هل يأثم تارك الجمعة؟ قراءة في الاجتماع والفرض والوعيد

كنتُ خطيب جمعة. ووقفتُ على المنبر سنوات، وعرفتُ من داخله قيمة الاجتماع حين يكون ذكرا وتعليما وبناءً.. كما عرفتُ المسافة بين هذه الوظيفة وبين خطب تُطالب الناس بالإنصات ولا تعطيهم ما يستحقّ الإنصات.

وما أكتبه هنا موقف ديني، لا تخفّف من الدين. ولا هو دعوة إلى هجر المسجد، ولا انتقاص من واجب. وإنما هو رفضٌ لأن يتحوّل حضور مؤسسة يديرها بشر إلى مقياس لعلاقة الإنسان بربّه.

وأقول رأيي من البداية، لأنّ تأخيره إلى آخر الكلام نوع من المداورة.


ما أقوله بالضبط

بداية، أميّز بين أمرين يجب عدم الخلط بينهما:

الأول: أنّ المسلم لا يجب عليه دِينًا أن يستمع إلى خطبة لا فيها ذكر ولا تعليم ولا تزكية. فوجوب الإنصات نظامٌ يحمي وظيفة الخطبة، وليس كلّ ما يُقال من المنبر واجبَ الاستماع لمجرّد أنه قيل من المنبر.

الثاني: أنّ صلاة الجمعة اجتماع ديني مشروع، ونافع حين يحقّق مقصده، وحضوره فضيلة ومشاركة في حقّ الجماعة.. ولكنّه ليس فريضة عينية يأثم تاركها بمجرّد الترك. فمن أدّى صلاته الراتبة ولم يستخفّ بالدين ولم يهجر ذكر الله، ثم اختار ألّا يحضر الجمعة، فلا حرج عليه.

ثم، هناك أمران أريد توضيحهما قبل الدخول:

1- حكم صلاة الجمعة هو مسألة دخلت الفقه مختلَفا فيها، لا مُجمَعا عليها. فرتبة الوجوب نفسها منقول فيها ثلاثة أقوال: سنّة، وفرض كفاية، وفرض عين. ثم استقرّ التدوين المذهبي على فرض العين، فصار المستقرّ يُتلقّى بعد ذلك كأنّه الأصل الذي لم يكن غيره.

2- رأيي لا يقوم على نصّ يقول “الجمعة ليست واجبة” — فلا نصّ كذلك — بل يقوم على مسألة من يشمله الوعيد ومَن لا يشمله.

وأنا هنا لا أفتي لأحد، ولا أزعم أنّ من حضر الجمعة واعتقد فرضيّتها مخطئ في تديّنه. أنا فقط أبيّن موقفي الديني الذي لا يلزم غيري.


1- متى نقول عن إنسان إنه آثم؟

هناك سؤالان يُخلط بينهما دائما:

الأول: هل الجمعة مطلوبةً، مندوب إليها، نافعة للجماعة؟ وجوابي: نعم، بلا تردّد.

والثاني: هل يأثم المسلم عند الله بمجرّد أن لا يحضرها؟

والسؤال الثاني ليس تفصيلا في الأول. هو حكم على علاقة الإنسان بربّه، وعلى ما يُحاسب عليه. وهذا أثقل ما يقوله فقيه في حياته.

وأنا لا أشترط دليلا قطعيا لكلّ حكم. والمقصود بالقطعي: الدليل الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا، ولا يختلف فيه اثنان. فالفقه كلّه تقريبا يعمل بما هو دونه — أي بالمعنى الأرجح بين معانٍ محتملة. ومن اشترط اليقين التامّ في كلّ واجب فقد ألغى الفقه. وليست هذه طريقتي.

لكنّ الإثم شيء آخر. فالذي أطلبه فيه أن يكون الدليل راجحا في ثلاثة أمور:

  • في تعيين الفعل الذي يترتّب عليه الإثم: ما هو بالضبط؟ الغياب؟ أم الاستخفاف؟
  • في تحديد المخاطَب به: من هو المقصود بالوعيد؟
  • في شمول الحالة التي نتنازع فيها: هل حالتنا هذه داخلة فيه فعلا؟

فإذا ثبت أصل الطلب، وبقي الشكّ جدّيا في أنّ مجرّد الغياب هو الذي يترتّب عليه الإثم، لم يصحّ أن نُنزل الوعيد على كلّ غائب بلا تمييز.

وبعبارة واحدة: لا يُنزَّل الإثم على حالةٍ لم يترجّح دخولها في النصّ.

والغياب عن الجمعة — في حالة الرجل الذي يؤدي الصلوات اليومية ويذكر الله ولا يستخفّ بالجماعة — لم يترجّح دخوله في دائرة الإثم عندي. وأسباب ذلك أربعة، أفصّلها في مواضعها، وأجمعها هنا لتكون واضحة:

  1. أنّ الوعيد في الأحاديث النبوية (سنوردها لاحقا) معلّق صراحة على كلمة “تهاونا بها”، وهي وصف لموقف نفسي، لا لواقعة غياب. (القسم 6)
  2. أنّ العتاب في سورة الجمعة نازل على من حضروا ثم انفضّوا إلى التجارة، لا على غائب. (القسم 5)
  3. أنّ شروط وجوب الجمعة متنازع فيها بين الفقهاء تنازعا واسعا: من اثنين إلى ثمانين. (القسم 7)
  4. أنّ هذا تكليف لا يقدر الفرد على أدائه بنفسه، ولا يُطالب بقضائه إن فاته، بل يعود إلى الظهر. (القسم 7)

فهذه أسباب حكمي، لا مجرّد دعوى منّي. وهي موضع الخلاف بيني وبين الجمهور: هم يرون الأدلّة كافية لإشغال ذمّة الفرد، وأنا لا أراها كذلك. والخلاف إذن ليس في ثبوت النصوص، بل في مقدار ما تحمله.


2- ما جوهر العبادة؟ الشعائر محطّات تزوّد، لا غايات

قبل الدخول في الأدلّة، أضع الأساس الذي أبني عليه كلّ ما بعده. فهو مقدّمة لا نتيجة، ومن لم يقبله لن يقبل شيئا مما يليه.

شخصيا، أعتبر أنّ الصلاة أداة مساعِدة على العبادة، وليست هي العبادة كما هو مشهور الآن. وكذلك سائر الشعائر.

ولستُ أقول إنّ الشعيرة لا قيمة لها في ذاتها، ولا إنّ من أدّاها بغير أثر لم يُؤدِّ شيئا. وإنما أقول إنّ النصّ نفسه لم يجعلها غاية مغلقة على نفسها، بل ربط قيمتها بما تُحدثه: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}. وذمّ أداءها حين ينفصل عن الإخلاص والمعاملة: {فَويْلٌ لِّلْمُصَلينَ ﴿4﴾ الَّذِينَ همْ عَن صَلَاتِهِم سَاهُونَ ﴿5﴾}.

ولننتبه إلى دقّة هذا التعبير: الويل هنا ليس للتاركين، بل للمصلّين. فالأداء الصحيح شكلا لم يعصمهم من الذمّ، لأنّ الوظيفة انتفت. فالنصّ نفسه يفرّق بين صحّة الأداء ونجاحه.

الشعائر محطّات تزوّد

وأزيد الأمر وضوحا: أنا أعتبر الشعائر كلّها محطّات تزوّد دورية. خمس مرّات في اليوم، ومرّة في الأسبوع، وشهر في السنة، ومرّة في العمر.

وهذا التدرّج ليس اعتباطا. فما يُعاد بانتظام إنما يُعاد لأنّ أثره ينفد. وكلّما كان الأثر أسرع نفادا كان التزوّد أكثر تكرارا. فالغاية لا تُستهلك ولا تُجدول؛ وإنما يُجدول المدد.

والحجّ وحده يكفي شاهدا: لو كانت الشعيرة هي العبادة، لكان الحاجّ قد أدّى عبادته مرّة واحدة في حياته كلّها. وهذا لا يقوله أحد. فلم يبقَ إلا أنّ النسك محطّة، وأن العبادة هي المسار الممتدّ بعدها.

وفي النصّ ما هو أصرح:

{لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ منكُمْ} — الحج: 37

فالفعل الطقسي لا يصل؛ الذي يصل هو الحال الناشئ عنه. ثم قال بعدها: {وَمَن يُعَظِّمْ شعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تقْوَى الْقُلُوبِ} — فجعل الشعيرة من التقوى، أي بعضها ودليلها، لا هي هي. وقال في الحجّ: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِي عَنِ الْعَالَمِينَ}. فالغنى المطلق يقطع أن تكون الشعيرة حاجةً إلهية؛ فهي إذن زاد للسالك، لا قربانا يحتاجه المعبود.

وليست هذه شواهد متفرّقة، بل نسق مطّرد: فما شرّع القرآنُ شعيرةً إلا وذكر لها ما تُحدثه. الصلاة {تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}، والصيام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}، والزكاة {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِيهِم بِهَا}، والحجّ {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم}، والذكر {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. ومن شُرع لغاية منصوصة فهو أداة إليها، وإلا كان ذكر الغاية لغوا.

وهذا المعنى له في القرآن باب: الاستعانة

فالآية تقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، ولم تقل: واعبدوا الله بالصبر والصلاة. ولننتبه إلى القرين: فالصبر ليس شعيرة ولا طقسا، بل حالٌ نفسي معين على الفعل. فقرن الصلاة به يضعها في رتبة العون على الأمر، لا في رتبة الأمر نفسه. والتمييز بين البابين تمييز قرآني: {إِيَّاكَ نعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

ثم يأتي ما هو أصرح: فالقرآن يعطف الشعيرة على العبادة، والعطف يقتضي المغايرة:

{فَاسْجُدوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} — النجم: 62

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} — الحج: 77

فلو كان السجود هو العبادة بعينها، لكان العطف تكرارا لا فائدة فيه. وآية الحجّ ترتّب ثلاث رتب في نسق واحد: ركوع وسجود ← عبادة الربّ ← فعل الخير.

فالعبادة إذن أوسع من الشعيرة: هي السلوك الإصلاحي والتعمير الاجتماعي وفق سنن الله. والشعيرة مدخل إليها وزاد لها.


3- وجوب الإنصات ووظيفة الخطبة

يعتقد كثيرون أنّ وجوب الإنصات مطلق: كلّ ما يُقال من المنبر واجب الاستماع لمجرّد أنه قيل من المنبر.

وهذا خطأ في فهم طبيعة الحكم.

وجوب الإنصات نظام وظيفي: هو يحمي الخطبة في أداء مهمّتها — الذكر والتعليم والتزكية. فإن انتفت الوظيفة، أو ضعفت إلى حدّ لا يُعدّ ذكرا ولا تعليما، فقد انتفى أو ضعف ما يُبرّر إلزام الإنصات.

ولنقرّب المعنى بمثال: الصمت مفروض في قاعة الدرس لأنّ ثمّة درسا يُلقى. فإن صعد المنبرَ من لا يُلقي درسا، فالصمت المطلوب لم يعد يحمي شيئا. وليس الإنصات تعظيما لشخص الخطيب، ولا للمكان، ولا لمجرّد ارتفاع الصوت.

وهذا ليس قولا غريبا. فالفقهاء أنفسهم اشترطوا في الخطبة أن تتضمّن ذكرا لله وصلاة على النبي ووعظا للمسلمين، وبعضهم (الشافعية والحنابلة) قالوا إنّ الخطبة تبطل أو لا تُجزئ إن خلت من هذه الأركان.

وهنا موضع الحجّة: فإن كانوا يشترطون في الخطبة محتوى لكي تصحّ، فقد أقرّوا بأنّ الوجوب مرتبط بالمحتوى لا بمجرّد الشكل. أي أنّ المبدأ الذي أقوله مقبول عندهم أصلا؛ والخلاف بيني وبينهم في مقداره لا في أصله: هم جعلوا الحدّ الأدنى شكليّا يُكتفى فيه بألفاظ معدودة، وأنا أقول إنّ الحدّ الأدنى يجب أن يكون وظيفيّا: أن يحصل ذكر أو تعليم أو تزكية بالفعل.

ومن هنا قلت في البداية: المسلم لا يجب عليه دِينًا أن يُنصت إلى خطبة لا فيها ذكر ولا تعليم ولا تزكية. ووجوب الإنصات نظامٌ يحمي وظيفة الخطبة، وليس كلّ ما يُقال من المنبر واجبَ الاستماع لمجرّد أنه قيل من المنبر.


4- الخطبة النبوية: 500 خطبة جمعة مفقودة. كيف نفسر غيابها في كتب الحديث؟

ثمّة ملاحظة لافتة في كتب الحديث: أنّ خطب النبي (ص) الأسبوعية — على افتراض حصولها — لم يصلنا منها ما يتناسب مع عددها وتواترها.

يُفترض أن النبي (ص) خطب كلّ جمعة طوال عشر سنوات في المدينة — أي ما يزيد على خمسمئة خطبة — ولم يصلنا من مجموع خطبه كلّها (جمعةً وغيرَ جمعة) سوى نحو خمسين، أكثرها مرويّ بصيغة “خطب فينا رسول الله فقال” — أي أنه وقف فيهم وخاطبهم واعظا — ولا يوجد في نصوصها ما يدلّ على أنها خطب جمعة إلا واحدة أو اثنتان. وما وصل منها يبدو منتزعا أو منقّحا أو مجزّأ.

في حين أنّ بعض تفاصيل الهيئة — طول الخطبة وقصرها، وطريقة الجلوس، والعصا، وأثر الخطبة في الوجوه — منقولة بوفرة.

وهذا التفاوت يحتاج تفسيرا.

حجّة تفاوت، لا حجّة غياب

لدينا مدوّنة نقلت مئات الآلاف من الروايات، وبلغت في تدقيقها أن نقلت لون خضاب النبي (ص)، وعدد شعرات شيبه، وصفة نعله، وما كان يحبّ من الطعام، وتفاصيل خصومات بين آحاد الناس. فإذا كانت آلة النقل بهذه الحساسية، ثم لم يبلغنا منها متنٌ أسبوعي منتظم صادر عن النبي (ص) في أوسع اجتماع للجماعة — فالتفاوت هنا لا يُفسَّر بالإهمال.

وأزيد المفارقة وضوحا: فالعرب حفظوا الخطبة جنسا أدبيا قائما بذاته. فقد جُمعت خطب عليّ بن أبي طالب بعشرات المتون، وحُفظت خطب الولاة والخطباء في كتب الأدب بوصفها نماذج في البلاغة. فالخطبة إذن ممّا يُحفظ، والشحّ في خطب النبي (ص) وحده هو الشاذّ.

وهنا المفارقة التي تستوقفني: لو كانت هناك خطب جمعة منتظمة يحضرها عشرات أو مئات المسلمين، لكانت ثروة علمية هائلة للمحدثين. فهم يكونون أمام مئات المواد المتواترة التي لا يدخلها شكّ ولا ريب في النقل، بدل إنفاق الأعمار في تتبع أحاديث الآحاد التي صارت أكبر معضلة في التراث الفقهي.

فكيف يتركون تدوينها بهذا الشكل المخلّ؟ أليست خطبة النبي (ص) كانت ستكون “خطاب الأمّة” الأسبوعي — فيه التثقيف والتربية والسياسة والبلاغ، وبيان ما هو هامّ واستراتيجي؟

ولست أتّهم المحدّثين بتقصير، فقد بذلوا جهدا إنسانيا استثنائيا في ظروف بالغة الصعوبة. ومن يفعل ذلك كلّه لا يُفرّط في كنز متواتر إلا لأنّه لم يجده.

فالسؤال ينتقل إلى الجماعة الأولى

لماذا لم يكن هناك ما يُوجَد؟

والذي أرجّحه أنّ الاجتماع لم يكن “خطبة” بالمعنى المؤسسي المتأخر. لا متنا معدّا، ولا شكلا ثابتا، ولا ركنا مرتّبا على الصلاة. بل كان مجلس تذكير يُقال فيه ما تقتضيه الحال، ثم ينتهي بانتهاء حاله.

فلم يكن ثمّة متنٌ ليُحفَظ. لا لأنّ الجماعة لم ترَ قيمة في كلام النبي (ص) — وهي التي نقلت صفة نعله — بل لأنّ الشيء الذي نتصوّره نحن اليوم متنا، لم يكن قائما في صورته تلك أصلا.

ولا أُغلق احتمالين آخرين، وأذكرهما بصراحة:

الأول: أنّ الاجتماع لم يكن دوريا بالانتظام الذي نتصوّره اليوم، وأنّ الدورية المؤسسية استقرّت بعد جيل النبوّة.

والثاني: أنّ ما كان منه غُيّب بفعل سياسي، حين تحوّل المنبر مبكّرا إلى أداة للبيعة والولاء والخصومة.

ولا أرجّح واحدا منهما، ولا أنفيهما. والنتيجة التي تعنيني ثابتة على الاحتمالات الثلاثة جميعا:

أنّ صورة الخطبة بوصفها “خطاب الأمّة” الأسبوعي — منبرَ التثقيف والسياسة والبيان الاستراتيجي — لا يسندها المحفوظ من التراث. وأنّ ما تراكم حولها من إلزام وهيبة أكبر ممّا نملك عليه شاهدا من أصلها.

فالإنصات نظام يحمي وظيفة، لا قداسةٌ لمضمون.


5- النصّ القرآني في سورة الجمعة

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} — الجمعة: 9

ولن أنازع في ظاهر الآية: فيها طلبُ سعيٍ لا شكّ فيه. ومن قال إنّ “اسعوا” أمرٌ بالإتيان فقد قال الظاهر، ولا أكابره فيه.

وإنما أنازع في أمرين:

الأول: أنّ الآية عيّنت المقصود بالسعي: {إلى ذكر الله}. لا إلى المؤسسة بذاتها، ولا إلى المكان، ولا إلى الشخص. فالمطلوب معلّق بغايته، على ما بيّنته في القسم 2.

الثاني — وهو الأهمّ: أنّ الطلب شيء، والإثم عند تركه شيء آخر. فليس كلّ ما طُلب فِعلُه يأثم تاركه. والقرآن يطلب أشياء كثيرة لم يقل أحد إنّ تاركها آثم. فالانتقال من “افعل” إلى “من لم يفعل فهو آثم” انتقال يحتاج دليلا زائدا، لا يكفي فيه صيغة الأمر وحدها. وهذا هو محلّ النزاع كلّه، وهو ما أعالجه في القسم التالي.

ثم:

{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} — الجمعة: 10

أي أنّ الفضاء المدني ليس منقطعا عن الصلاة بل متصل بها، وأنّ النشاط بعدها لا يُذمّ بل يُطلب. وهذا بيان لوظيفة الاجتماع في تنظيم الحياة الجماعية، لا تكليف بعبادة فردية مستقلّة.

ثم العتاب القرآني المعروف:

{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} — الجمعة: 11

والمعاتَبون هنا ليسوا غائبين. هم حضروا ثم انفضّوا.

وهذه ملاحظة حاسمة، لأنّ هذه الآية هي أشهر ما يُستدلّ به على تأثيم المتخلّف، مع أنّ موضوعها ليس التخلّف أصلا. فالآية عتاب على انفضاض بعد حضور — أي على تقديم التجارة على الذكر في لحظة حضوره — لا على غياب ابتدائي. ومن استدلّ بها على إثم كلّ غائب فقد وسّع نطاق الخطاب إلى ما لم يشمله.


6- الأحاديث وكلمة “تهاونا”

أشهر ما يُستدلّ به: حديث مسلم عن ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة، وفيه:

“لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ”

وحديث ابن ماجه وغيره:

“من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه”

وفي رواية: “تهاونا بها”.

وهذه الكلمة — “تهاونا” — ليست زيادة تفسيرية من الشرّاح، بل هي في بعض الروايات جزء من الحديث نفسه. وهي وصف لموقف نفسي: التهاون هو الاستخفاف بالشيء وعدم الاكتراث به، لا مجرّد الغياب الموضوعي.

فالوعيد معلّق على التهاون، لا على الغياب المجرّد. والفرق دقيق لكنّه جوهري في مسألة الإثم:

  • من غاب لأنه مستخفّ بالدين، تارك للذكر، ساعٍ في الدنيا وحدها — يصدق عليه الوعيد.
  • من غاب وهو يصلّي ويذكر الله وله موقف ديني جادّ — فلا يترجّح دخوله في “التهاون”.

فلا يجوز توسيع وعيدٍ ورد في “المتهاون” ليشمل كلّ تارك، مهما كانت نيّته وحاله وأداؤه لسائر العبادة.

وأضيف قراءة سياقية لا أزعم قطعيّتها: أنّ حديث مسلم يتحدّث عن “أقوام” بصيغة تتعلّق بظاهرة جماعية تهدّد المؤسّسة، وأنّ الانسحاب من الاجتماع العامّ في مجتمع ناشئ كان يحمل معنى فكّ الارتباط بالجماعة السياسية والدينية، لا مجرّد الغياب عن موعظة أسبوعية. والنصّ نفسه يقرن الترك بالغفلة والطبع، وهي أوصاف موقف من الجماعة والدين، لا توصيف آليّ لكلّ غياب.

الاعتراضان الأقوى على هذا القسم

وأنا لا أقفز عليهما، بل أضعهما كما يضعهما الخصم:

الاعتراض الأول: لفظ “من غير عذر”. فيقال: الحديث نفسه عيّن المستثنى، وهو صاحب العذر. فمن لم يكن معذورا دخل في الوعيد، ولا حاجة إلى تعليقه بحال نفسية اسمها “التهاون”.

وجوابي: أنّ الروايتين مجتمعتان لا متعارضتان. فرواية “من غير عذر” تنفي العذر الحسّي (مرض، سفر، خوف)، ورواية “تهاونا بها” تصف الباعث على الترك. ولو كان مجرّد انتفاء العذر كافيا لإنزال الوعيد، لكانت زيادة “تهاونا” لغوا لا فائدة فيه. والأصل في كلام النبي (ص) ألّا يكون فيه لغو. فحمل الروايتين على أنّ إحداهما تنفي المانع الخارجي والأخرى تصف الحالة الداخلية هو الجمع الذي يُعمِل اللفظين معا، بدل إهمال أحدهما.

الاعتراض الثاني: حديث أبي داود. وهو أصرح نصّ في الباب:

“الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض”

وفيه لفظ “واجب” منصوصا، وفيه حصر المستثنَين في أربعة. فيقال: هذا يقطع النزاع.

وجوابي من ثلاثة أوجه:

أوّلا: الحديث موقوف عند كثير من أهل العلم، وفي رفعه كلام معروف. وأنا لا أبني على تضعيفه، لأنّ منهجي ليس البحث عن مخرج إسنادي.

ثانيا — وهو الأهمّ: الحديث يقول “واجب”، ولا يقول شيئا عن الإثم. وهذه هي المسافة التي أشتغل فيها من أوّل المقال: أن يكون الشيء مطلوبا لا يستلزم بالضرورة أن يكون تاركه آثما عند الله. والنصّ ساكت عن الوعيد، والوعيد إنما جاء في النصوص الأخرى مقيّدا بـ”التهاون”.

ثالثا: أنّ الحديث نفسه شاهد لي من حيث لا يُراد. فهو يقول: “على كلّ مسلم في جماعة”. فعلّق الوجوب بوجود الجماعة، أي بتحقّق الشرط الخارج عن إرادة الفرد. وهذا هو عين ما أقوله في القسم 7: أنّ هذا تكليف مشروط بالبنية، لا تكليف مطلق في ذمّة الفرد.

وقرائن التفريق: متى يكون الترك اجتهادا ومتى يكون تبريرا؟

هنا يجب أن أقول شيئا مهمّا، لئلّا يُساء استعمال كلامي:

ليس كلّ من سمّى تركه “اجتهادا” خرج من التهاون. فالعبرة ليست بالدعوى اللفظية، بل بمجموع الحال:

  • أيحافظ الرجل على صلاته؟
  • أيقوم له ذكر وتعليم وتزكية بديلة، أم أنّ الترك ترك للوظيفة كلّها؟
  • أموقفه ناشئ عن نظر جادّ أم عن كسل يبحث عن غطاء؟
  • أيستخفّ بالجماعة ويحتقر أهلها، أم يعترف بقيمتها ولا يرى حضورها واجبا عليه؟
  • أيتألّم من غياب المؤسسة عن وظيفتها، أم يستريح لذلك؟

فهذه قرائن يُفرَّق بها بين الاجتهاد الديني وبين التبرير النفسي.


7- بنية الحكم الفقهية: شروط، وبديل، وعدم قضاء

هذا القسم تقنيّ، لكنّه يحمل ثلاثة من أسبابي الأربعة. وسأبسّطه ما استطعت.

أولا: الشروط متنازع فيها تنازعا واسعا

ولا أنازع في أصل الوجوب عند الجمهور. وإنما أنقل النظر إلى الشروط، وهي أرض لا يُنازع في الاختلاف فيها:

  • العدد الذي تنعقد به الجمعة: اثنان؟ ثلاثة؟ اثنا عشر؟ أربعون؟ ثمانون؟
  • شرط المصر والاستيطان: هل تنعقد في القرية أم لا بدّ من مدينة؟
  • شرط السلطان أو إذنه.
  • تعدّد الجوامع في البلد الواحد: أيجوز أم لا؟
  • أركان الخطبة وأدنى ما يجزئ منها.
  • من تلزمه: فتسقط عن المرأة والمسافر والمملوك والمريض.

والحجّة هنا ليست أنّ الاختلاف يُبطل الحكم — فالاختلاف واقع في كلّ أبواب الفقه. الحجّة أدقّ من ذلك:

ففرضٌ تتباعد فيه المذاهب هذا التباعد في شروط انعقاده ومَن يلزمه، ليس معطى نصّيا بسيطا محسوما. هو بناء اجتهادي مركّب فوق نصّ موجز. ولا يلزم من ذلك نفي أصل الوجوب عندهم، وإنما يلزم منه أنّ الصورة المؤسسية التفصيلية ليست من القطعي الذي يُقدَّس.

وبعبارة عملية: الرجل الواحد قد يكون آثما في مذهب، غيرَ آثم في مذهب آخر، بحسب عدد الحاضرين في بلده أو صفة بلده أو إذن سلطانه. فكيف يكون مناطُ الإثم عند الله متعلّقا بمسألة لم يُحسم فيها العدد ولا المكان ولا الإذن؟

ثانيا: الجمعة ليست صلاة سادسة

هذه نقطة تبدو تقنية، لكنّها تغيّر محلّ النزاع كلّه.

الجمعة لا تُضاف إلى الصلوات الخمس. هي تحلّ محلّ الظهر لمن حضرها. ومن لم يحضرها صلّى ظهرا. وهذا ما قرّره الفقهاء أنفسهم: أنّ من فاتته الجمعة لا يقضيها جمعة، بل يُصلّي ظهرا أربع ركعات.

وهذا يعني أنّ محلّ النزاع ليس: هل تُصلَّى صلاة الوقت أم لا؟ فالرجل الذي أتحدّث عنه يصلّي الظهر.

محلّ النزاع هو: هل يُلزَم المسلم بصورة جماعية مخصوصة بدلَ الأصل — وهو الظهر — الذي يقدر على أدائه بنفسه؟

والفرق جوهري:

  • الصلوات الخمس: تكليف فردي يقدر عليه المكلّف بنفسه في كلّ حال، في أيّ مكان، ولو وحده.
  • الجمعة: تكليف جماعي يتوقّف على توافر شروط خارجة عن إرادة الفرد — العدد، والمكان، والإمام، والخطبة.

فمن لم تُقَم في بلده جمعة، صلّى ظهرا ولا إثم عليه. ومن كان في سفر، أو مرض، أو خوف — سقطت عنه بالإجماع. وهذا كلّه يدلّ على أنّ الوجوب مشروط بالقدرة على الأداء الجماعي، وليس كالوجوب الفردي المطلق.

ثالثا: وجوب لا قضاء فيه

ثمّة ملاحظة أصولية يُغفلها كثيرون. وأشرحها ببساطة:

الواجب المطلق — كالصلوات الخمس والصيام — يُقضى إن فات. من نام عن صلاة أو نسيها صلّاها حين ذكرها. من أفطر رمضان لمرض قضى أياما بعده. لأنّ الواجب بقي دَينا في ذمّته حتى يؤدّيه.

أما الجمعة — فلا تُقضى. من فاتته صلّى ظهرا، لا جمعة. وهذا مقرّر بالإجماع تقريبا.

والاعتراض المعروف هنا — وأذكره لأنّه أقوى ما يُردّ به: يقال إنّ هذه قاعدة عامة لا استثناء غريب، وهي أنّ الواجب المرتبط بوقت معيّن إذا خرج وقته لم يُقضَ إلا بأمر جديد. فلا غرابة إذن.

وجوابي: القاعدة صحيحة، وأنا لا أنكرها. لكنّها لا تُفسّر الحالة، لأنّ الصلوات الخمس مرتبطة بأوقات معيّنة أيضا، ومع ذلك تُقضى إجماعا. فالتوقيت وحده ليس هو الفارق.

الفارق الحقيقي أنّ الجمعة لها بديل يقوم مقامها في نفس الوقت — وهو الظهر. فالوقت لم يخلُ من العبادة، والذمّة لم تبقَ مشغولة. وهذا يُقرّ ضمنا بأنّ الجمعة تكليف بصورة جماعية في ظرف زماني محدّد، لا تكليف فردي بصلاة تبقى دَينا في ذمّة المكلّف.

وهذا هو الفرق بين “واجب على الجماعة أن تقيمه” و”واجب في رقبة الفرد لا يبرأ منه حتى يؤدّيه”.


8- ادعاء الإجماع

وأتوقّع أن يقال لي: كيف تخالف إجماعا؟

وجوابي في ثلاث نقاط:

الأولى: الاتفاق المنقول هو على أصل الطلب، لا على تأثيم كلّ غائب. وهذا تمييز جوهري: فأنا لا أنازع في أنّ الجمعة مطلوبة شرعا — قلتُ ذلك من أوّل سطر. وإنما أنازع في تنزيل الوعيد على من غاب وهو محافظ على دينه. وهذه مسألة أخرى لم يُنقل فيها إجماع بهذا الوضوح.

الثانية: أنّ الاختلاف الواسع في الشروط — من اثنين إلى ثمانين — يضعف دعوى الإجماع في الصورة لا في الأصل. فكيف يُدّعى إجماع على تفصيل لم يُتّفق على شروطه؟

الثالثة، وهي الأهمّ: أنّ رتبة الوجوب نفسها ليست محلّ اتفاق. فالمنقول في المسألة ثلاثة أقوال:

  • أنّها سنّة.
  • أنّها فرض كفاية — أي أنّ الواجب على الجماعة أن تقيمها، فإذا أقامها بعضهم سقط الطلب عن الباقين. وقد عزا الإمام الخطّابي هذا القول إلى أكثر الفقهاء، ومنهم الحسن البصري وابن المبارك.
  • أنّها فرض عين — أي واجبة على كلّ فرد بذاته، يأثم بتركها.

وفرق ما بين فرض العين وفرض الكفاية هو مدار المقال كلّه:

  • فرض العين يشغل ذمّة كلّ واحد بعينه، ولا يسقط عنه بفعل غيره.
  • فرض الكفاية يشغل ذمّة الجماعة، فإذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ولا يأثم من لم يباشره.

فمن قال بفرض الكفاية فقد قال — بلغة الفقه نفسها — إنّ الجمعة مؤسسة جماعية واجبة الإقامة، لا فريضة فردية يأثم كلّ متخلّف عنها. وهذا قريب جدّا من نتيجتي، وإن اختلف طريق الوصول.

وأكون دقيقا هنا: المذاهب الأربعة المدوّنة استقرّت على فرض العين على مستوفي الشروط، ولا أموّه ذلك ولا أدّعي غيره. لكنّ وجود القول الآخر منقولا عن طبقة معتبرة من الفقهاء يعني أنّ المسألة دخلت الفقه مختلَفا فيها، وأنّ من يخالف اليوم لا يخالف إجماعا مستقرّا منذ البداية، بل يخالف ما غلب بعد أن كان مختلَفا فيه.

(وأنبّه إلى أنّ نسبة القول بالسنّية إلى “عامة الصحابة والتابعين” تُنقل في بعض الكتب، وهي دعوى واسعة لا أعتمد عليها هنا، ولا أبني عليها شيئا.)


9- الشعائر لها تاريخ

من ظنّ أنّ الصلاة نزلت في أوّل يوم من البعثة بصورتها التي نعرفها — خمس صلوات، بأعداد ركعاتها، بأوقاتها، بأذانها ووضوئها — لن يفهم شيئا من مسار الجمعة.

الصلاة نفسها

ما تنقله كتب السيرة أنّ أوّل صلاة للنبي (ص) في مكة كانت ركعتين في أوّل النهار، وأنه كان هو وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرّقوا في شعاب مكة فرادى ومثنى فصلّوا العشيّ. وأنّ الأمر بقي كذلك — صلاتان في اليوم من ركعتين — مدّة طويلة من النبوة.

(والرقم المتداول في كتب السيرة هو اثنتا عشرة سنة، وهو مبنيّ على رواية ابن إسحاق، وتوقيت فرض الصلوات الخمس مختلف فيه. فأنا أنقله كما هو في كتب السيرة، ولا أبني عليه وحده حكما.)

فماذا كان يعبد المسلمون الأوّلون طوال تلك المدّة؟ كانوا يصلّون صلاتين، ويتلون القرآن، ويذكرون الله.

الشعيرةمتى استقرّتالشرط
صلاة ركعتين مرّتين في اليوممن أوّل البعثةأفراد مستضعفون، لا فضاء ولا أمن
الصلوات الخمس (ركعتين)قُبيل الهجرةجماعة متكوّنة
الجمعة (بمبادرة في يثرب)السنة 12 من البعثةأمن وفضاء وعدد في يثرب
زيادة ركعات الحضر والمغربالسنة 1 للهجرةاستقرار وتمييز بين حضر وسفر
الأذان (رؤيا صحابي)السنة 1 للهجرةمسجد مبنيّ وجماعة تحتاج نداءً
التفصيل القرآني للطهارةبعد الهجرةتشريع مكتوب لجماعة مستقرّة
الصيامالسنة 2 للهجرةجماعة قائمة لها نظام زمني
الزكاة بالأنصبة والجبايةالسنة 2 للهجرةمال وفقراء وجهاز يجمع ويوزّع
الحجّالسنة 9 (وفيه خلاف)استطاعة وسيطرة على مكة

وهذا التدرّج يقول شيئا واحدا بوضوح: أنّ صور الشعائر ليست معطى جاهزا نزل دفعة واحدة، بل تشكّلت في الزمن، واستقرّ كلّ منها حين صار في الجماعة ما يجعله يعمل.

ولا أستخرج من التدرّج وحده حكما على رتبة الشعيرة في الدين. فمن قال إنّ التأخّر كان تدرّجا تربويا وبناءً للقدرة على الامتثال فقوله متماسك، ولستُ أنازعه فيه.

وإنما الذي أستخرجه منه — وهو المهمّ لي — أنّ استقرار الصورة تزامن مع ظهور البيئة التي تُتيح لها أن تعمل. الاجتماع الأسبوعي ظهر حين وُجد أمن وعدد وفضاء في يثرب لم يكن متاحا في مكة. والزكاة بأنصبتها وجهازها ظهرت حين وُجد مال وفقراء وجهاز يجمع ويوزّع. والحجّ حين أمكن الوصول إلى البيت.

فما تشكّل في الزمن بحسب ما تحتاجه الجماعة وما تقدر عليه، يُفهم بحاجة الجماعة ووظيفته فيها، لا بمعزل عنهما. والصورة التي نتعامل معها اليوم كأنّها ثابتة أزلية هي في الحقيقة آخر محطّة في مسار.

وثمّة ملاحظة يراها كلّ قارئ للقرآن

أنّ القرآن لم يستوعب صورة الصلاة.

ليس معنى ذلك أنه أهملها إهمالا تامّا، فهو يذكر القيام والركوع والسجود والقراءة، والجهر والإسرار، والقبلة والطهارة، وأطرافا من الأوقات، وصلاة الخوف، والنداء إلى الصلاة.

لكن: لا ذكر ولو لمرّة واحدة لعدد الركعات، ولا لترتيب أفعال الصلاة، ولا نصّ للأذكار التي تقال داخل الصلاة، ولا ذكر حتى لعدد الصلوات صراحة بلفظ “خمس”.

وهذا في نصٍّ قرآني دقّق في الميراث بالكسور، وفي الدَّيْن وكتابته وشهوده، وفي العِدّة والطلاق والرضاعة، وفي أحكام الظهار واللعان والإيلاء. أي أنّ الغياب هنا ليس عن إيجاز عامّ في النصّ، بل هو انتقائي: فصّل في المعاملات، وأوجز في صورة الشعيرة.

فمن أين جاءت الصورة؟ من الممارسة النبوية، ومن نقل الجماعة، ومن اجتهاد الفقهاء في تفاصيلها. ولذلك اختلفوا فيها اختلافا واسعا: في البسملة، وفي القنوت، وفي وضع اليدين، وفي التسليم، وفي الجلسة، وفي القراءة خلف الإمام. وهذا الاختلاف يدلّ على أنّ تفاصيل الصورة لم تصل في نصّ واحد جامع مانع، بل نُقلت في أفعال وروايات متعدّدة اختلف الفقهاء في جمعها وترجيحها.

فمن قال إنّ الصورة ملزمة ببيان نبوي لا قرآني فقوله متماسك، ولستُ أنازعه فيه. وإنما أنازع في أن تُعطى الصورة من القدسية ما لم يعطها إياه النصّ نفسه، الذي صرّح بالمقصد، وترك تعيين الصورة للممارسة.

واختلاف الصور بين الشرائع

ولا أقول إنّ العبادة الجماعية لم تكن موجودة في النبوات السابقة، فهذه دعوى في تاريخ الأديان لا تُثبت من قصص القرآن وحدها، وهي منقوضة بأظهر ما يكون: فاليهودية عرفت السبت والاجتماع والمجامع والهيكل، والمسيحية الأولى عرفت الاجتماع والصلاة المشتركة. وفي القرآن نفسه ما يقطع ذلك: {واركعي مع الراكعين}.

وإنما الذي أقوله إنّ الصور تختلف بين الشرائع اختلافا بيّنا: سبتٌ لا جمعةٌ، وصوم صمت لا صوم طعام، وصلاة لا تشبه صلاتنا في هيئتها ولا عددها ولا وقتها. ويشهد له:

{لكلّ أمّة جعلنا منسَكا} — الحج: 67

{لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجا} — المائدة: 48

فالقرآن يُقرّ بأنّ الصور الشعائرية متعدّدة بتعدّد الأمم، وأنّ ذلك التعدّد مقصود ومجعول، لا نقص ولا انحراف. ومنطق ذلك:

إن كانت صورة الشعيرة مقدّسة في ذاتها، فلا معنى لتعدّدها بين الأمم؛ إذ المقدّس في ذاته لا يتبدّل. وإن كانت تتبدّل بجعل إلهي، فالمقدّس ليس الصورة، بل الغرض الذي تخدمه الصورة.

وقد يقال: الصور مختلفة بين الشرائع، لكنّها ملزمة داخل كلّ شريعة في زمنها. وهذا صحيح، وأقبله. وإنما في الآيتين ما يكفيني: أنّ الصورة ليست مقدّسة لذاتها، بل لما تؤدّيه في أمّتها.

إقامة الجمعة في يثرب قبل النبي

ومن المعلوم أنّ الجمعة أُقيمت في يثرب قبل وصول النبي (ص) إليها.

وقد نقل ابن سعد في “الطبقات” في ذلك روايتين:

  • الأولى: أنّ أوّل من جمع الناس للجمعة هو مصعب بن عمير — وهو رسول النبي (ص) إلى يثرب لتعليم المسلمين الجدد — سنة 12 من البعثة، بعد بيعة العقبة الأولى، وأنه أرسل إلى النبي (ص) يستشيره في ذلك، فأجازه عليه.
  • والثانية: أنّ أسعد بن زرارة — وهو من أشراف يثرب — هو الذي جمع المسلمين للجمعة، ثم أرسل مصعبٌ لاحقا يستشير النبي (ص).

وأوّل جمعة صلاها النبي (ص) بنفسه كانت قبيل وصوله إلى يثرب مهاجرا بيوم أو يومين.

وهذه الواقعة فيها ما يستحقّ الوقوف:

أوّلا: أنّ الشكل العملي للاجتماع نشأ داخل الجماعة المحلّية، لا بقرار فردي من أعلى.

ثانيا: أنّ الإقامة تمّت حين وُجدت الشروط العملية: عدد، وفضاء، وأمن نسبي في يثرب لم يكن متاحا في مكة.

ثالثا: أنّ الجمعة التي مارسها النبي (ص) في المدينة لم تكن ابتداءً منه، بل استمرارا لممارسة قائمة وتعميقا لها.

ولا أجزم بأنّ المبادرة سبقت الإذن سبقا قاطعا، فالروايتان مختلفتان في ذلك، وهو موضع خلاف في التأريخ. ويكفيني ما لا يُنازع فيه: أنّ الشكل ظهر حين وُجدت الشروط، في بيئة جديدة لا في امتداد طبيعي لممارسة مكّية.


10- والإمام مالك

في “تذكرة الحفّاظ” للذهبي:

(( كان مالك يحضر المسجد ويشهد الجمعة والجنائز ويعود المرضى ويجيب الدعوة ويقضي الحقوق، زماناً..

ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلّي وينصرف..

ثم ترك عيادة المرضى وشهود الجنائز، فكان يأتي أصحابُها ويعزّيهم..

ثم ترك مجالسة الناس ومخالطتهم والصلاةَ في مسجد النبي (ص).. حتى الجمعة.. ولا يعزّي أحداً ولا يقضي له حقاً..

فكان يقال له في ذلك، فيقول ما يتهيّأ لكلّ أحد أن يذكر ما فيه..

فاحتمل الناس له كلّ ذلك، حتى مات على ذلك.. ))

وأريد أن أكون هنا أشدّ ما أكون تحرّزا، لأنّ هذه الواقعة يُبالَغ في الاستدلال بها، وقد بالغتُ أنا نفسي في استعمالها من قبل.

  • ولا أقول إنّ مالكا رأى الجمعة سنّة، ولا إنه تركها لأنّ مقصدها انتفى. ومذهبه المدوَّن على وجوبها على من استوفى شروطها، فلا يصحّ أن أعارض مذهبه المكتوب بفعل لم يُعلَّل.
  • ولا أقول إنّ معاصريه لم يسألوه، فالنصّ يقول صريحا “فكان يقال له في ذلك”، أي سألوه فعلا، وأجاب جوابا مجملا يُفهم منه أنّ لديه ما لا يتيسّر التصريح به. فمن بنى على أنهم لم يسألوا فقد صادم الرواية التي ينقلها.
  • ولا أقول إنّ المتأخّرين اختلقوا له عذرا، بل استنبطوا جوابا لم يرد منصوصا، وأكثر ما استندوا إليه عبارته نفسها. وقد فسّره بعض من ترجم له بعذر مستور في بدنه.
  • ولا أقول إنّ هذا “دليل قاطع”، فليس في الرواية ما يُقطع به.

والسبب الحقيقي مجهول عندي، ولستُ أعيّنه. فقد يكون عذرا بدنيّا — وله في الفقه مخرج معتبر، إذ صاحب العذر السائل يُمنع من اللبث في المسجد صونا له فيصلّي في بيته — وقد يكون أثرا لما أصابه من والي المدينة وما تلاه من تحفّظ عن الشأن العامّ، وهذا تفسير لا يخدمني لأنه يجعل الانقطاع سياسيا لا مقاصديا.

وأما الذي أبنيه فأضيق من هذا كلّه، وهو أمران:

الأول: أنّ استمرار تركه الجمعة زمنا طويلا، مع بقاء إمامته وعدالته وقبول الناس له حتى مات على ذلك — يمنع أن يُصوَّر مجرّد الغياب علامةً آلية على فساد الدين أو على الطبع على القلب.

والثاني، وهو الأهمّ: أنّ الجماعة قبلت غيابه ولم تُلزمه بتبرير. سألوه فأجاب جوابا مجملا، ولم يُلحّوا، ولم يُسقطوا عدالته، ولم يوقفوا روايته، ولم يصفه أحد بالتهاون. ولو كان مجرّد الترك مُسقطا للعدالة أو موجبا للفسق لما احتملوه، ولاشتغل به أهل الجرح والتعديل.

فهذا شاهد على أنّ السلف أنفسهم فرّقوا بين واقعة الغياب وبين الحكم على صاحبها. وهو شاهد ضدّ آلية الوعيد، لا ضدّ رتبة الحكم. وهو ما أحتاجه هنا، ولا أحتاج أكثر منه.


خلاصة عملية، بحدودها

من وجد في الجمعة ذكرا وتعليما ورابطة، فحضورها له خير وفضيلة ومشاركة في حقّ الجماعة. ولا أدعو أحدا إلى تركها.

ومن أدّى صلاته اليومية ولم يستخفّ بالدين ولم يهجر الذكر، ثم اختار ألّا يحضر صلاة الجمعة، لأنه لا يشعر بأنه يستفيد منها، فلا حرج عليه عندي، ولا يُنزَل عليه وعيدٌ ورد في المتهاون.

وعلى القائمين على المنبر أن يعلموا أنهم يُلزمون الناس بالإنصات لأجل وظيفة، لا لأجل صوت. فإذا لم يؤدّوا الوظيفة، فقد طالبوا بحقّ لم يوفّوا مقابله.


خلاصة

الإثم حكمٌ على علاقة الإنسان بربّه. ولا أشترط لإثباته دليلا قطعيا في كلّ مسألة، فالفقه يعمل بالراجح لا باليقين التامّ. وإنما أشترط أن يترجّح تعيين الفعل الذي يترتّب عليه الإثم، وتحديد المخاطَب، وشمول الحالة محلّ النزاع.

والذي أراه أنّ مجرّد الغياب لم يترجّح كونه مناط الإثم: لأنّ الوعيد معلّق على “التهاون” وهو وصف نفسي؛ ولأنّ عتاب الآية نازل على من حضروا فانفضّوا لا على غائب؛ ولأنّ شروط الوجوب متنازع فيها تنازعا واسعا حتى ليكون الرجل الواحد آثما في مذهب غير آثم في آخر؛ ولأنّ هذا تكليف لا يقدر الفرد على أدائه ولا يُطالب بقضائه، بل يعود إلى الظهر.

والشعيرة وعاء لا غاية. فالقرآن ربط قيمة الصلاة بأثرها، وذمّ المصلّين الساهين عن صلاتهم لا التاركين لها، وعيّن المقصود بالسعي يوم الجمعة فقال {إلى ذكر الله}. فصحّة الأداء شيء، ونجاح الوظيفة شيء آخر.

ووجوب الإنصات نظام يحمي وظيفة، لا قداسة لصوت. والفقهاء أنفسهم اشترطوا في الخطبة محتوى لتصحّ، فأقرّوا بالمبدأ؛ والخلاف في مقداره لا في أصله.

والأصل النبوي في الخطبة هو الكثافة والإيجاز. ثلاث خطب في أوّل قدومه المدينة — وهي أسنح فرصة أتيحت له بعد ثلاث عشرة سنة من الحصار — لا تتجاوز إحداها خمس دقائق. فالمسافة بين هذا وبين ستّين دقيقة اليوم ليست تطوّرا محمودا، بل انفصال للصورة عن مقصدها.

والشعائر لها تاريخ تشكّل: عدد الصلوات تغيّر، وعدد الركعات تغيّر، والأذان نشأت صيغته من رؤيا صحابي، والزكاة بأنصبتها والصوم في السنة 2، والحجّ في السنة 9 على المشهور. والدالّ ليس التأخّر بذاته، بل تزامن استقرار الصور مع ظهور البيئات التي تتيح لها أن تعمل.

والقرآن لم يستوعب صورة الصلاة: لا عدد ركعة، ولا ترتيب فعل، ولا نصّ ذكر داخلها — مع أنه دقّق في المعاملات إلى حدّ الكسور. فصرّح بالمقصد، وترك تعيين الصورة للممارسة.

وخطب النبي (ص) الأسبوعية — على افتراض حصولها — لم يصلنا منها ما يناسب عددها وتواترها، مع نقل بعض تفاصيل الهيئة بوفرة. فأوفر المادّة حظّا من أسباب الحفظ هي أفقرها حصيلة. وهذا تفاوت يحتاج تفسيرا، لا سيّما أنّ الخطبة جنس محفوظ في التراث: فقد جُمعت خطب عليّ بعشرات المتون، وحُفظت خطب الولاة في كتب الأدب — فالشحّ في خطب النبي (ص) وحده هو الشاذّ. والذي أرجّحه أنّ الاجتماع يوم الجمعة لم يكن “خطبة” بالمعنى المؤسسي المتأخّر — لا متنا معدّا ولا شكلا ثابتا — فلم يكن ثمّة متنٌ ليُحفَظ. ولا أُغلق احتمالين آخرين: أن يكون الاجتماع غير دوريّ بالانتظام الذي نتصوّره، أو أن يكون ما منه قد غُيّب بفعل سياسي حين تحوّل المنبر إلى أداة بيعة وولاء. والنتيجة ثابتة على الثلاثة: أنّ صورة “خطاب الأمّة” الأسبوعي لا يسندها المحفوظ من التراث.

والجمعة ليست صلاة سادسة. الأصل الثابت هو الظهر، والجمعة صورة جماعية تحلّ محلّه عند تحقّق شروط الاجتماع. فمحلّ النزاع ليس إسقاط صلاة الوقت، بل إلزام صورة جماعية مخصوصة بدل الأصل.

ورتبة الوجوب ليست محلّ اتفاق. فالقول بفرض الكفاية منقول عن طبقة معتبرة، وعزاه الخطّابي إلى أكثر الفقهاء. ومن قال به فقد قال إنّ الجمعة مؤسسة جماعية واجبة الإقامة، لا فريضة فردية يأثم كلّ متخلّف عنها. فالمخالف اليوم لا يخالف إجماعا مستقرّا منذ البداية، بل يخالف ما غلب بعد أن كان مختلَفا فيه.

وإقامة الجمعة في يثرب سبقت قدوم النبي (ص) بفعل قيادة الجماعة المحلّية. ولا أجزم بسبق المبادرة على الإذن، ويكفيني أنّ الشكل العملي ظهر داخل الجماعة قبل أن يمارسه النبي في المدينة.

وواقعة مالك — وسببها مجهول — تمنع أن يُصوَّر مجرّد الغياب علامةً آلية على فساد الدين، وتشهد بأنّ الجماعة الأولى فرّقت بين واقعة الغياب والحكم على صاحبها.


فالنتيجة التي أنتهي إليها اجتهادا هي أنّ الجمعة ليست فرضا عينيا تعبديا مستقلا، بل مؤسسة جماعية شرعية. وأما النتيجة التي أراها أقوى من ذلك إثباتا، فهي أنّ مجرّد الغياب لا يكفي وحده لتنزيل الإثم والوعيد على صاحبه.