من السهل جدا أن تقول: الشيخ فلان حرّم كذا وكذا. ولكن من الصعب أن تتحدث — وأنت مجرد ناقل — عن أن هناك آراء فقهية لا ترى صحة هذا الرأي، لأنك أصلا لم تكلف نفسك التفكير أو القراءة والبحث.
وهذا ما يسهّل سريان الآراء الفقهية المتشددة لدى الشباب، لأنهم كثيرا ما يكتفون بقول عدد محدود من العلماء الذين يرتاحون إليهم وينبهرون بخطابتهم وسمتهم، ولا يجتهدون في معرفة أقوال علمية أخرى قد تكشف خطأ استدلال أولئك العلماء.
آلية الانتشار: السهولة مقابل الجهد
التشدد لا يحتاج إلى جهد فكري كبير، وهذا سر انتشاره. فحين يقول لك أحدهم “هذا حرام”، فقد أعطاك حكما جاهزا لا يتطلب منك سوى القبول والتسليم. أما حين يقول لك آخر “في المسألة أقوال عدة، ولكل قول أدلته”، فهذا يتطلب منك أن تقرأ وتقارن وتفكر وترجّح. والطبيعة البشرية تميل إلى ما هو أسهل وأقل كلفة ذهنية، خصوصا عند الشباب الذين لم تتكوّن لديهم بعد ملكة النقد والتمييز.
الانبهار بالخطابة وسمت العالم
ومما يزيد المشكلة تعقيدا أن كثيرا من الشباب يخلط بين جمال الخطابة وصحة المضمون، وبين حسن السمت وسلامة الاستدلال. فيُعجَب بعالم لبلاغته أو لهيبته أو لزهده الظاهر، فيظن أن كل ما يقوله هذا العالم لا بد أن يكون صوابا. وهذا الخلط بين الشكل والمضمون من أخطر ما يواجه الشباب في تكوينهم الديني، لأنه يغلق عليهم باب التعدد الفقهي المشروع الذي هو من رحمة هذا الدين وسعته.
التنوع الفقهي رحمة لا فوضى
والحقيقة التي يجهلها كثير من الشباب أن التنوع في الآراء الفقهية ليس علامة ضعف أو فوضى، بل هو دليل على حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب الواقع المتغير. وأن الأئمة الكبار أنفسهم كانوا يختلفون ويحترمون اختلافهم، ولم يكن أحدهم يدّعي احتكار الحقيقة.
فالخطوة الأولى نحو التحرر من التشدد هي أن يعترف الإنسان بأن ما يعرفه محدود، وأن ما لا يعرفه أوسع مما يعرف. وأن البحث والقراءة والمقارنة بين الأقوال ليست ترفا فكريا، بل هي واجب على كل من يريد أن يفهم دينه فهما سليما بعيدا عن الغلو والتطرف.