قراءة نقدية في مغالطات منشور طائفي

في فترة تشتعل فيها المنطقة وتتشابك فيها محاور الصراع، يظهر من حين لآخر خطاب يستدعي التاريخ لا لفهمه، بل لتوظيفه.

منشور حَظِي بتداول واسع في الفضاء الافتراضي التونسي كتبه الشيخ عبد القادر الونيسي، وهو صوت مسموع في قواعد النهضة، يُقدَّم بوصفه شهادة تاريخية وتحليلاً سياسياً، لكنه عند المراجعة الدقيقة يكشف عن انتقائية منهجية في قراءة الوقائع، وتحريف متعمد في نقل الروايات، وتناقض صارخ مع المواقف الرسمية للحركة ذاتها التي ينتمي إليها.

ليس هذا المقال دفاعاً عن النظام الإيراني أو مسايرةً لأي طرف في الصراع الدائر، بل هو دعوة إلى النزاهة الفكرية وردٌّ على مغالطات بعينها، من باب أن توظيف التاريخ المزيَّف لصناعة العداوة لا يُقل خطراً عن العداوة ذاتها.

أولاً: الدستور الإيراني — نص كامل في مواجهة اقتباس منقوص

يستشهد كاتب المنشور بالمادة الثانية عشرة من الدستور الإيراني دليلاً على طابع الدولة الإقصائي، وهو محق في الإشارة إلى أن المذهب الجعفري الاثني عشري هو المذهب الرسمي وأن هذا النص “غير قابل للتغيير”. لكنه يتوقف هنا تماماً، وكأن المادة تنتهي عند هذا الحد.

غير أن المادة ذاتها تنص صراحةً على أن المذاهب الإسلامية الأخرى — الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والزيدي — تحظى باحترام كامل، وأن أتباعها أحرار في ممارسة شعائرهم الدينية، وأن لهم وضعاً رسمياً في الأحوال الشخصية والتعليم الديني. هذا ليس دفاعاً عن التطبيق العملي للدستور، ولا إنكاراً لما يعانيه عرب الأهواز وغيرهم، بل هو التزام بالأمانة في نقل النص. الانتقائية في الاقتباس من وثيقة قانونية هي أداة من أدوات التضليل، مهما كانت نية صاحبها.

ملاحظة منهجية: الاستشهاد بشطر نص وحجب الشطر الآخر ليس توصيفاً — إنه توجيه. والفارق بين التحليل الموضوعي والخطاب التحريضي يقع تحديداً في هذا الفارق.

ثانياً: رواية “الوفد السني وطلب التشيع” — تحريف في رواية موجودة

يزعم الكاتب أن الخميني استقبل وفداً من علماء أهل السنة وطالبهم صراحةً بـ”الإنخراط في التشيع والمذهب الإثني عشري”. هذه الرواية بهذه الصياغة مخترَعة، ولا يُثبتها أي مصدر تاريخي أولي.

ما الذي حدث فعلاً؟

ما توثقه المصادر الأولية — ومنها شهادة يوسف ندا، المفوض الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وأحد منظمي زيارة طهران، في برنامج “شاهد على العصر” ومذكراته — يختلف جوهرياً عن رواية المنشور:

الوفد ذهب يعرض على الخميني أن يكون “خليفة للمسلمين”، لا أن يُقنعه بالوحدة الإسلامية.

اشترط الإخوان على الخميني شرطاً من طرفهم: أن يُصرّح بأن الخلاف السني-الشيعي “خلاف فقهي تاريخي لا خلاف في أصول العقيدة”.

الخميني لم يرفض العرض مباشرة، بل طلب التأجيل لحين صدور الدستور.

لما صدر الدستور ونص على “ولاية الفقيه” والمذهب الجعفري مذهباً للدولة، انسحب الوفد وأيقن أن المشروع قومي مذهبي لا إسلامي أممي — وهذا الاستنتاج صحيح ومشروع.

الفارق جوهري ودقيق: بين زعيم قال لضيوفه “تشيَّعوا”، وزعيم رفض التنازل عن هوية دولته ليكون خليفةً للجميع. الأول إكراه ديني، والثاني — مهما اختلفنا مع تبعاته السياسية — موقف سيادي من طبيعة الدولة التي يبنيها.

ثالثاً: القرضاوي والتسخيري — خلط بين الوقائع

يصف الكاتب القرضاوي بأنه “انبرى بمحاولة التقريب واستدعى التسخيري لنيابته”، ثم “خلص إلى أن لا فائدة ترجى من الحوار مع هؤلاء لأن الحوار عندهم هو لإقناع أهل السنة بفساد عقيدتهم”.

الواقع أكثر دقة وتركيباً:

القرضاوي لم ينبر بشيء.. جهود التقريب كانت قائمة منذ الأربعينات.. ودار التقريب بين المذاهب الإسلامية تأسست في القاهرة سمة 1947 بجهود من شيخ الأزهر محمود شلتوت والمرجع الشيعي الشيخ محمد تقي القمي.

نعم، كان التسخيري نائباً في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. ونعم، حدث خلاف علني بين الطرفين، لكن موضوعه كان “سياسة نشر التشيع في مصر وشمال أفريقيا” (2008) وليس “الحوار على الإطلاق”. وهنا يكمن تلاعب الشيخ الونيسي بالحقائق لتركيب عبارات غير حقيقية من أجل دعم سرديته.

حقيقة ما حصل تاريخيا

تأسس الاتحاد سنة 2004، وكان القرضاوي رئيسا (من السنة)، والتسخيري نائب رئيس (من الشيعة)، والخليلي مفتي عمان نائب رئيس (من الإباضية).

التحول في موقف القرضاوي بدأ سنة 2007، في المناظرة الكبرى الموثقة بينه ورفسنجاني على قناة الجزيرة عام 2007. وتحول موقف القرضاوي انفجر فعلاً — لكن المحطة الحاسمة كانت الثورة السورية عام 2011، حين وصف حزب الله بـ”حزب الشيطان”.

أما عبارة “الحوار عندهم هو لإقناعنا بفساد عقيدتنا” — فهذه صياغة لم تصدر عن القرضاوي بهذا الشكل الإطلاقي، وتحميل موقف شخص تحولات تدريجية بمرحلة تاريخية واحدة هو اختزال يزيّف الصورة.

شرارة الخلاف بين القرضاوي وتسخيري حصلت سنة 2008: بتصريحات أدلى بها الشيخ القرضاوي لصحيفة “المصري اليوم”، حذر فيها مما وصفه بـ “الغزو الشيعي” للمجتمعات السنية، معتبراً أن هناك محاولات منظمة لنشر التشيع في بلاد سنية خالصة.

في محاولة لإنقاذ الاتحاد من الانهيار، عُقد اجتماع مغلق في الدوحة في أكتوبر 2008 بحضور الطرفين. وصرح التسخيري بعدها بأن الخلاف كان “سحابة صيف مضت”، مؤكداً على استمرار العمل المشترك داخل الاتحاد. (هذا موثق في موقع الشيخ يوسف القرضاوي)

وفي سنة 2010، حصلت القطيعة والاستقالة: رغم محاولات الصلح، ظل التوتر كامناً حتى أعلن الشيخ التسخيري استقالته الرسمية من منصب نائب رئيس الاتحاد في عام 2010. كانت الأسباب المباشرة (حسب موقع المسلم) تعود إلى:

  • استمرار القرضاوي في انتقاد السياسات الإيرانية.

  • الخلاف حول الموقف من أحداث إقليمية بدأت تتبلور آنذاك.

  • شعور الجانب الشيعي بأن الاتحاد أصبح يعبر عن وجهة نظر واحدة بدلاً من كونه منصة للتقريب.

يعني أن من المغالطة الحديث عن كون الخلاف بدأ في 1979. الخلاف حديث بعد 30 سنة كاملة من التعاطف والحوار والتقريب والتنسيق.

رابعاً: التناقض مع مواقف النهضة والتطور التدريجي للغنوشي

ما يزيد هذا المنشور إشكالاً هو صدوره عن شيخ معروف بقرابته وقربه من حركة النهضة التونسية، وهي الحركة التي يمثل زعيمها راشد الغنوشي أكثر مثال على الانبهار الأولي بالثورة الإيرانية، وهو انبهار لم ينتهِ بقطيعة حديّة مذهبية كما يُروج المنشور، بل عبر مخاض سياسي طويل:

مرحلة التبني (1979): أصدر الغنوشي مجلة “المعرفة” وصورة الخميني على الغلاف تحت عنوان “وانتصر الإسلام”، وكتب مقالات تشرعن لولاية الفقيه بوصفها ثورة فكرية إسلامية.

استمرار التواصل رغم “الاختلاف”: لم يكن التحول في موقف الغنوشي صدامياً أو مذهبياً؛ فقد زار إيران ضمن وفود إسلامية في الأشهر الأولى للثورة، وظل يتردد عليها لعقود في مؤتمرات التقريب والوحدة الإسلامية، حين كان الغنوشي في المنفى.

زيارات ما بعد الثورة التونسية (2011): حتى بعد سقوط بن علي، لم يقطع الغنوشي حبال الود؛ فقد زار طهران في سبتمبر 2011 للمشاركة في مؤتمر “الصحوة الإسلامية”، والتقى بمرشد الثورة علي خامنئي، وصرح حينها بأن “الثورة التونسية وإيران تلتقيان في رفض الاستبداد”، وإن ميز النموذج التونسي بطابعه الديمقراطي.

الاختلاف السياسي لا العقدي: التحول في موقف الغنوشي لم يصل أبداً إلى درجة “العداء المذهبي”، بل كان اختلافاً سياسياً حول موقف إيران من ثورات الربيع العربي، وتحديداً في سوريا. فحتى عام 2016، كانت قيادات النهضة تستقبل الوفود الإيرانية في تونس، مما يؤكد أن “القطيعة” التي يتحدث عنها الونيسي لم تكن موجودة في وعي قيادته السياسية.

والمفارقة أن يكتب الشيخ الونيسي القريب من النهضة، مقالاً يصور الثورة الإيرانية وكأنها كانت منذ اليوم الأول تطلب من السنة التشيع، في تناقض صريح مع ما عاشه مؤسس الحركة وكَتبه وشَهد به طيلة 40 عاماً.

خامساً: توظيف اللحظة الراهنة

لا يمكن فصل هذا المنشور عن سياقه: نُشر في لحظة تخوض فيها إيران وإسرائيل وأمريكا صراعاً مفتوحاً تتشكل على ضوئه خرائط المنطقة. في هذه اللحظة، يصبح الخطاب الطائفي وقوداً في صراع لا يخدم لا السنة ولا الشيعة بل أطرافاً أخرى لها حسابات مختلفة تماماً.

النقد الموضوعي للسياسة الإيرانية — في اليمن والعراق وسوريا — مشروع ومدعوم بوقائع. لكن الانزلاق من نقد نظام سياسي إلى تحميل مذهب بأسره مسؤولية مشروع توسعي هو خطأ منهجي وأخلاقي في آن. الشيعة العرب في لبنان والعراق والخليج ليسوا امتداداً لولاية الفقيه، وكثير منهم ضحاياها. والمرجعية النجفية بقيادة السيستاني تختلف جوهرياً مع نظرية الخميني.

خلاصة:

ما يحتاجه العقل العربي في هذه اللحظة ليس مزيداً من خطاب يصنع مزاجاً عدائياً بأدوات نصف صحيحة. يحتاج إلى قدرة على التمييز:

  • بين نقد نظام، وتحميل مذهب.

  • بين رواية موثقة، وسردية مُركَّبة.

  • بين الاستشهاد الكامل بنص، والاقتباس الانتقائي منه.

  • بين التحليل السياسي، والتحريض المذهبي.

التاريخ ليس ملكاً لمن يعرف كيف يوظّفه، بل هو أمانة لمن يعرف كيف ينقله.