موقفي الشخصي: 1- مفهوم “الصحابة” مفهوم مغلوط، تم وضعه بخلفية مذهبية وسياسية بحتة.. وليس له أصل قرآني ولا نبوي.. وإنما استعمِل أوّلاً مع اصطلاح “المسلمين” لتمييز الانتماء الجديد على الانتماءات القبلية.. ثم تحول لمعيار لتمييز الأجيال (أو أهل القرون الأولى).. ثم استعمله أهل الحديث والفقه لإضفاء المكانة الفقهية والسياسية عند نشأة المذاهب العقائدية والفقهية ووضع العلوم الإسلامية الناشئة (الحديث والفقه والعقيدة)..

الصحابة بشر عاشوا في حياة الرسول (ص).. ومن عاش مع النبي (ص) مَثَله كمَثَل من عاش مع أي نبي آخر قبله.. لا ميزة له بالصحبة.. وإنما بدرجة إسلامه وعمله الصالح وسيرته الذاتية وخاتمته الدنيوية..

وليس في القرآن ما يشير إلى تزكية جيل كامل لمجرد معاصرته لنبي من الأنبياء..

وليس في القرآن ما يشير إلى أن مجرد الإيمان والصحبة والقرابة دليل تزكية كاملة..

والقرآن ذكر أن ابن نوح (ع) مات على كفر (ويبدو أنه كان مؤمنا بنبوة أبيه، ولكن رفض الانصياع للأمر النبوي بركوب السفينة، وكَفَر كُفر جحود)..

وذكر أن امرأة لوط (ع) اصطفّت إلى جانب قومها (ولا دليل على أنها كانت كافرة قبل ذلك، بل يبدو أنها كانت مؤمنة بنبوة زوجها، ولكن كفرت كفر جحود)..

ومن حواريي (صحابة) عيسى (ع) من خانه وزيّف الرسالة بعد ذلك..

ومن أبناء يعقوب (ع) من كذب على أبيه ورمى أخاه في الجب.. وقضى أكثر من 20 سنة من حياته في الكذب.. إلخ..

الصحبة والقرابة مع الأنبياء امتياز وحظوة لا تعني البتة الحصانة الدينية.. في القرآن لا توجد حصانة ديبلوماسية أو دينية أو فقهية أو عقائدية..

القرآن والنبي (ص) يعلّمنا أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبها كيف شاء.. وهذا ينطبق على الصحابة والتابعين، وغيرهم..

ويعلمنا أن الإيمان يزيد وينقص.. وهذا ينطبق على الصحابة والتابعين وغيرهم..

ويعلّمنا أن بعض الناس قد يقولون آمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم.. وهذا ينطبق على الصحابة والتابعين، وغيرهم..

ويعلّمنا أن بعض بني آدم (بمن فيهم الصحابة والتابعون) يعمل بعمل أهل الجنة ولكن يسبق عليه القول فيعمل بأهل النار فيدخلها.. وفي الحديث الصحيح أن النبي (ص) خاطب صحابته بهذه الكلمات: “إنّ أحدكم (كأنه يقول: يا صحابتي!) ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها ذراع.. فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها.. وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكونُ بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.. .. لذلك: فالصحابة بشر، يصيبون ويخطئون.. منهم من آمن وحسن إيمانه، ومنهم من آمن واختلط عمله الصالح بعمل فاسد، ومنهم من بدّل..

ومنهم من نافق، ومنهم من ارتد..

ومنهم من عدل، ومنهم من ظلم..

ومنهم من قاتل في سبيل الله، ومنهم من قاتل في سبيل الدنيا..

ومنهم من أنهى حياته على خير، ومنهم من أنهى حياته قاتلا لأنفس بغير أنفس ولا فساد في الأرض..

ولا يمكن القبول بمقولة تزكية جميع الصحابة ورفض الخوض في تقييم مسيرة كل واحد منهم..

والقرآن يوجب القيام بالقسط والشهادة لله ولو على النفس والأقربين..

2- وكذلك الحرص على الترضي كلما ذكر اسم أحد الصحابة، لا مبرر له ولا أصل له في القرآن والسنة.. بل حتى الآية التي تتحدث عن أهل بيعة الرضوان، لا تستدعي أن نلتزم هذا الترضي. وأعتبر أن هذه العادة جاءت ردة فعل فقط على من يسبون بعض الصحابة من الشيعة..

وفي تقديري، لا يليق بالمسلم أن يعتمد الفعل ورد الفعل كمنهج سلوكي مهما كان الظرف.. وردات الفعل السلوكية لا تؤدي إلا إلى الانحراف المنهجي..

وإذا كان الترضّي الوارد في القرآن الكريم، قد ورد في سياق الحديث عن الصحابة في الموضعين التاليين:

  • (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (سورة التوبة:100).
  • (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (سورة الفتح:18).

فإن هذا لا يفيد بحصر رضا الله عز وجل في الصحابة. بل إن رضى الله شامل للمؤمنين، بدليل نفس الآية (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، وبدليل الآية الأخرى في سورة البينة:

  • (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .. جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (سورة البينة:7-8).

وفي كل الحالات، ليس هناك ما يفيد من هذه الآيات القرآنية الحثَّ على التزام صفة الرضوان أو الترضي عند الحديث عن الأشخاص.

وإن كان هناك مِنْ أَمْرٍ حثّ الإسلامُ على التزامه تجاه الصحابة، فهو الاستغفار لهم، وليس الترضي عنهم:

  • (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (سورة الحشر:10).
  1. وأما حديث (لا تسبّوا أصحابي) فيقصد به الجماعة التي آمنت قبل الفتح، وليس جميع الصحابة.. بدليل أن كلام النبي (ص) كان موجها لخالد بن الوليد..

﴿والقرآن فاضل بين أتباع النبي (ص): {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا} (الحديد: 10).﴾

والحديث الصحيح (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه)، هو حديث تكريم واعتراف بالفضل والجميل.. وليس حديث تنزيه وإضفاء “عصمة” أو “عدالة” كاملة..