من الأسئلة التي تفرض نفسها عند قراءة القرآن: كيف لا يقتنع أقرب الناس إلى الأنبياء أحيانا، رغم صدق الرسالة وقوة الحجة وعمق العلاقة؟ كيف لا ينجو ابن نوح، ولا يؤمن أبو طالب، ولا تستجيب بيئات شديدة القرب من أصحاب الرسالات؟
الجواب الذي يقدمه القرآن، وتؤكده بدرجة ما بعض مبادئ علم الاتصال الحديث، هو أن جودة الرسالة لا تكفي وحدها. فالتواصل ليس فعلا أحاديا يصنعه المرسل فقط، بل علاقة يدخل فيها استعداد المتلقي، وانغلاقه، وهويته، وخوفه، ومصالحه.
أمثلة قرآنية دالة
في قصة نوح، يقول لابنه: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، فيرد الابن: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء (هود: 42-43). النداء هنا عاطفي وعقلاني في الوقت نفسه، ومع ذلك لا يقع الاقتناع.
وفي خطاب إبراهيم لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (مريم: 42)، نرى حجة هادئة ولغة أدب، لكن الجواب يأتي بالتهديد: لأرجمنك واهجرني مليا (مريم: 46).
وفي قصة يعقوب، لا نرى فقط فشل الإقناع، بل عجز الأب المحب عن منع أبنائه من الانزلاق إلى الغيرة والظلم، حتى يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله (يوسف: 86).
وفي شأن أبي طالب يأتي البيان الحاسم: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء (القصص: 56). المحبة وحدها لا تكفي، والقرب العاطفي ليس ضمانة للقبول.
ماذا يقول القرآن عن انسداد التلقي؟
يستخدم القرآن صورا قوية لوصف حال بعض الرافضين: ختم الله على قلوبهم (البقرة: 7)، واتخذ إلهه هواه (الجاثية: 23)، وصم بكم عمي فهم لا يرجعون (البقرة: 18). والمقصود هنا ليس أن يمنحنا القرآن رخصة للحكم السريع على الناس، بل أن يلفت النظر إلى أن رفض الرسالة قد يكون أحيانا نتيجة انسداد داخلي سابق على قوة البرهان نفسه.
بمعنى آخر: ليست كل مقاومة للحقيقة ناتجة عن ضعف في عرضها. أحيانا تكون مرتبطة بالهوية، أو بالكبرياء، أو بالخوف من خسارة الموقع، أو بالولاء لجماعة لا يريد الإنسان مغادرتها.
ما يوافقه علم الاتصال
يعرف علم الاتصال الحديث ظواهر مثل التحيز التأكيدي، حيث يميل الإنسان إلى تأويل المعلومات الجديدة بما يحفظ قناعته السابقة بدل أن يراجعها. كما يعرف أثر الهوية الجماعية، حيث يصبح تغيير الرأي مهددا لصورة الفرد عن نفسه ولموقعه داخل جماعته.
لهذا قد تكون الحجة قوية، لكن المتلقي غير مستعد نفسيا أو اجتماعيا لاستقبالها. وهذه الفكرة لا تنزع المسؤولية عن الإنسان، لكنها تفسر لماذا لا تؤدي البلاغة أو المحبة أو المنطق دائما إلى النتيجة نفسها.
تحرير المصلح من وهم السيطرة
من أعمق الدروس في هذا الباب أن القرآن يحدد مسؤولية المرسل تحديدا واضحا: فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (الرعد: 40)، وما على الرسول إلا البلاغ (المائدة: 99). أي إن صدق الرسالة وإتقان تقديمها واجب، لكن اقتناع الآخرين ليس شيئا يمكن التحكم فيه بالكامل.
هذا الدرس ثمين لكل معلم وداعية ومفكر ومربّ. ليس كل عدم اقتناع دليلا على فشل الرسالة أو على ضعف صاحبها. أحيانا يكون كل ما يمكن فعله هو أن تُقال الكلمة بصدق، وأن يُترك للزمن ولتجربة المتلقي ما لا تملكه البلاغة وحدها.
خاتمة
الأنبياء يعلموننا أن القرب لا يضمن الاقتناع، وأن الإخلاص لا يضمن الأثر السريع، وأن مهمة المصلح ليست السيطرة على ضمائر الناس. ما يملكه هو أن يحسن البيان، ويصدق في المقصد، ويعرف أن القلوب لا تُفتح كلها بالطريقة نفسها ولا في التوقيت نفسه.
هذه الحقيقة لا تدعو إلى الاستسلام، بل إلى تواضع أعمق في فهم حدود الإقناع نفسه.