كان ذلك في الأسابيع الأولى. شاهدت زميلا في العمل يصطف في طابور الكافيتيريا خلف عامل صيانة — يحمل الصينية بنفس الهدوء، وينتظر دوره بنفس التلقائية. لم يكن في المشهد شيء استثنائي. لكن شيئا ما في ذلك الهدوء العادي أصابني في مكان لم أكن أتوقعه. أدركت، في تلك اللحظة الصغيرة، أن ثمة قيمة تعمل هنا في الصمت، من غير خطب ولا مناسبات. وأن ما كنت أعرفه نظريا عن المساواة شيء، وما كنت أراه في الممارسة اليومية شيء آخر.

قبل الهجرة، يحمل كثير منا صورة داخلية مريحة عن نفسه وعن العالم. لا تكون هذه الصورة دائما كذبا صريحا، لكنها تكون في الغالب ناقصة، دفاعية، ومبنية على شعور رمزي بالتفوق الأخلاقي أو الحضاري. هكذا وصلت أنا أيضا إلى كندا قبل سبعة وعشرين عاما. كنت أحمل في داخلي صيغة مطمئنة من فكرة “الخيرية” — لا باعتبارها تكليفا أخلاقيا صعبا، بل باعتبارها درعا نفسيا يحمي الذات من القلق أمام عالم جديد ومجهول.

ثم بدأت الحياة اليومية، وسقط الدرع بسرعة أكبر مما كنت أتوقع. لم تكن الصدمة في أن المجتمع الجديد يختلف عنا فحسب، بل في أن هذا الاختلاف كان محسوسا في تفاصيل صغيرة ولكنها حاسمة: الطابور يعمل. الموعد يُحترَم من غير تذكير. الاعتذار يُقال بلا حرج. المؤسسة تعالج الملف وفق إجراء واضح لا وفق المزاج الشخصي ولا وفق من تعرفه. وفي كل هذه التفاصيل، كانت السيرورة نفسها: الأخلاق ليست دائما خطبا كبيرة — قد تكون نظاما يوميا يخفف الاحتكاك ويصون كرامة الناس من غير أن يُلفت أحد الانتباه إليها.

هنا بالذات تبدأ المقارنة المؤلمة. ليس بين الإسلام بوصفه دينا وبين كندا بوصفها دولة، بل بين ما ندعيه من قيم وبين ما يتجسد فعلا في السلوك والمؤسسة. كنت قد جئت ومعي ذخيرة كبيرة من الكلام عن الأخلاق والروح والرسالة. لكن الاحتكاك الطويل كشف لي أن الكلام عن القيم لا يكفي، وأن المجتمعات لا تقاس فقط بما ترفعه من شعارات، بل بما يترجم فعلا في النظام وفي السلوك اليومي وفي احترام الإنسان العادي — ليس في الأعياد فقط، بل في طابور الكافيتيريا.

أصعب ما في التجربة لم يكن اكتشاف مزايا المجتمع الكندي، بل اكتشاف الفجوة بين خطابنا القيمي وبين تمثله العملي في كثير من بيئاتنا. وهذا الوعي لم يدفعني إلى كراهية هويتي الأصلية ولا إلى الوقوع في الانبهار الساذج بالغرب. الذي تعلمته هو ضرورة الخروج من الكسل الثنائي الذي يحكم كثيرا من الخطابات: “هم مادة ونحن روح” أو “هم بلا أخلاق ونحن أهل القيم”. هذه الصيغ المريحة لا تساعد على الفهم، لأنها تجعلنا نتهرب من السؤال الأخطر: إذا كانت قيمنا الدينية والأخلاقية بهذا الثراء، فلماذا تظهر في حياتنا العامة بدرجة أقل مما نظنه؟ وأين يضيع الفرق بين النص والقيمة من جهة، وبين السلوك والمؤسسة من جهة أخرى؟

ومن المهم هنا أن أوضح شيئا أساسيا: نقد الذات ليس نقدا للإسلام. بالعكس، ما دفعني إلى هذا النقد هو أن الفجوة بين المثال الإسلامي كما أفهمه وبين الواقع السلوكي الذي نعيشه كانت مؤلمة إلى درجة لا تسمح بالمجاملة. المشكلة ليست في فقر القيم التي يحملها الإسلام، بل في ضعف ترجمتها في الاجتماع البشري، وفي الميل السهل إلى الاحتماء بالنصوص بدل مواجهة قصورنا التاريخي والمؤسسي.

كان التحول الحقيقي عندي هو الانتقال من القراءة الدفاعية إلى القراءة الفاحصة. في مرحلة أولى، يميل المهاجر إلى حماية صورته القديمة بكل الوسائل. يُفسر كل شيء بسرعة، ويعيد ترتيب الوقائع لكي لا تهتز بنية الطمأنينة التي جاء بها. لكن النضج يبدأ حين يقبل الإنسان أن يرى، لا أن يبرر فقط. أن يعترف بأن لدى الآخر ما يمكن أن يتعلمه منه — من غير أن يتحول ذلك إلى ذوبان. وأن لدى بيئته الأصلية عللا تحتاج إلى نقد صريح — من غير أن يتحول ذلك إلى جلد للذات.

من هنا بدأت إعادة بناء الهوية. لم أعد أرى نفسي بوصف واحد بسيط. أنا تونسي، نعم. وأنا أيضا مهاجر تشكّل بالعبور. وأنا مسلم، وعربي، وإنسان خبر من الداخل معنى العيش بين عوالم متعددة. ومع السنوات، يصبح الانتماء أقل صلابة شعاراتية وأكثر تركيبا وصدقا. لا يعود السؤال: هل أنا من هنا أم من هناك؟ بل: كيف أعيش هذه الطبقات المتعددة من غير تزوير ومن غير ادعاء نقاء لم يعد له وجود؟

الهجرة بهذا المعنى ليست نقلا جغرافيا فقط. إنها تجربة هدم وإعادة تركيب. تهدم كثيرا من المسلمات التي كان الإنسان يظنها نهائية، ثم تجبره على بناء يقين أبطأ وأكثر تواضعا. وهذا اليقين الجديد لا يقوم على إنكار الذات ولا على عبادة الآخر، بل على شجاعة الاعتراف: الاعتراف بأن النقد الذاتي ليس خيانة، وأن تعلم شيء من مجتمع آخر ليس تنازلا عن الجذور، وأن الهوية التي لا تقبل المراجعة تظل هشة مهما رفعت من شعارات القوة.

ولعل أهم ما علمتني إياه كندا ليس أن الغرب مكتمل ولا أن مجتمعاتنا مفلسة. علمتني أن الصدق مع النفس يسبق الدفاع عنها. وأن الإيمان إذا أراد أن يبقى حيا في عالم معقد، فلا يكفيه أن يكرر أجوبة قديمة بصوت أعلى — يحتاج إلى وعي أخلاقي يجرؤ على المقارنة، ويجرؤ على المراجعة، ويجرؤ على الاعتراف بالفجوة بين المثال والممارسة.

لهذا أرى أن صدمة الهجرة، رغم ألمها، يمكن أن تصبح نعمة معرفية. فهي لا تعطي الإنسان هوية جاهزة، لكنها تعطيه فرصة نادرة: أن يعيد بناء نفسه على قدر أكبر من الصدق، وأقل من الوهم، وأكثر قدرة على الجمع بين الوفاء والنقد، وبين الانتماء والانفتاح، وبين الجذور والتحول.