سأبدأ بسؤال بسيط: ماذا تُقدّر حجم ما وصلنا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقارنة بكل ما قاله على مدى ثلاثة وعشرين سنة؟

الجواب التقريبي الذي توصّلت إليه — بحسابات تقريبية غرضها التنبيه لا الإحكام الإحصائي — هو: أقل من 1%، وربما في حدود 0.6% وفق هذه الفرضيات.

لا أُقدّم هذا من موقع الإلحاد ولا من موقع رفض السنة. أُقدّمه كمسلم يحبّ النبي ويُجلّ كلامه، ووجد في هذا الحساب البسيط سؤالا يستحق التأمل.

البداية: خطب الجمعة الضائعة

صلاة الجمعة فُرضت عند هجرة النبي إلى المدينة. وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى على مدار عشر سنوات ما يُقارب 510 خطبة جمعة.

والخطبة النبوية كانت تتضمن تعليما وتوجيها وتفسيرا وإجابة على أسئلة الناس. ولو افترضنا أن كل خطبة استغرقت ربع ساعة فهذه مئة وسبع وعشرون ساعة من الكلام النبوي المتواصل في يوم واحد من أيام الأسبوع وحده.

فأين هذه الخطب في كتب الحديث؟ نكاد لا نجد منها سوى مقاطع متفرقة وإشارات عامة. الجزء الأكبر ضاع.

الحساب

الصحيحان معا — البخاري ومسلم — يحتويان على نحو 5500 حديث فريد (بعد حذف المكرر). معظم هذه الأحاديث لا يستغرق قراءتها أكثر من نصف دقيقة.

لنفترض كرما أن كل حديث بالمتوسط يستغرق دقيقة واحدة من الكلام. هذا يُعطينا 5500 دقيقة — أي نحو 91 ساعة من الكلام النبوي المحفوظ.

والنبي عاش بعد النبوة ثلاثة وعشرين عاما. لو كان يتكلم بمعدل ساعتين يوميا فقط — وهذا تقدير محافظ جدا لشخص كان يُعلّم الناس ويُفتي ويُدير شؤون الدولة ويتحدث في الجلسات الخاصة — فهذا 23 سنة × 365 يوم × ساعتان = نحو 16,790 ساعة.

النسبة: 91 من 16,790 = 0.54%.

أي أقل من واحد بالمئة.

ما يعنيه هذا إحصائيا

ولو استخدمنا تشبيها إحصائيا على سبيل التقريب، فإن عينة بهذا الحجم لا تسمح وحدها بادعاء الإحاطة الكاملة بالصورة الأصلية، خاصة إذا لم تكن طريقة انتقال المادة عشوائية بالمعنى التقني.

بكلمات أوضح: ما وصلنا ثمين للغاية، لكنه لا يكفي وحده لبناء صورة كاملة عن مجموع الكلام النبوي في مجمله.

ما لا يعنيه هذا

أُريد أن أكون صريحا في ما لا يعنيه هذا الحساب:

لا يعني أن السنة النبوية غير معتبرة أو يجب رفضها. ما وصلنا مهما كانت نسبته يحمل توجيها دينيا وأخلاقيا عميقا وجزءا أساسيا من التشريع الإسلامي.

لا يعني أن العلماء الذين جمعوا الحديث أخطؤوا أو قصّروا. بذلوا جهدا إنسانيا استثنائيا في ظروف بالغة الصعوبة.

ما يعنيه هو دعوة إلى التواضع المعرفي: ما وصلنا من كلام النبي هو نافذة لا نملك إلا إياها، وهي نافذة قيّمة، لكنها ليست الصورة الكاملة. والادعاء بمعرفة “الفكر النبوي الكامل” من خلال هذه النافذة فقط فيه شيء من المبالغة.

خطب الجمعة كنموذج للضياع

عودة إلى الخطب: النبي كان يُفصّل في خطب الجمعة ما يحتاجه الصحابة من توجيه روحي واجتماعي وسياسي. وكثير من القرارات المجتمعية الكبرى كانت تُطرح وتُناقش في تلك الخطب.

أين هذه الخطب؟ لو كانت محفوظة لامتلكنا نموذجا تعليميا نبويا لا يُقدَّر بثمن — كيف كان النبي يُعلّم ويُقنع ويُوجّه.

ضياعها يذكّرنا بأن التدوين الإسلامي — رغم عظمته — بدأ متأخرا بعد الوفاة النبوية بعقود، وما ضاع في تلك الفجوة لا نعرف حجمه.

خاتمة

0.6% رقم صغير لكنه كافٍ لأن يُنبّهنا إلى حدود ما نعلم. وحدود ما نعلم لا يُضعف الإيمان — بل يُعمّق التواضع أمام سعة ما جهلنا. والتواضع المعرفي من أرفع درجات العقل والإيمان معا.