كانت أول صلاة للرسول (ص) في مكة صلاةً ذات ركعتين.. يخرج الرسول (ص) أوّل النهار، لأداء صلاة الضحى.. وكانت صلاةً لا تنكرها قريش، فيصليها في الكعبة.. وكان وأصحابه إذا جاء وقت العصر، تفرّقوا في شعاب مكة فرادى ومثنى، فيصلّون العشي..
وانتظمت صلاة الرسول (ص) في مكة على هذا النحو الذي تنقله كتب السير والروايات، بصلاة الركعتين، مرّتين فقط في اليوم (في الغداة والعشيّ).. وبقي الأمر كذلك طوال 12 سنة من النبوة..
ولم تُفرض الصلوات الخمس إلا قبل الهجرة بسنة وبضعة أشهر، حين حصلت حادثة الإسراء والمعراج.. وكانت جميعها تصلى ركعتين ركعتين..
وفي السنة الأولى من قدوم محمد (ص) إلى المدينة، زادت صلاة الحَضَر إلى أربع ركعات في الظهر، وأربع في العصر، وأربع في العشاء، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين. لكنه صلى الصبح ركعتين كما كان، وزاد ركعةً في المغرب..
وأما صلاة الجمعة، فلم تكن موجودة في الفترة المكية.. وحين هاجر الرسول (ص)، ووصل إلى مكان يسمى قُباء، عند بني عمرو بن عوف، بقي لديهم 4 أيام، وأسس هناك مسجده الأول (الذي يزوره الحجيج).. واقترح عليه بعضهم أن يجمع الناس ليصلي بهم ويخطب فيهم.. وذكروا له أن يهود يجتمعون يوم السبت، والنصارى يجتمعون يوم الأحد. فاتفقوا على الاجتماع يوم الجمعة (وكان يسمى في الجاهلية “عَرُوبة”)، ولم يصلّها الرسول (ص) في قباء وإنما في بني سالم بن عوف..
وقيل إن أول صلاة جمعة صلاّها أهل يثرب قبل وصول النبي (ص)، وكان أسعد بن زرارة إمامهم..
ولم يُشرَع الوضوءُ والتيممُ والغسلُ للصلاة إلا بعد الهجرة، حين نزلت آيات الوضوء والتيمم من سورة المائدة، وآيات الغسل من سورة النساء..
ولم يكن للمسلمين طريقة خاصة ينادون بها للصلاة الجامعة.. وإثر اكتمال بناء المسجد في المدينة بعد فترة قليلة من الهجرة، رأى أحد الصحابة (عبدالله بن زيد الأنصاري) رؤيا في المنام تعلّمه الأذان، فذكر ذلك للنبي (ص) فأقره عليه وكلّف بلال بن رباح بالأذان..
كل هذا الكلام يثير ملاحظة أراها هامة، وهي أن تشريع الصلاة وتطورها على مراحل يبدو لحاجة اجتماعية بحتة.. فقد كانت هناك حاجة لتنظيم الجماعة الجديدة وإلزامها بشعائر ورموز جديدة تؤدي لتكوين هوية مشتركة جامعة.. وبعضها حصل نتيجة حوار وتوافق بين النبي (ص) وأتباعه..
والأمر ليس متعلقا فقط بالصلاة، وإنما حتى بالصوم والحج والزكاة.. فكلها تقريبا شعائر تم التوافق على مضامينها بين الرسول (ص) وصحابته.. وبتدرج زمني.. استمر على مدى أكثر من 15 سنة..
الأذان مثلا، اجتهاد من أحد الصحابة.. والصوم كان معروفا قبل البعثة.. إذ كانت قريش تصوم عاشوراء مثل اليهود.. والرسول كان يصومه قبل البعثة.. والمسيحيون كانوا يصومون أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.. ولم يفرض الصيام في الإسلام إلا في السنة 2 للهجرة.. والزكاة فرضت في السنة 2 أيضا.. والحج لم يفرض إلا في السنة 9 للهجرة، أي قبل وفاة الرسول (ص) بعام واحد، وبعد 22 سنة من البعثة..
كل هذا يوحي بأن هذه الشعائر كانت تهدف لخلق رموز تجمع الناس، ولم تكن مطلوبة لذاتها.. لأنها لو كانت جوهر العبادة لفرضت منذ أول أيام البعثة.
شخصيا، أعتبر أن الصلاة أداة مساعِدة على العبادة.. وليست هي العبادة كما هو مشهور الآن. جوهر العبادة حسب قناعتي الراهنة هو الفعل الاجتماعي، والوصايا العشر.. والصلاة والصيام والحج والزكاة كلها أدوات لتزكية النفس في سبيل تحقيق عبادة الله في الحياة.. إذ لا معنى للقول بأن الصلاة هي العبادة في حين أن وقتها لا يتجاوز نصف ساعة من جملة 24 ساعة في اليوم (يعني: 2%)