في سورة الصافّات:

﴿سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82) وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87)﴾

تمرّ هذه الآيات على كثير منا مروراً سريعاً، فنقرأ قصة نوح ثم قصة إبراهيم كأنهما حكايتان منفصلتان جمعهما ترتيب السورة. لكن النص يشدّ إحداهما إلى الأخرى بكلمة واحدة تستحق الوقوف عندها.

الشيعة بدلالتها القرآنية: توافق في المنهاج

حين يربط النص القرآني مسار إبراهيم بمسار نوح عبر التعبير «وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ»، فإنه يستخدم مفردة «الشيعة» بدلالتها القرآنية العامة السابقة لكل تشكّل مذهبي أو فرز تاريخي لاحق؛ أي بوصفها توافقاً في المنهاج ومسلكاً معرفياً واحداً يربط بين رجلين يفصل بينهما دهر طويل. فإبراهيم، وإن جاء بعد نوح بزمن بعيد، كان يمشي على أثره: الفكرة ذاتها، والموقف ذاته، والشجاعة ذاتها.

القلب السليم: وعي يكسر التبعية

يلتقي النبيان في خوض التجربة ذاتها في مفاصلة المعتقد السائد، انطلاقاً من أرضية الإخلاص التي يسميها النص «القلب السليم»؛ وهو قلب يَسلَم من الشرك، ويُثمِر وعياً قادراً على كسر التبعية للبيئة وللأعراف المتوارثة. فالقلب السليم ليس صفة روحية تخص علاقة الإنسان بربه في خلوته فحسب، بل له أثر عقلي مباشر: صاحبه يستطيع أن ينظر إلى ما يفعله الناس جميعاً من حوله، وما فعله آباؤهم قبلهم، ثم يسأل بهدوء: ولكن، هل هذا صحيح؟

حجاج متدرج: من التشخيص إلى ذروة التحدي

من هذا المنطلق، واجه إبراهيم قومه بحجاج متدرج الخطوات: بدأ بتشخيص عبثية ما يعكفون عليه «مَاذَا تَعْبُدُونَ»، ثم سمّى مسلكهم باسمه الصريح «إِفْكًا» قَلَب الحقائق وشوه الأولويات الوجودية، واختلق آلهة دون الله، ثم وصل إلى ذروة التحدي في سؤاله: «فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟». فهو لا يبدأ بالحكم بل بالسؤال، ثم يسمّي الشيء باسمه، ثم يطرح السؤال الذي هو موضوع هذا المقال كله.

السؤال عن الظن لا عن الوجود

هذا السؤال يحمل في معناه المباشر الإنكار والتحذير من سوء العاقبة عند لقاء الله؛ لكن قوته الكامنة تتجلى في نقله المعركة من ظاهر الفعل إلى فحص «الصورة الذهنية» الكامنة وراءه. إبراهيم لم يخاطب قوماً ينكرون وجود الخالق، بل قوماً يقرّون بـ«رب العالمين» ثم يضعون بينه وبينهم وسطاء وحجارة. وهذا منطق الوساطة الذي يحكيه القرآن عن المشركين في غير موضع: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، و«هؤلاء شفعاؤنا عند الله».

فالسؤال إذن ليس عن وجود الله، بل عن طبيعة تصورهم له: ما هو «ظنكم» به حتى احتجتم إلى شركاء يديرون ملكه أو شفعاء يعلمونه بحاجاتكم؟ هل تظنون أنه عاجز يحتاج إلى شركاء ومعاونين لإدارة ملكه؟ هل تظنون أنه جاهل بأحوالكم حتى تحتاجوا إلى أصنام تذكره بكم؟ هل تظنون أن مقامه مساوٍ أو خاضع لمجسمات تصنعونها بأيديكم؟

الشرك عجز معرفي قبل أن يكون ضلالاً طقوسياً

السؤال هنا يحاصرهم بنتيجة منطقية حتمية: أيّ إشراك مع الإله المطلق يعني بالضرورة إساءة تقدير ذاتية، ونقصاً نسبتموه إلى المطلق. فمن يحتاج إلى وسيط يبلّغ الله حاجاته، فكأنه يظن بعلمه قصوراً؛ ومن يحتاج إلى شركاء يدبّرون ملكه، فكأنه يظن بقدرته عجزاً. إن الشرك هنا يُعرّى بوصفه عجزاً معرفياً قبل أن يكون ضلالاً طقوسياً؛ إنه ينبع مِن ظَنٍّ قاصرٍ يخلع صفات النقص البشري على مقام الكمال المطلق.

من السرد التاريخي إلى واقعنا المعاصر

وهنا تحديداً تتجاوز الآية حدود السرد التاريخي لتخاطب واقعنا المعاصر في فضائنا العربي والإسلامي. فنحن لا نعبد الأصنام الحجرية، وقد يطمئنّ أحدنا إلى أن سؤال إبراهيم لا يعنيه. إن استعادة هذا المشهد اليوم لا تهدف إلى تكرار النقد المألوف لـ«أصنام العصر»، بل إلى استئناف المحاكمة ذاتها للظنون التي تحكم تديننا السائد؛ فالانحراف المعاصر قلّما يكون إنكاراً للربوبية، بل هو في الغالب تشويه عميق لتصورنا عنها. من هذه الزاوية، نحن مثل قوم إبراهيم، نقرّ برب العالمين ولا ننكره. لكن السؤال يبقى: ما هو ظننا به؟

يظهر ذلك حين يُعامل رب العالمين وكأنه إله قَبَلي أو طائفي، ينحاز تلقائياً لفئة بعينها دون اعتبار لسنن العدل وشروط الاستخلاف الإنساني. فكم من خطاب ديني يفترض أن الله معنا لأننا نحن، لا لأننا أقمنا العدل أو أتقنّا العمل؛ وأنه ضد الآخرين لأنهم هم، لا لأنهم ظلموا. أو حين يُظن أن الاكتفاء بالشعائر واستدعاء المظاهر الشكلية كافٍ لدرء الهزائم الحضارية، وكأن التخلف والظلم يرتفعان بمجرد التمني والادعاء بمعزل عن سنن العلم والعمل وإقامة القسط. فمن يتوقع أن يتقدم مجتمع من غير أن يصلح تعليمه ويحارب فساده ويحترم عقول أبنائه، فهو يتوقع نتيجة لا تسندها أسباب العلم والإصلاح التي يدعو إليها الدين نفسه.

تقديس السلطة الأرضية: الشرك في صورته الجديدة

وفي هذا المناخ من التدين المختل، تُمنح الحصانة ذاتها لمنظومات الاستبداد ورموزه والأعراف الاجتماعية المتكلسة؛ إذ يُقايض الوعي الجمعي حق الله في العدالة والحرية بخضوعٍ تام لسلطات أرضية تُعامل عملياً وكأنها تملك الضر والنفع والرزق. والضر والنفع والرزق في لغة القرآن لا يملكها على وجه الاستقلال والإطلاق إلا الله، وإن كان الناس أسباباً فيها. فحين يعيش الناس وهم يخافون من الحاكم خوفَهم من القدر، ويرجون منه الرزق رجاءهم من الله، ويسكتون عن ظلمه كأنه قضاء لا يُرد، فإن الخلل في الظن الذي واجهه إبراهيم قد تسلل إلى حياتهم في صورة جديدة، من غير أن يُعبد صنم واحد. ولا يقتصر الأمر على الحاكم؛ فالعادة الموروثة التي لا يجرؤ أحد على مراجعتها، والزعيم الذي يُعفى من كل مساءلة، مظاهر للتصور نفسه.

مراجعة جذرية للظن

إن العودة إلى سؤال إبراهيم هي في جوهرها مراجعة جذرية لـ«الظن»:

ما هو ظننا بالله حين نتوهم أن نصره ينزل على مجتمعات تعطل العقل وتهدر كرامة الإنسان؟ وما ظننا بعدله حين نتوقع منه أن يحابي الجهل والكسل لمجرد ادعاء الإيمان؟ وما ظننا به حين نطلب منه ما لم نطلبه من أنفسنا: ننتظر العدل ولا نقيمه، ونرجو النهضة ونعطل شروطها، وندعو بالفرج ونمنع أسبابه؟ وما ظننا بربوبيته للعالمين حين نفترض أن الحق لا يمكن أن يكون مع من يخالفنا في المذهب أو الدين؟ وما ظننا بقدرته حين نخاف على دينه من فكرة أو كتاب أو سؤال، كأن الحق يحتاج إلى حراسة من العقل لا إلى شهادة منه؟

وهذه أسئلة يستطيع كل مؤمن أن يطرحها على نفسه: هل الله الذي أؤمن به هو رب العالمين حقاً، عادل مع الجميع، سننه لا تحابي أحداً؟ أم أنني، من غير أن أنتبه، صنعت في ذهني إلهاً أصغر، ينحاز لجماعتي ويعوّض عن تقصيري ويخاف مما أخاف منه؟

تصحيح المسار يبدأ من تصحيح الظن

إن تصحيح المسار الحضاري لا يبدأ إلا من شجاعة مواجهة التصورات المشوهة التي نسبناها إلى الله؛ فبقدر ما يستقيم الظن برب العالمين تنكسر كل قداسة زائفة، ويسترد الإنسان حريته ومسؤوليته في عمارة الأرض.

فمن عرف أن الله وحده يملك الضر والنفع، لم يجعل خوفه من سلطان جائر مبرراً لتقديسه أو السكوت عن ظلمه. ومن عرف أن سنن الله لا تحابي أحداً، لم ينتظر النصر بالتمني بل سعى إليه بالعلم والعمل. ومن عرف أن الله رب العالمين لا رب فئة، اتسع صدره للعدل مع من يخالفه.

هذا هو المعنى العملي لسؤال إبراهيم حين نطرحه اليوم على أنفسنا لا على غيرنا: فما ظنّكم برب العالمين؟