حين فوجئنا بكارثة سبتمبر 2001 في أمريكا، عبّرنا — كما عبّر العالم الإسلامي — عن رفضنا لهذه الجريمة التي لا مبرّر لها شرعًا ولا عقلًا. أصدر العلماء والمؤسسات الإسلامية بيانات واضحة. وقلنا إننا نتألم لكل الضحايا الأبرياء.

وحذّرنا في الوقت نفسه من التسرّع في إلقاء التهم على العرب والمسلمين، ومن أن تُؤخذ أمّة بأسرها بجريمة أفراد. لكنّ الحاصل أنّ التهمة أُلصقت بالمسلمين، رضينا أم لم نرضَ.

مناخ الحقد: ليس وليد اللحظة

هذا المناخ من العداوة لم يبدأ مع سبتمبر. بل انطلق منذ سنوات حين قرّرت جهات غربية أنّ الإسلام هو العدوّ الجديد بعد سقوط الشيوعية. ما نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لتربية سياسية واجتماعية خاطئة ينبغي للغرب أن يتجاوزها، وينبغي للمسلمين أن يفهموا أهدافها ليواجهوها بوسائل حضارية.

السؤال الجوهري: ما المطلوب منّا؟

ما يهمّنا الآن ليس وصف الأزمة بل تحديد الدور. ما المطلوب من مسلمين يعيشون في الغرب في ظروف كهذه؟

أولًا: الخروج من دائرة الانفعال. المطلوب ألّا نسقط تحت تأثير الضغوط النفسية، وأن ننتقل من الإحساس بالذنب أو الضعف إلى التفاعل الإيجابي مع هذا الابتلاء. نحن مدعوّون إلى استيعاب الأحداث في إطارها التاريخي الواسع، بنظرة شاملة مكانًا وممتدّة زمانًا، تتجاوز الظواهر إلى التأمّل العميق.

ثانيًا: الوعي بأنّ وجودنا هنا نعمة ومسؤولية. وجودنا في هذه البلاد ليس صدفة بل فرصة. وحقّها الوحيد هو المساهمة في تبليغ كلمة الله إلى أهلها، رغم كل حملات التشويه.

قال صلى الله عليه وسلم: «بلّغوا عنّي ولو آية».

المسلم الحقّ لا يشعر بمسؤوليته عن نفسه وأهله وأمّته فحسب، بل يشعر بمسؤوليته عن الإنسان وهدايته ومصيره، ويترجم هذا الشعور إلى جهد حقيقي.

﴿وكذلك جعلناكم أمّة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾

﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾

مفترق الطرق: حين يتعارض الإسلام مع الراحة

حين ينسجم العمل للإسلام مع مصالح المسلم وظروفه يكثر العاملون. وحين يتعارض معها أو تأتي المحن والمضايقات يقلّ العاملون. وفي هذه اللحظة بالذات تكون مفارق الطرق بين الاستقامة والانحراف، بين إيثار جانب الله أو الوهن والاستسلام.

المسلمون الحقيقيون هم الذين يحملون حقيقة الإسلام لا مجرّد عنوانه، ويُجسّدون في حياتهم ومواقفهم الإسلامَ ومستقبله.

﴿أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون * ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين﴾

كلّ مسلم سفير

على كل واحد منا أن يعتبر نفسه سفيرًا للإسلام في هذه البلاد. لا يرى منه الناس إلا ما يمثّل الإسلام حقيقة. كل سلوك منحرف يقوم به أحدنا قد يُشوّه صورة الإسلام في أعين من لا يعرفونه.

﴿ومن أحسن قولًا ممّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾

وقال صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها».

نحن بحاجة إلى عناصر إسلامية عالمية المستوى، تستطيع أن تصل إلى عقول الناس وضمائرهم. وهذا ليس ترفًا بل فرض عين على كل مسلم قادر، في حدود استعداده ومجاله وحاجة العصر.