ثقافة التحذير تشكل أول خطوة من خطوات التكفير. والمسافة بين التحذير والتكفير مسافة قصيرة، لا يحسن غالبية الشباب تمييز حدودها، فتراهم يقفون على أرض التكفير ظنا منهم أنهم يقفون على أرض التحذير.
من التحذير إلى التكفير المستتر
وبعض الشباب يسقط في التكفير العملي والمستتر للآخرين، مع حرصه على عدم استعمال مصطلحات التكفير في نقد الآخرين. فتراه يلتزم التحذير من شخص أو داعية أو عالم أو فئة أو طائفة، ولسان حاله يخرجهم من دائرة الإسلام. وهذا من المغالطات التي يرتكبها هؤلاء الشباب في حق أنفسهم وفي حق من يقرأ لهم.
والمشكلة هنا ليست في مبدأ النقد ذاته، فالنقد مشروع ومطلوب، بل هي في الانزلاق من نقد الفكرة إلى إدانة صاحبها، ومن مناقشة الرأي إلى تصنيف الإنسان. وحين يتحول التحذير إلى عادة يومية وممارسة دائمة، فإنه يتحول من أداة للتمييز إلى أداة للإقصاء. ويصبح صاحبه أسيرا لنمط تفكير لا يرى في المخالف إلا خطرا يجب التحذير منه، بدل أن يرى فيه إنسانا قد يصيب في أمور ويخطئ في أخرى.
ضابط التحذير السليم
والتحذير السليم الداخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ذاك الذي يكتفي ببيان خطأ الفكرة أو الموقف أو الممارسة بعينها دون أن ينتقل إلى صاحبها. وهذا الضابط بسيط في صياغته لكنه صعب في تطبيقه، لأنه يتطلب من الناقد أن يفصل بين الشخص وبين فكرته، وأن يحترم كرامة الإنسان حتى وهو يختلف معه في الرأي.
أما حين ينتقل ليصبح تحذيرا من صاحب الفكرة أو الموقف أو الممارسة، وتعميم اتهامه على أساس خطئه في ذلك الأمر، فذلك الذي يدخل الإنسان في دائرة التكفير المستتر.
لماذا التكفير المستتر أخطر؟
والتكفير المستتر أخطر من التكفير الصريح، لأنه تشويه وقدح لمن لا يحق شرعا تشويهُه أو القدح فيه. وخطورته تكمن أيضا في أنه يتخفى وراء لغة شرعية ظاهرها النصيحة وباطنها الإقصاء. فالتكفير الصريح يمكن مواجهته والرد عليه لأنه واضح ومكشوف، أما التكفير المستتر فيتسلل في ثياب الغيرة على الدين والحرص على السنة، فيصعب كشفه ومحاصرته.
وحين يُدمن الشاب هذا النهج، فإنه يبني حوله جدارا من الوهم يظن معه أنه حارس الإسلام ومدافعه، بينما هو في الحقيقة يُضيّق واسعا ويُقصي من لا يستحق الإقصاء. وتلك هي المفارقة الكبرى: أن يظن الإنسان أنه يخدم الدين وهو يمارس أحد أخطر ما حذّر منه الدين نفسه.
إن الخروج من هذه الدائرة يبدأ بوعي الإنسان بخطورة ما يمارسه، وبتعلّمه أن الاختلاف سنة كونية، وأن احترام المخالف ليس تنازلا عن الحق بل هو من صميم الحق.