يدور منذ شهور جدل داخلي في الجاليات المسلمة بعدة مدن كندية، مثل مونتريال وأوتاوا وجاتينو وكيبك..
هذا الجدل هو حلقة جديدة في مسلسل أزمة المراكز الإسلامية بالغرب (أجزم بلا تردد أن الظاهرة عامة وشاملة في الغرب)، منذ عقود.. وشخصيا، شاهدت مظاهر الخلاف والأزمة منذ وصولي لكندا منذ عشرين سنة..
هذا نص كتبته في إحدى المجموعات الثائرة على وضع المراكز الإسلامية بمونتريال.
شكرا مجددا على إتاحة الفرصة لطرح بعض الأفكار في ما يتعلق بواقع الجالية..
وأدرك أن الموضوع متشعب.. هذا التشعب يستوجب بعض الترتيب في الأفكار كي نصل إلى تقريب وجهات النظر..
أنا مثلكم تقريبا، أعيش في كندا منذ 20 سنة، وانتقلت بين كيبك وريموسكي وجاتينو.. وكنت أخطب الجمعة بشكل دوري، وتطوعت في المراكز الإسلامية بالإدارة وإعطاء الدروس والاستشارات للمسلمين الجدد وفي الخلافات الزوجية، وكنت مسؤولا في المركز الإسلامي بكيبك والجمعية الإسلامية بآيلمر والمركز الإسلامي بجاتينو. وحاليا أرأس جمعية ثقافية اسمها “خطوط وصل”..
في كل الفترات التي عملت بالمراكز الإسلامية، كان موضوع الحوكمة الإدارية والمالية في قلب الجدل والخلاف والنزاع..
وأعتقد أننا لو نبدأ بسرد الإشكاليات، ثم ترتيبها فسيساعدنا هذا الأمر على تقليص الهوة في وجهات النظر. ولو قمنا بسردها فسأقول:
1. أزمة تعريف الجالية
لدينا أزمة تعريف للجالية. فهل نحن مواطنون كنديون أم مهاجرون؟ وهل نتعاطى في إطار المراكز الإسلامية ككنديين أم كمهاجرين أجانب، أم كعرب، أم صوماليين أو باكستانيين؟ ما الذي يجمعنا وما الذي يفرقنا؟ بعبارة أخرى: لا نملك وضوحا تاما ولم نرسم حدودا دقيقة في ما يتعلق بالتنوع الثقافي والديني والفقهي والعقائدي واللغوي في داخل جاليتنا..
لدينا أزمة رؤية مشتركة لواقع الجالية واحتياجاتها.
2. أزمة غياب المعطيات
لدينا أزمة غياب المعطيات الإحصائية والكمّية للجالية وتنوعها: وتركيبتها الاجتماعية وقدرتها المالية، وعدد شبابها ونوعية التخصصات المهنية، إلخ..
3. أزمة التطوع
لدينا أزمة تطوع في الجالية. فليس كل القادرين على التطوع يتطوعون.. أزمة التطوع أدت بشكل بديهي إلى أزمة غياب الكفاءات في الأطر الإدارية للمراكز الإسلامية.
4. أزمة الارتجال
غياب الكفاءات أدى إلى أزمة ارتجال في التخطيط وطرق التسيير.
5. أزمة الحوكمة
غياب الكفاءات أدى أيضا إلى أزمة حوكمة إدارية ومالية نتيجة غياب قوانين داخلية دقيقة وصارمة تبين الحقوق والواجبات، وآليات الديموقراطية الداخلية، وقياس الأداء التنظيمي وقياس أداء المتطوعين، ومستويات الرقابة والمساءلة والمحاسبة والشفافية، والميثاق الأخلاقي، ودليل الإجراءات العملية لعمل مجالس الإدارة والموظفين والمتطوعين والأئمة.
6. أزمة نموذج السلطة
هذه الأزمة صاحبتها أزمة نموذج الحوكمة، ومن له السلطة داخل المركز الإسلامي: هل هو الإمام أم هو مجلس الإدارة؟ وهل يجوز لمجلس الإدارة أن يقيّم أداء الإمام ويحاسبه أم لا؟
7. أزمة التوثيق والتدريب
هذا الارتجال صاحبته أيضا أزمة غياب التدريب الداخلي وتوثيق الأنشطة ودليل الإجراءات العملي بما يسمح بالاستفادة من تراكم الخبرات الإدارية، وعدم ترك كل مجلس منتخب يعيد من جديد اكتشاف طرق عمله والارتجال مجددا.
8. أزمة التحديث
غياب الكفاءات أدى أيضا إلى أزمة تحديث وعصرنة لأدوات العمل وضعف درجة توظيف تكنولوجيا المعلومات.
9. أزمة قياس الأداء
لدينا أيضا أزمة قياس أداء.. حيث لا توجد لدى أي مركز إسلامي تقريبا دليل حوكمة يسمح بالانطلاق من الرؤية والمهام والأهداف إلى تحديد مجالات النشاط الرئيسية والفرعية، ثم مؤشرات الأداء في كل واحد منها، ثم استخراج المؤشرات الرئيسية KPIs، ثم أدوات تجميع المعطيات وطرق القياس، إلخ.. بما يسمح للمركز أن يخطط مسبقا لما يريد تحقيقه بعد سنة أو سنوات، ويقيس دوريا مدى قدرته على الاقتراب من هذه الأهداف..
10. أزمة الخطاب الديني
من ناحية أخرى، لدينا أزمة خطاب ديني، نتيجة عدم امتلاك رؤية واضحة ومتفق عليها حول مقاصد خطب الجمعة والدروس الدينية وكيفية تعاطيها مع التنوع الداخلي للجالية في المستوى الفقهي والعقائدي واللغوي، كي يكون عامل تجميع وليس تفرقة، وكي يكون عامل تأثير إيجابي على جهازنا العقلي والنفسي، وليس عامل تدمير أو تعطيل لجهازنا العقلي والنفسي..
11. أزمة تقييم الأئمة
وأزمة الخطاب الديني، هي نتيجة وسبب في نفس الوقت لأزمة أخرى هي أزمة قياس أداء الأئمة، سواء كان في مستوى مجالس الإدارة (باعتبار أن الإمام موظف خالص الأجر أو متطوع، تتم دعوته للخطابة والتدريس من قبل مجلس الإدارة لخدمة رؤية المركز وأهدافه وأولوياته) أو في مستوى المرتادين، ودرجة رضاهم عن المضامين التي تقدم إليهم.
12. أزمة الثقة
كل هذا أدى إلى أزمة ثقة، مركبة، ومتشعبة في داخل المراكز الإسلامية، كل واحد منفردا، وفي داخل الجالية عموما..
13. أزمة الصورة
وأدى هذا إلى أزمة صورة خارجية وانطباع للمسلمين في المجتمع الكندي عموما، ولدى أبناء المسلمين الذين لم يعودوا يرتبطون بالجالية ومؤسساتها.
أعتقد أن مثل هذا الترتيب (القابل للتحسين والتطوير) يمكن أن يساعدنا في رؤية الوضع بمختلف أبعاده، وبمقاربة نُظُمية (systémique).
أقترح أن يكون هذا الإطار مدخلا لدراسة الواقع وتوصيفه، وأن نبحث عن تقريب وجهات النظر حوله والاعتراف به.. وبعدها نتحول لإيجاد العلاقات بينها، ثم إيجاد الحلول..