لماذا نخفي بعض الطاعات ونُظهر أخرى؟

تدور في الأذهان مسألة قديمة متجددة: هل الأصل في العمل الصالح أن يُخفى أم أن يُعلن؟ وهل إظهار الطاعة يعني بالضرورة رياءً، أم أن وراء الإظهار حكمة مشروعة؟

الجواب ليس واحدا في كل الحالات. فالنصوص القرآنية والنبوية تُفرّق بين نوعين من الطاعة: الفرائض والنوافل، ولكلٍّ منهما منطقه.

الفرائض: الإظهار هو الأصل

الأصل في الفرائض والأركان أن تُظهَر وتُعلن، لأسباب ثلاثة على الأقل:

  • في الجهر بها تعظيم لشعائر الإسلام وإبراز لتمسك المسلمين بدينهم.
  • في إظهارها دفع للتهمة، حتى لا يُظنّ بالمسلم أنه مُضيّع لما فرض الله عليه.
  • في الالتزام العلني بها تشجيع للآخرين على الاقتداء، فالخير يُغري بالخير، والصلاح يدعو إلى الصلاح.

النوافل: الإخفاء هو الأصل

أما النوافل والأعمال التطوعية، فالأصل فيها الإخفاء والكتمان، لأن الله وحده هو الذي يكافئ عليها، والخلق لا يملكون لصاحبها ضرا ولا نفعا.

غير أن هذا الأصل ليس مطلقا. فقد يُظهر المسلم نوافله لأسباب مشروعة، دون أن يكون في ذلك رياء:

الفرح بتوفيق الله: أن يفرح الإنسان بعمل صالح وُفّق إليه فرحَ شكر لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.

رجاء الستر في الآخرة: أن يتفاءل المسلم بأن الله كما ستر مساوئه وأظهر محاسنه في الدنيا، سيفعل ذلك في الآخرة. وفي الحديث: “لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة”. وفي الحديث الآخر عن ابن عمر: “يُدنى المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرّره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، رب أعرف. فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم تُطوى صحيفة حسناته”.

تحفيز الآخرين: أن يكون إظهار العمل حافزا لغيره ليقتدي به، فيتسع نطاق الخير. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من سنّ سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء”.

القدوة الواجبة: فقد أمر الله الأنبياء بإظهار طاعاتهم لأنه جعلهم أسوة لأتباعهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومثلهم في ذلك العلماء والدعاة ومن يُقتدى بهم.

السرّ والعلانية معا

لذلك أثنى الله على الإنفاق في السر والعلانية معا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.

وقد فهم علي بن أبي طالب هذا المعنى حين تصدق بدرهم في الليل وآخر في النهار، وبدرهم سرا وآخر علانية، عملا بالآية. وبذلك يكون قد عبد الله في كل الأوقات وعلى كل الأحوال.

لكن يبقى الإسرار بالصدقة أفضل، خصوصا إذا خشي المرء على نفسه الرياء، أو كان في الكتمان رعاية لكرامة الفقير. وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: “رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه”.

خطر الرياء الخفي

هذا هو المقام الأعلى: أن يُخفي الصدقة حتى عن أقرب الناس إليه. لكن إذا أظهرها لسبب مشروع فلا حرج عليه، شريطة أن يحترس من خداع النفس. فالنفس أمّارة بالسوء، وقد يتسلل الرياء إلى القلب دون أن يشعر صاحبه.

وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم تسلل الرياء إلى القلب بالنملة السوداء تمشي على صخرة ملساء في ليلة مظلمة: لا تُرى ولا يُسمع دبيبها. وللوقاية منه لا بد من الاستعانة الدائمة بالله، وفي الدعاء المأثور: “اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه”.

المعاصي: الكتمان واجب

إذا كان للطاعات رخصة في الإظهار أحيانا، فإن المعاصي ليس فيها رخصة للإعلان. بل جاء الأمر بإخفائها إن وقعت، لحكم عدة:

الاستتار بستر الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى”.

منع النفس من التمادي: فالنفس حين تتعود على إظهار الذنوب يزداد انهماكها فيها، ولا تعود تبالي باجتنابها.

الخوف من فضيحة الآخرة: فمن خاف هتك الستر في الدنيا خاف الأشد منه في الآخرة.

رفض المجاهرة بالسوء: كي لا يدخل المذنب في زمرة المتبجحين المتفاخرين بموبقاتهم. وفي الحديث: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه”.

حفظ الشهادة الحسنة: فالناس شهداء الله في الأرض. وقد مرّت جنازة أمام النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليها الصحابة خيرا فقال: “وجبت”. ومرت أخرى فأثنوا عليها شرا فقال: “وجبت”. ثم قال: “هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض”.

خلاصة

التوازن بين السر والعلانية ليس مسألة شكلية، بل هو انعكاس لحالة القلب. من كان قلبه عامرا بالإخلاص لم يضرّه إظهار الطاعة ولا إخفاؤها، لأن نيّته صادقة في الحالتين. والمعيار الحقيقي ليس في الفعل الظاهر، بل في ما يعتمل داخل القلب من صدق أو خداع.