﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97)
كيف نعيش حياة طيبة، مع كل ما نراه من مصاعب ومشاكل ومعوقات؟
الحياة الطيبة، في تقديري، ليست محطةً مؤجلة نصل إليها بعد أن تنقشع المصاعب، بل هي نوعية علاقتنا بالحياة ونحن في قلب معتركها. فالآية التي تربط الحياة الطيبة بالعمل الصالح مع الإيمان لا تَعِدُ بزوال سنّة الابتلاء، بل تصف حياةً ذات طعم آخر في حضوره. وهنا يكمن الفارق الجوهري: من ينتظر صفاء الظروف التام قبل أن يبدأ بالعيش يظل مؤجِّلًا لحياته، لأن الصفاء المطلق ليس من طبيعة هذه الدار.
ثم إن جانبًا من ثقل المعاناة لا يأتي من المصاعب وحدها، بل مما نضيفه إليها حين نعجز عن التمييز بين ما نملك التأثير فيه وما يقع خارج سلطاننا.
فحين نستنزف طاقاتنا في مقاومة ما لا نملك تغييره، نخلط بين التكليف البشري وتدبير الأقدار؛ فنستنزف أنفسنا في دائرة العجز، ونقصّر في المساحة التي نملك داخلها أثرًا حقيقيًا.
والوعي بهذه الحدود هو أحد أبواب السكينة، وهو المعنى العملي لثنائية «الأخذ بالأسباب والتوكل»: أن نبذل ما في وسعنا فيما نستطيع، ثم نُسلّم ما لا نستطيع إلى من بيده ملكوت كل شيء، من غير أن نحمّل أنفسنا وزر ما لم نُكلّف بحمله.
غير أن هذا التمييز أيسر في التقرير منه في الممارسة؛ فالحدّ الفاصل بين ما نملكه وما لا نملكه ليس معطًى جاهزًا يُتلقّى مرة واحدة، بل يُكتشف بالمحاولة والمراجعة.
وكثيرًا ما يسمّي المرء انسحابه المبكّر تسليمًا، ويسمّي عناده في غير موضعه أخذًا بالأسباب. ولا يكفي عدم تحقق النتيجة للحكم بأن الأمر خارج سلطاننا؛ فقد يكون الخلل في الوسيلة، أو يكون التغيير بطيئًا، أو محتاجًا إلى جهد جماعي يتجاوز قدرة الفرد.
والسؤال الأصدق ليس: هل نجحت؟ بل: ما الجزء الذي لا يزال في وسعي فعله، وما الثمن الذي أقدر على احتماله من غير أن أهدم نفسي أو أضيّع ما هو أولى؟
وما نتجنّبه لمجرد ثقله، مع بقاء القدرة عليه ووضوح مسؤوليتنا عنه، يستحق أن نراجع أنفسنا بشأنه؛ كما أن ما يستنزفنا بلا أثر يستحق مراجعة الوسيلة والغاية وحدود مسؤوليتنا.
وهنا تكشف مشورة عاقل قريب من الخلط ما قد لا تكشفه المراجعة الذاتية وحدها، لأن النفس بارعة في إيجاد الحجج لما تميل إليه، انسحابًا كان أم عنادًا.
ويبقى المعنى من أهم ما يسند الإنسان في مواجهة الانهيار؛ فقد يحتمل المرء شدائد قاسية إذا وجد لما يعيشه غايةً وموقعًا، وقد تنهكه مصاعب أصغر حين يعجز عن إجابة سؤال: «لماذا أواصل؟».
ولذلك تُصنع الحياة الطيبة، في جانب كبير منها، في ثلاثة مواضع:
- عمل نافع يُشعر المرء بفاعليته وأنه يترك أثرًا،
- وصلة صادقة بالناس تخرجه من الانغلاق على ذاته،
- وصلة حيّة بالله تمنح الألم موقعًا داخل معنى أكبر، بدل أن يبدو عبثًا خالصًا.
ليست الحياة الطيبة تمجيدًا للألم ولا استسلامًا له، بل ألّا نتيح له أن يستولي على معنى حياتنا كله. وحين تقوى تلك الصلات، لا تختفي العوائق، لكنها قد تتحول من قوى تعطل المسير، إلى مادة ينضج بها الإنسان ويشتغل عليها.
على أن هذا الكلام ينقلب على نفسه إن نُسي أن كثيرًا مما يعانيه الناس ليس مصدره في دواخلهم: ظلمٌ واقع، وفقرٌ خانق، واستبدادٌ يسدّ المسالك، وأبوابٌ تُغلق في وجه من يستحق. فإذا قُدّم علاج الحياة الطيبة في مستوى نفسي خالص وحده، صار خصخصةً لألمٍ سببُه عمومي، وتحوّل من حيث لا يقصد إلى دعوةٍ للتكيّف مع ما ينبغي أن يُقاوَم.
والحياة الطيبة ليست على صورة واحدة عند من يملك قدرةً واسعة على التغيير وعند من ضاقت في وجهه المسالك: فهي عند الأول لا تتم إلا بالسعي في رفع الظلم عن نفسه وعن غيره، وقد لا تعني عند الثاني أكثر من التشبث بما يحفظ إنسانيته وكرامته، من غير أن يمنح ما وقع عليه صفة العدل. والخلط بين الحالين خيانة للحقيقة قبل أن يكون خطأ في العلاج.