سورة الأنبياء، سمّيت هكذا لأنها ذكرت 16 نبيًّا بأسمائهم (من مجموع الأنبياء الـ25 المذكورين في القرآن)، وهم: موسى، هارون، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، لوط، نوح، داود، سليمان، إسماعيل، إدريس، أيوب، ذو الكفل (وهو ابن أيوب في بعض الروايات)، يونس (ذو النون)، زكريا، يحيى.

الموضوع الأساسي للسورة هو تذكير الناس بأن الحياة ليست إطارا للهو والعبث، بل هي مسؤولية، وأن إرسال الأنبياء يهدف لتذكير الناس وتبليغ الوحي:

﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾

ثم تسترسل في بيان نماذج من تاريخ الأنبياء في التعاطي مع أقوامهم، وأن القاسم المشترك بينهم هو “الاجتهاد في البلاغ والبيان” و”الصبر على الأذى”.

قصة يونس (ذو النون)

ومما يستوقف في هذه السورة، قصة يونس (ع):

﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

النون في العربية هو الحوت. وذو النون أي صاحب الحوت، وهو يونس. لم يذكره القرآن هنا بالاسم، كأنها إشارة إلى سياق عدم رضا الله عن موقفه.

أرسل الله يونس بن متى إلى 100 ألف أو يزيدون. فلبث فيهم مدة طويلة، فتمردوا عليه، ولم يؤمنوا به. فدعا الله عليهم، وخرج من بينهم، فتابوا فرفع الله عنهم العذاب.

الذهاب مغاضبا

حدّثنا القرآن عنه، ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا﴾، يحمل شعورا بخيبة الأمل في ما بذله من جهدٍ لهداية قومه، وما عاناه من آلام ومشاكل في المدة التي قضاها بينهم. بحيث شعر بأنّ مهمته معطلة أو فاشلة. ففارقهم في حالة انفعالٍ وغضب.

﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾

لها معنيان: 1- فخيّل إليه أنه يملك القدرة على الذهاب إلى أيّ مكانٍ شاء، بعيداً عن تكليف الله له بمسؤولية البلاغ. وأن الله لن يقدر على إعادته إلى مسؤوليته التي تركها. 2- فظن أن لن نضيّق عليه بسبب غضبه وتركه لمهمته. لأن في اللغة القرآنية، كلمة “نَّقْدِرَ” استعملت بمعنى التضييق: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16]. فيكون معنى الآية، أن يونس خرج مغاضباً لقومه، وهو يظن أنه قد ملك حريته بعد أن انتهت مهمته، باستنفاد كل تجاربه في الدعوة إلى الله وعدم تجاوب قومه معه، واستحقاقهم العذاب على ذلك، وقرب نزوله عليهم، فلم يفكر بالمرحلة الجديدة من عمله، ولم ينتظر عودتهم إلى الإيمان من خلال التجربة الأخيرة التي قد تحقق نتائج كبيرة على هذا الصعيد، وهي مسألة تهديدهم بالعذاب، الذي ثبت - بعد ذلك - أنه كان الصدمة القوية التي أرجعتهم إلى عقولهم، فانفتحت قلوبهم على الإيمان بالله وبرسالاته من جديد.

لقد كانت لحظة انفعال تختزن الغضب، ولم تفكّر بالمستقبل.

في جوف الحوت: من الظلمات إلى النور

فالتقمه الحوت. وعاش في ظلمات البحر وجوف الحوت وظلمات الهمّ والغمّ، وانفتحت أمامه من جديد آفاق إيمانه الواسع، فعاش روحيته مع الله في ابتهال وخشوع، وبدأ يتذكر لطف الله به، ورحمته له، ورعايته وتكريمه إيّاه من خلال ما اختصه به من رسالته وما سهّل له من سبل الحياة، وهداه إليه من وسائلها، وكيف خرج من دون أن يستأذن الله في ذلك، أو ينتظر ما يحدث لقومه، فانطلقت صرخته المثقلة بالهمّ الروحي والذاتي، من أعماق الذات:

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

ظلمت نفسي، واكتشفت الآن ما قصّرت فيه، في حركتي، واجتهادي، وآليات الدعوة والتبليغ، والحوار والجدال والإقناع. وتركت مصاعب الدعوة تؤثر سلبيا على مزاجي ومشاعري لدرجة الإحباط والغضب، بينما كان من المفروض أن أدرك تبعات الرسالة، وأنني مطالب بالاجتهاد أيا كانت النتيجة.

الدرس للمؤمنين: الفشل ظرفي لا نهائي

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ - الذي كان يسبب له الضغط النفسي المكبّل، الذي دفعه للاعتقاد بأن المهمة قد انتهت بالفشل، من دون أن يكون لها بديل. بينما الحقيقة هي أن الفشل هو ظرفي وآني، ولا يعني نهاية التكليف.

﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

أي أنّ موقف يونس درس للمؤمنين من بعده:

الله يبتلي المؤمنين، حين يقصّرون أو يتهربون من المسؤوليات. والمؤمنون قد يضعفون أمام حالات الفشل الأولى، أو الضغط القاسي، أو الظروف الصعبة. ثم يأتي لطف الله، يلطف الله بهم بعد أن يتراجعوا عن ذلك ويرجعوا إليه، فينجيهم من بلائه، ويحوطهم بنعمائه، ويسبغ عليهم من ألطافه وآلائه، لئلا يتعقّد الخطأ أو الانفعال في شخصيتهم. بحيث يحوّل الاعترافُ والخشوع والإنابة، لحظة الفشل إلى فرصة للقاء بالله، ومراجعة النفس في موقع التوبة التي يبدأ فيها التائب تاريخاً جديداً وصفحة جديدة من حياته.