حين يخرج شخص من تجربة حزبية طويلة، يسهل على الناس أن يختزلوا خروجه في خلاف سياسي، أو خصومة شخصية، أو تغير مزاج فكري. وهذا الاختزال مفهوم، لأن الأسباب التنظيمية أقل إثارةً للخيال من الانشقاق الأيديولوجي، وأقل درامية من القطيعة المبدئية. الانشقاق الأيديولوجي يُحكى، ويُعلَّق عليه، ويصنع روايةً مشتعلة. أما الاستقالة لأسباب تنظيمية، فيصعب على كثير من الناس أن يفهموا لماذا يغادر إنسان بيته بسبب طريقة انعقاد اجتماع. لكن بعض القرارات تكون أعمق من ذلك بكثير. تكون نتيجة تراكم بطيء لأعطاب بنيوية تجعل البقاء نفسه نوعا من التنازل عن المعايير التي دخل المرء من أجلها أصلا.

هذا هو الإطار الذي أفهم فيه استقالتي من حركة النهضة في أغسطس 2013. لم تكن المشكلة عندي في تلك اللحظة خلافا على كل الخيارات السياسية للحركة، ولا اعتراضا عابرا على سياسات الحكومة، ولا انقلابا أيديولوجيا على المرجعية الإسلامية. كانت المشكلة، في أصلها، مشكلة تنظيم: كيف تدار المؤسسة؟ كيف تتخذ القرارات؟ كيف توزع المسؤوليات؟ كيف تقاس الكفاءة؟ وكيف يعامَل الاختلاف الداخلي حين يظهر؟ هذه أسئلة تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة أسئلة أخلاقية عميقة: لأن الطريقة التي تدار بها المؤسسة هي المرآة الحقيقية لقيمها، لا الشعارات التي ترفعها.

وصلت إلى هذه القناعة بعد احتكاك طويل، لا بعد لحظة غضب. وزادها وضوحا نزاع امتد قرابة مئة يوم في السياق الكندي، حين اصطدمت بصلابة البنية الحزبية وهي تواجه سؤالا داخليا حرجا: ما حدود الاستقلالية المحلية؟ وأين ينتهي الرأي الفردي وتبدأ الطاعة التنظيمية؟ كان ذلك النزاع مكلفا على الصعود الشخصي، لكنه كان في الوقت نفسه فرصة نادرة لرؤية البنية التنظيمية من الداخل وهي تُجرَّب تحت ضغط حقيقي. ولم يكن النزاع هو السبب الوحيد للاستقالة، لكنه كشف بحدة ما كنت أراه من قبل على نحو متفرق ومبعثر: أن المشكلة ليست في ملف واحد، بل في طريقة اشتغال التنظيم حين يواجه الضغط الداخلي الحقيقي. الأعطاب لا تظهر وقت الرخاء، بل وقت الاحتكاك.

أولا: أزمة الشورى الداخلية

الشورى لا تكون بمجرد وجود عناوين تنظيمية أو اجتماعات دورية مقررة. الشورى الحقيقية تعني أن يكون للرأي أثر، وأن تكون المداولات ذات قيمة فعلية قبل اتخاذ القرار لا بعده، وأن لا تتحول القرارات الكبرى إلى نتائج جاهزة يُطلب من القاعدة أن تباركها بعد وقوعها. ما عشته في أكثر من سياق كان الصورة المعكوسة من هذا تماما: قرار يُتخذ في دائرة ضيقة، ثم يُعرض على الهيئات الأوسع في صيغة تستوجب الإقرار لا المناقشة. وهذا لم يكن دائما بسوء نية، بل في أحيان كثيرة نتيجة عجلة، أو خوف من الخلاف، أو اعتقاد راسخ بأن القيادة الوسيطة تعرف ما هو أفضل. لكن النتيجة واحدة: حين تفرغ الشورى من مضمونها، يبقى الاسم وتغيب الروح، ويصبح الاعتراض نوعا من “الخروج عن الجماعة” لا استعمالا لحق مشروع. ومن أعمق ما يُحزن في هذا السياق أن الكثيرين يشعرون بالغبن لكنهم يلتزمون الصمت لأنهم لا يملكون مساحة آمنة للتعبير. فيتراكم الإحساس بالتهميش حتى يصبح خلفية ثابتة للعمل المشترك.

ثانيا: أزمة الهيكلة

التنظيم الذي لا يعرف حدوده الوظيفية، ولا يضبط صلاحياته، ولا يوضح خطوط المساءلة داخله، يترك فراغا سرعان ما تملؤه العلاقات الشخصية والانطباعات وموازين القرب والبعد من دوائر القرار. رأيت ذلك بوضوح في السياق الكندي تحديدا، حيث يُفترض أن تكون البنية التنظيمية أكثر انضباطا بحكم صغر الحجم وبُعد المسافة. لكن ما وجدته هو أن الهيكل الرسمي كان واجهة، والقرار الفعلي يجري في قنوات أخرى غير معلنة. في مثل هذا المناخ، لا تعود المسؤولية تكليفا مضبوطا، بل تتحول إلى مساحة رمادية تتداخل فيها الولاءات وتضيع المعايير. والأخطر في غياب الهيكلة الواضحة ليس فوضى القرار فحسب، بل ما يصنعه في النفوس: يجعل الإنسان يشعر دائما بأنه يلعب في ملعب تتغير قواعده بلا إعلان، وأن الوضوح الذي يطلبه ليس إلا طلبا لما هو مشروع أصلا في أي مؤسسة محترمة.

ثالثا: غياب التخطيط الاستراتيجي

المؤسسات التي تريد أن تؤثر في المجتمع لا يكفيها أن تكون صاحبة نوايا حسنة. تحتاج إلى رؤية بعيدة تتجاوز الاستجابة اليومية للأحداث، وأهداف مرحلية قابلة للقياس، وآليات مراجعة دورية لا تنتظر الأزمة لتُفعَّل، وتراكم خبرة ممنهج لا يذهب مع كل دورة جديدة من القيادة. الحركات الدينية والسياسية لديها إغراء خاص بالاكتفاء برد الفعل، لأن الأحداث كثيرة والاستجابات الأخلاقية ضرورية. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح رد الفعل بديلا عن الرؤية. ما كان يُقلقني على المدى البعيد هو أن الحركة في مراحل حرجة كانت تدير الأزمات بدل أن تبني سياسات، وتتفاعل مع المشهد السياسي اليومي بدل أن تحدد أين تريد أن تكون بعد عشر سنوات. وهذا الفرق صغير في الشكل لكنه ضخم في الأثر: الأول ينتج ردود أفعال متفرقة، والثاني ينتج مسارا.

رابعا: ضعف التدريب والتكوين

عملت لسنوات في البيئة الكندية، وفهمت عن قرب ما تعنيه ثقافة التكوين المؤسسي. من يتولى مسؤولية يُدرَّب عليها قبل أن يُرمى فيها. من ينتقل إلى دور جديد يحتاج إلى أدوات جديدة. وهذا لا يعني استنساخ الثقافة الغربية، بل هو شرط مؤسسي عالمي: التكوين قبل التكليف. لكن ما رأيته في السياق الحزبي كان نقيض ذلك: الانتداب يقوم على الثقة والولاء والحضور، والتكوين يُعتبر ترفا أو يُرجأ إلى ما لا نهاية. الفرد يُرمى في المسؤولية بلا استعداد، ثم حين يُقصِّر يُحاسَب وحده، لا تُراجَع المنظومة التي لم تزوده بما يحتاج. وهذا يخلق دوامة: كلما كان الناس غير مُكوَّنين، كلما كانت النتائج أدنى، وكلما كانت الأزمات أكثر، وكلما انشغل الجميع بإخمادها بدل الاستثمار في التكوين الذي يمنع وقوعها.

خامسا: تصدر غير الأكفاء

هذه ليست ملاحظة نخبوية ولا دعوة إلى تكنوقراطية باردة، بل قاعدة بديهية في أي عمل مؤسسي محترم: إذا لم توضع الكفاءة في مكانها، دفعت المؤسسة كلها الثمن. ما رأيته في أكثر من موقع هو أن الكفاءة لم تكن المعيار الأول في الانتداب. الأقدمية الحركية، والمعرفة الشخصية بالقيادة، والانتماء إلى الجيل التأسيسي — هذه كانت المداخل الفعلية. لا أنكر قيمة التجربة الحركية ولا أزدري الجيل المؤسس، لكن الأمانة تقتضي القول: حين تُقدَّم معايير الولاء على معايير الكفاءة بشكل منهجي، تتشوه المؤسسة تدريجيا. يصبح اجتهاد الأفراد الأكفاء محاولة مستمرة لترقيع اختلال بنيوي أعمق، والعمل الجاد في مثل هذا المناخ مُنهِك بلا أفق. ومن أشد ما يُحبط العاملين الجادين أن يروا الكفاءة لا تُوصلهم، أو أسوأ من ذلك: أن يروها تُعاقَب بطريقة ما لأنها تُحرج من ليس عنده ما يساويها.

سادسا: غياب التقييم

لا يمكن بناء مؤسسة من غير مرايا صادقة. التقييم المنتظم ليس جهازا بيروقراطيا باردا، بل ضرورة حيوية وأداة احترام: يكشف ما ينجح فيُعزَّز، وما يخفق فيُراجَع بدل أن يُغطى. خبرتي في قياس الأداء المؤسسي — سواء في المطار أو في الجامعة — علمتني أن المؤسسات التي تتجنب التقييم لا تتجنبه لأنها ناجحة، بل في الغالب لأن التقييم سيكشف ما لا يريد أحد أن يواجهه. حين سعيت في مرحلة معينة إلى إدخال منهجيات تقييم مستوحاة من هذه الخبرة، كان الجواب الضمني هو المقاومة أو التجاهل. وهذا لم يكن موقف شخص واحد، بل ثقافة مترسخة: التقييم يُشعر بأنه تشكيك في النوايا، والقياس يبدو كأنه اتهام، والمعيار يُقرأ كأنه هجوم. وحين تتحول أدوات الإصلاح الداخلي إلى مصدر تهديد، يصبح الإصلاح الحقيقي مستحيلا بالتعريف.

سابعا: ضعف المحاسبة

الشرط الأول لأي ثقافة محاسبة هو أن يكون الخطأ قابلا للتسمية من غير أن تتحول تسميته إلى خيانة. لكن ما عايشته كان نمطا مختلفا: الأخطاء تُدار بالصمت أو بالتبرير الداخلي أو بنسبها إلى الظروف الخارجية، لا بمواجهتها ومعالجتها. ولما كانت المحاسبة متوجهة دائما نحو الخارج — الخصوم، الإعلام، الدولة العميقة، المتآمرون — ونادرا نحو الداخل، تراكمت أخطاء لم تُصحَّح وتحولت إلى عبء ثقيل على من يعمل بجدية. والفارق بين مؤسسة تحاسب نفسها وأخرى لا تفعل ليس فقط فارقا في الكفاءة، بل فارق في الصدق الأخلاقي. المؤسسة التي ترفع شعارات العدالة في مواجهة الخارج ولا تُطبقها على الداخل، تعيش في تناقض يستنزف مصداقيتها تدريجيا، حتى عند أوفى أعضائها.

ثامنا: تجميد الخلافات بدل معالجتها

اكتشفت أن ثمة آلية غير مكتوبة لتعطيل الخلاف: لا بالحل، ولا بالمواجهة، بل بالتأجيل إلى ما لا نهاية. الخلاف المعلق يسمح للطرفين بالادعاء أنهما ما زالا داخل البيت الواحد، لكنه في الوقت نفسه يمنع المعالجة الحقيقية. هذه الآلية مفهومة نفسيا: المواجهة مؤلمة، والتأجيل يشتري سلاما مؤقتا. لكن ما علمته من خبرة الإدارة هو أن الخلاف المُجمَّد يتراكم فائدةً سلبية: كل شهر يمر بلا حل يزيده تعقيدا، ويصعّب خياراته، ويرهق الأطراف المعنية. وحين يصبح التأجيل إستراتيجية لا ملاذا مؤقتا، فإن الخلافات لا تختفي بل تهاجر: تنتقل من الطاولة الرسمية إلى الهمسات والتكتلات غير المعلنة، وتتشكل فيها مراكز قوى موازية تعمل خارج الهيكل الرسمي. وهذا بالضبط ما يُمهد لانفجارات لاحقة أعمق وأكثر تدميرا مما كان يمكن معالجته في وقت مبكر بجهد أقل.

تاسعا: استعمال الضغط التنظيمي في غير موضعه

بلغ الأمر في بعض السياقات أن يصبح التجميد أو العزل النسبي أو الضغط النفسي أداةً لإخضاع المختلف، لا مدخلا لمعالجة المشكل. وهنا ينتقل الخلل من قصور إداري إلى بنية ثقافية: بنية تكره الاختلاف المنتج، وتخشى الحرية الداخلية، وتفضل السلامة الشكلية على الإصلاح الحقيقي. الضغط التنظيمي حين يُستعمَل بهذه الطريقة لا يُصلح شيئا، بل يُفرخ استياءً صامتا يتراكم حتى يفجر التنظيم من داخله. والأشد إيلاما في هذا هو أن من يتعرض لهذا الضغط في الغالب هو الأكثر جدية والأكثر استثمارا في التنظيم، لأن من لا يهتم أصلا لا يُشكّل تهديدا. وحين يُعامَل الاهتمام الجدي كما لو كان تمردا، تُعطى رسالة ضمنية لكل الأعضاء: الالتزام الفعلي خطر، والموافقة الصامتة أسلم.

عاشرا: انكماش مساحة الحرية الفكرية

ربما كان هذا العطب الأخير هو الأثقل عندي، لأنه المرتبط مباشرة بمعنى الانتماء. دخلت الحركة لأنني وجدت فيها فضاء يجمع بين الانتماء الإسلامي والانفتاح الفكري والعمل العام. كانت هذه التوليفة، في مرحلة من المراحل، حقيقية ومبهجة. لكن مع الوقت وجدت أن المساحة تضيق: الأسئلة المحرجة تُقابَل بالتحفظ، والآراء المستقلة تُعامَل بشيء من الريبة، والتزام الصمت أو اتخاذ مسافة آمنة من المواقف الرسمية يُعتبر فضيلة تنظيمية. هذا الضيق لا يأتي دائما بقرار رسمي: لا أحد يقول “يُمنع التفكير المستقل”. لكنه يتشكل تدريجيا عبر إشارات صغيرة: نظرة، وتعليق مُلتبَس، وتجاهل موقف متميز في جلسة رسمية. وعندما يبدأ الإنسان يرقب نفسه قبل أن يتكلم داخل بيته الفكري، يكون قد بدأ في الحقيقة بالمغادرة. المشكلة لم تكن أنني اختلفت في آراء بعينها — الاختلاف طبيعي. المشكلة كانت أن الاختلاف نفسه بدا وكأنه يحتاج إلى إذن.


عند هذه النقطة تحديدا — حين صارت العشر أعطاب أنماطا تتكرر لا استثناءات قابلة للتجاوز — أصبح البقاء نوعا من المشاركة الصامتة في إعادة إنتاج ما لا أرضى عنه. وتوضَّح لي أن الإصلاح من الداخل كان خيارا حقيقيا في مرحلة، لكنه في مرحلة أخرى يتحول إلى وهم يُبقي الإنسان رهينة بنية لم تعد تملك إرادة الإصلاح. وليس الإصلاح من الداخل مستحيلا دائما — لكنه يشترط أن تقبل البنية الإصلاحَ أصلا. وحين يغدو السؤال ذاته عن الإصلاح موضع ريبة، يصبح البقاء مكلفا بطريقة لا مسوّغ لها.

لا أكتب هذا من باب تصفية الحساب، ولا لإصدار حكم شامل على كل من بقي أو اجتهد أو أخطأ. فيهم من يحمل نوايا صادقة وطاقة حقيقية، وهم ليسوا موضوع هذا المقال. أكتبه لأن التجارب الحزبية لا تتطور إذا حرمنا أنفسنا من الشهادة الدقيقة. الشهادة المؤسسية الصادقة ليست هجوما على التجربة، بل هي من أعمق أشكال الاحترام لها. وأكتبه أيضا لأن كثيرا من الأزمات التي تظهر لاحقا في الحركات لا تكون مفاجئة في الحقيقة — تكون قد ظهرت في صورة إشارات مبكرة، لكن أحدا لم يرد أن يسمعها في وقتها.

ما تعلمته من تلك المرحلة هو أن أي مشروع أخلاقي أو دعوي أو سياسي يفقد صدقيته إذا لم يبن داخله ثقافة مؤسسية صلبة: شورى لها معنى، وهيكلة واضحة، وتخطيط، وتكوين، وكفاءة، ومحاسبة، وحماية حقيقية لحرية الاختلاف. من دون ذلك، تظل الشعارات أكبر من البنية الحاملة لها. وحين تتكرر هذه الفجوة، يضطر بعض الناس إلى المغادرة — لا لأنهم يرفضون الفكرة، بل لأنهم يرفضون الطريقة التي تُدار بها الفكرة.

ربما كان القرار في ظاهره استقالة من تنظيم. لكنه في عمقه كان محاولة لحماية معيار داخلي: أن تبقى الحرية الفكرية، والصدق مع النفس، والوضوح المؤسسي، مقدمةً على الولاء المريح لبنية لم تعد قادرة على إصلاح نفسها من داخلها.