يوم أمس كتبتُ تدوينة قصيرة عن موقف حصل لي في محلّ تجاري بكندا.. بائعة مسلمة في قسم اللحوم تسألني إن كنتُ أريد لحمًا حلالًا، فأقول لها طبعًا، فتخبرني أنّ الذي في يدي ليس حلالًا.. فأسكت، وأشكرها، وأنصرف باللحم.

لم تكن فيها فتوى.. ولا دعوة.. ولا رأي في أحد. كان فيها موقف، وثوانٍ قليلة مرّ فيها في ذهني ما يكفي لنقاش طويل، ثم اخترتُ ألّا أفتحه.

وجاء التعليق أكثر ممّا توقّعت.. منه ما أفدتُ منه فعلًا وشكرتُ صاحبه، ومنه ما حاسبني على الصمت نفسه، ومنه ما رماني بالتفلسف والمكابرة وتشويش عقول العامّة.

والذي استوقفني أنّ أكثر الجدل لم يكن في مسألة الذكاة.. فتلك مسألة فقهية قديمة، خلافها معروف ومحرَّر في كتب الفقه منذ قرون، ولا أحد اليوم يكتشفها.

الجدل كان في شيء تحتها: كيف نفكّر أصلًا في الحلال والحرام؟ ومتى يكون التحرّي ورعًا ومتى ينقلب تضييقًا؟ ومن الذي أعطى أحدًا أن يجعل احتياطه الشخصي ميزانًا يزن به دين الناس؟

هذا ما دفعني إلى تدوين هذه القواعد.

وهي ليست فتوى في اللحوم.. ولا ردًّا على أحد بعينه.. ولا انتصارًا لقول على قول. هي القواعد التي تسبق الفتوى وتضبط النظر فيها.. والتي إن غابت، صار كلّ متحمّس يُحرّم بقدر حماسته.

وقد جعلتُ مع كلّ قاعدة آية.. لا استدلالًا مفصّلًا فذلك مقام آخر، بل تذكيرًا بأنّ هذه المعاني ليست تخفيفات معاصرة ولا تسهيلات مستحدثة كما يُشاع.. هي منصوصة في القرآن، ومن ضيّق فيها إنّما ضيّق على نفسه ما وسّعه الله.

والفارق بين الورع والتشدّد ليس في مقدار الاحتياط.. بل في مقدار المعرفة الفقهية والمقاصدية.

فمن عرف الحكم وعرف مقصده، عرف أين يقف: يحتاط حيث يجب الاحتياط، ويتوسّع حيث وسّع الله.

ومن لم يعرف، سدّ الباب كلّه واطمأنّ.. وحسب أنّ ما حرم نفسه منه رصيدٌ عند الله.

وقد جاءه الثلاثة الذين قال أحدهم أصوم ولا أفطر، وقال الثاني أقوم ولا أنام، وقال الثالث لا أتزوّج النساء.. ولم يشدّدوا على أحد سوى أنفسهم. فقال لهم: «أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».

قدّم لهم أنّه أخشاهم لله قبل أن يردّ عليهم.. لأنّ المشكلة لم تكن في نيّاتهم، بل في ميزانهم. ظنّوا أنّ الخشية تُقاس بمقدار ما يُحرم الإنسان نفسه منه.. وأعلمُ الخلق بالله كان أوسعَهم في المباح.

فهذه ثلاث وعشرون قاعدة، للتأمّل والمدارسة، لا للإلزام:


1. التشدد ليس دليلًا على الورع.

﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ — الحديد 27

2. التيسير ليس دليلًا على التفريط، بل قد يكون هو عين الورع.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ — المائدة 87

3. ما يظنّه البعض «شبهات» ليس بالضرورة شبهات، وإنّما يعتبرونه كذلك لضعف معرفتهم الفقهية.

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ — النحل 116

4. الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم هو الذي يحتاج إلى دليل لا العكس.

﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ — الأنعام 119

5. من ادّعى التحريم فعليه البيّنة، ودعواه بلا نصٍّ افتراء.

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾ — الأنعام 150

6. التوسّع في الاحتياط قد ينقلب استدراكًا على الشارع نفسه.

﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ — يونس 59

7. كثرة التنقيب والسؤال تُضيّق ما وسّعه الله بسكوته.

﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ — المائدة 101

8. الإفتاء بغير علمٍ عدوانٌ على الله وعلى الناس معًا.

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ — الإسراء 36

9. رفع الحرج مقصدٌ أصليّ في التشريع، لا رخصةً طارئة.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ — الحج 78

10. التكليف مقيَّد بالوسع؛ فما أرهق الناس فوق طاقتهم فمراجعة فهمِه أولى من مراجعة الناس.

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ — البقرة 286

11. ضعف الإنسان معطًى شرعيّ مقصود في بناء الأحكام، لا عيبًا يُعاقَب عليه.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ — النساء 28

12. الرخصة عزيمةٌ في موضعها، ورفضُها ليس فضلًا.

﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ — البقرة 185

13. وظيفة الرسالة تخفيف الأغلال لا صناعتها.

﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ — الأعراف 157

14. الدين لم يُنزَّل للإشقاء.

﴿طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ — طه 1–2

15. التدرّج سنّة قرآنية في التشريع والتربية، فاستعجال الكمال في الناس مخالفٌ لطريقة التنزيل ذاته.

﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ — الإسراء 106

16. الغلوّ منهيّ عنه ولو باسم الدين، بل هو أخطر ما يكون حين يتقنّع بالدين.

﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ — المائدة 77

17. الورع محلّه القلب والمعاملة، لا المظهر والشكل.

﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ — الحج 37

18. تزكية النفس ومقايسة تديّن الناس بميزان الذات ادّعاءٌ لعلم الغيب.

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ — النجم 32

19. الاختلاف في المسالك الشرعية أصلٌ في التشريع لا خللًا فيه.

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ — المائدة 48

20. الحكم على الناس بالظنّ، في نيّاتهم أو تديّنهم، إثمٌ لا اجتهاد.

﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ — الحجرات 12

21. اعتبار المآل ركنٌ في الحكم: قد يكون الفعل حقًّا في ذاته وممنوعًا لما يفضي إليه.

﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ — الأنعام 108

22. التنفير نقيض الدعوة، والغلظة تُفرّق ولا تجمع.

﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ — آل عمران 159

23. الوسط ليس منزلةً بين منزلتين، بل هو الموقع الذي تُؤدَّى منه الشهادة على الناس.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ — البقرة 143