حين تصبح “السرعة في الحكم” مرضًا جيليًّا

في كلّ مرّة يُذكَر حدث مثل الثورة السورية، أو يُحتفَى بيوم “الحرية والكرامة”، تظهر في تعليقات بعض الشباب التونسيين نفس العبارات تقريبًا، كأنها نسخ متطابقة: ثورة داعشية، أحمد الشرع هو نفسه الجولاني، هذه حرية جاء بها الناتو، أي حرية تتحدّثون عنها وسوريا ما زال جزء من أراضيها تحت الاحتلال الإسرائيلي؟…

المشكلة هنا ليست في طرح الأسئلة ولا في الاختلاف في المواقف السياسية، فهذا طبيعي ومشروع. المشكلة الأعمق هي في طبيعة الذهنية التي تنتج هذه الأحكام السريعة: ذهنية تختزل حدثًا تاريخيًا مركّبًا في جملة واحدة، ثم تتعامل مع هذه الجملة باعتبارها “حقيقة نهائية” لا نقاش فيها.

أولا: الثورة السورية – مثل كل الثورات – مرّت بمراحل، وتداخلت فيها أطراف، وتصارعت فيها مشاريع:

  • لحظة أولى: احتجاجات شعبية سلمية ضد الاستبداد، خرج فيها الناس بهتافات بسيطة وواضحة عن الحرية والكرامة.

  • لحظات لاحقة: عسكرة، تدخلات إقليمية ودولية، صعود تنظيمات متطرفة، ولعبة مصالح بين قوى كبرى وإقليمية.

حين يقول شاب بكل بساطة: “هذه ثورة داعشية” فهو يلغي الزمن والتعقيد معًا، ويختزل كل شيء في الصورة الأكثر صدمة: داعش. كأن التاريخ صفحة واحدة: إمّا ملائكة بلا أخطاء، أو شياطين بلا حق.

هذه الطريقة في التفكير لا تُسيء فقط إلى السوريين، بل تُسيء إلى فهم التاريخ نفسه؛ لأن كل حدث كبير يحمل في داخله: مبدئيّين وانتهازيين، ثوّارًا حقيقيين وركّاب موجة، ضحايا وجلادين، لحظات نقاء ولحظات انحراف.. الاختزال يُريح العقل، لكنه يقتل الحقيقة.

ثانيا- ثقافة المؤامرة ليست بديلا عن الفهم. من السهل جدًّا أن نقول: “كل هذا مجرّد مشروع غربي / أطلسي / مخابراتي”.

هذا التفسير يملك سحرًا خاصًّا لأنه يُعفي صاحبه من عناء القراءة والمتابعة، ويمنحه شعورًا زائفًا بالتفوّق: “أنا الوحيد الذي فهم اللعبة”. لكن ثمن هذا “الارتياح الفكري” باهظ:

  • إلغاء الشعوب: حين نعتبر كل حراك شعبي “صناعة مخابرات”، فإننا نقول عمليًّا للشعوب: أنتم لا تتحرّكون إلا بأمر خارجي، ولا تغضبون إلا إذا حركتكم غرفة سوداء في مكان ما.

  • تجريم أي محاولة للتغيير: إذا كانت كل ثورة مؤامرة، وكل انتفاضة لعبة دولية، فالحل الوحيد هو الركون إلى الأمر الواقع، وقبول الاستبداد بحجّة أن “البديل أخطر”.

  • تحويل الشكّ إلى عقيدة: الشكّ أداة صحية حين يُستخدم للبحث والتحقيق، لكنه يصبح عقيدة مريضة حين يتحوّل إلى رفض تلقائي لأي سردية لا تناسب “نظريّة المؤامرة” المسبقة.

ثالثا- الخلط بين المبدأ والواقع السياسي: من التعليقات المتكرّرة: “عن أي حرية نتكلّم وسوريا ما زال جزء من أراضيها تحت الاحتلال الإسرائيلي؟”

هذا الاعتراض يخلط بين مبدأ الحرية والكرامة داخل المجتمع نفسه (علاقة الدولة بمواطنيها، الاستبداد، القمع، السجون…). وملف الاحتلال الخارجي (إسرائيل تحتل جزءًا من الأرض السورية).

وهما قضيتان متمايزتان، حتى لو كانتا مترابطتين في وجدان الناس. فالشعب (أيا كان هذا الشعب) يمكن أن يناضل ضد نظام قمعي يعتقل ويعذّب ويفسد الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه، يحمل قضية الأراضي المحتلّة كجرح مفتوح.

التاريخ مليء بأمثلة شعوب خاضت معارك متعدّدة في الوقت نفسه: استقلال سياسي، إصلاح داخلي، مواجهة احتلال… إلخ.

لذلك، فاشتراط “تحرير كل فلسطين والجولان وكلّ شبر قبل أن نتكلّم عن أي حرية داخلية” هو شرط مثالي يُستخدم عمليًّا لـإسكات أي نقد للاستبداد.

رابعا- مناخ الإحباط بعد الثورة التونسية: لا يمكن قراءة هذه الأحكام السريعة عند الشباب التونسيين بمعزل عن تجربتهم الذاتية بعد 2011: خيبة أمل من النخب السياسية، شعور بأن “الثورة لم تغيّر شيئًا” أو أنها قادت إلى الفوضى والفساد، وحنين عند البعض إلى الحزم والاستقرار ولو على حساب الحرية.

هذا الإحباط يولّد نوعين من ردّ الفعل:

  • احتقار كل كلام عن الحرية والكرامة: أي حديث عن ثورة في بلد آخر يُستقبل بسخرية.

-الذهاب إلى الأحكام القصوى: بدل التفكير الهادئ في أسباب فشل التجربة التونسية، يتم قلب الطاولة على المفهوم نفسه: “الحرية كذبة، الثورات كلها لعبة”.

بهذه الطريقة، يتحوّل الإحباط السياسي إلى موقف فكري من العالم: عدم ثقة في كل محاولة تغيير، وكره لكل ما يشبه ما عشناه هنا.

خامسا- الشباب ومعضلة التواضع الفكري:

من السهل أن يكتب الشاب على فيسبوك: “ثورة داعشية، نقطة.”، “كلهم أدوات للناتو.”، “الشعوب كلها مخدوعة، وأنا وحدي الذي أفهم.”

لكن من الصعب أن يكتب: “لا أملك صورة كاملة، قرأت بعضًا وأحتاج إلى المزيد.”، “أظنّ كذا، لكنني قد أكون مخطئًا.”، “هناك تعقيد في المشهد السوري لا أستطيع اختزاله في جملة واحدة.”

هذا الذي نسميه التواضع المعرفي، أي: القدرة على الاعتراف بأن ما نملكه من معلومات جزئي، وأننا نتعلّم، وأن الحكم على تاريخ شعب كامل يحتاج أكثر من بوستات أو تعليقات حماسية.

غياب هذا التواضع يجعل من فيسبوك ساحة لـ: أحكام قطعية بلا دليل، وتصنيف الناس والثورات والدول في ثانيتين، وتحويل الجهل المركّب إلى “هوية فكرية”.

لماذا هذا النقد مهم؟ الأمر هنا ليس دفاعًا عن موقف معيّن من الثورة السورية أو من أي حدث آخر. القضية أعمق:

  • من أجل العدالة للضحايا: حين نقول بسهولة إن ثورة ما “داعشية”، فنحن عمليًّا نمسح من الذاكرة آلاف الشهداء الذين لم يحملوا سلاحًا، ولم ينتموا لتنظيمات متطرّفة، وخرجوا فقط يطلبون أن يعيشوا كبشر.

  • من أجل بناء وعي سياسي ناضج: لا يمكن لجيل أن يساهم في صناعة المستقبل وهو يتعامل مع التاريخ بأسلوب الأبيض والأسود. السياسة الحقيقية تحتاج قدرة على التفريق بين المراحل، والتمييز بين المبادئ والانحرافات، وفهم تداخل العوامل الداخلية والخارجية دون أن نُلغي أحدهما.

  • من أجل أخلاق الحوار العمومي: فالتسرّع في الأحكام ليس مشكلة “معلومات” فقط، بل هو أيضًا مشكلة أخلاقية:

أن تتّهم، وتشتم، وتحسم مصائر الشعوب من وراء شاشة، ثم تنام مرتاح الضمير.

ما أطمح إليه – وأنا أكتب في ذكرى الحرية والكرامة في سوريا – ليس أن يتبنّى الجميع نفس موقفي، بل: أن نعترف بأن الواقع أعقد من شعاراتنا، وأن نحترم دماء الناس، فلا نجعلها هامشًا في نظريات المؤامرة السريعة، أن نتدرّب على قول: “لا أدري تمامًا، أحتاج أن أفهم أكثر” بدل أن نرفع فورًا راية “الوعي” و”التحليل العميق” في كل نقاش.

جيلٌ يحترم عقله، ويحترم معاناة الشعوب، ويتحرّج من الظلم في الحكم كما يتحرّج من الظلم في الفعل،

هو جيلٌ يمكن أن يبني شيئًا حقيقيًا، هنا في تونس وهناك في سوريا، وفي أي مكان آخر ..