مواطنيها رهينة قدرتهم الشرائية تكون قد صادرت أحد الأعمدة الثلاثة.
قوت اليوم — العمود الثالث
لاحظ الدقّة: “قوت يومه”، لا ثروة ولا فائض. الحديث يضع سقف الكفاية عند الكفاف الآمن المستقرّ، لا عند الغنى. وهذا يحرّر مفهوم الكرامة من منطق التكديس، ويربطه بالطمأنينة: أن يعرف الإنسان أن رزق يومه وغده ليس مهدَّداً.
مسؤولية الدولة هنا اقتصادية-أخلاقية: أن تضمن ألا يسقط أحد تحت خط الكفاف.
⸻
وقوله (ص) “فكأنما حيزت له الدنيا” هو المفتاح. فالدنيا كلها بثرواتها ومباهجها تُختزل قيمتها في هذه الأمور الثلاثة البسيطة. من امتلكها امتلك جوهر ما يسعى إليه البشر.
وهذا نقد ضمني عميق لأيّ نظام يَعِد مواطنيه بالعظمة والمجد والمشاريع الكبرى بينما يعجز عن تأمين هذا الحدّ الأدنى.
المشروعية الحقيقية لأيّ دولة لا تُقاس بضخامة إنجازاتها الرمزية، بل بعدد مواطنيها الذين يستيقظون آمنين، معافين، مطمئنين على قوتهم.
وحين تتحقق هذه الثلاثة، لا يبقى للدولة أن “تعطي” شيئاً آخر جوهريًا؛ فقد أعطت لمواطنيها الدنيا كلها.