حين يتحول كتاب ما إلى رمز ديني شديد الهيبة، يصبح من الصعب طرح سؤال بسيط حول موقعه الفعلي في حياة الناس. لا لأن السؤال معقد في ذاته، بل لأن المكانة الرمزية العالية كثيرا ما تمنعنا من التفريق بين الاحترام التاريخي والوظيفة التربوية اليومية. وهذا التمييز ليس ترفا فكريا، بل ضرورة تربوية: فالسؤال عن دور الكتاب في حياة الناس الفعلية مختلف تماما عن السؤال عن قيمته في تاريخ العلم. الأول سؤال تربوي، والثاني سؤال أكاديمي. ومن هنا جاءت فكرتي في استعمال الحساب الزمني أداةً لكسر هذا الالتباس — لا لتدمير المكانة، بل لوضعها في نصابها الحقيقي.

الحساب نفسه

لنبدأ بالأرقام. بعث النبي ﷺ حوالي سنة 610م وتوفي سنة 632م. هذا يعني أن فترة الوحي امتدت نحو 23 سنة. أحاديث صحيح البخاري يبلغ عددها — بعد حذف المكررات — نحو 2600 حديث فريد تقريبا (وبإحصاءات أخرى من 2200 إلى 2700 تتفاوت باختلاف طرق الحصر والتصنيف). إذا افترضنا أن كل حديث يستغرق قراءته أو سماعه دقيقة واحدة في المتوسط — وهذا تقدير سخي لأن كثيرا من الأحاديث جمل قصيرة — نصل إلى ما بين 2200 و2700 دقيقة إجمالية، أي قرابة 45 ساعة. هذا يعني: نحو 45 دقيقة سنويا على مدى 23 سنة من البعثة. بمعنى آخر: أقل من ثماني ثوان يوميا. حتى لو ضاعفنا الرقم مراعاةً لكل تقدير متحفظ، لن يتجاوز متوسط الحديث النبوي في صحيح البخاري كلاما ينبثق في 42 ثانية من يومه ﷺ. وهذا هو المعنى العميق للرقم: ليس إسقاطا للحديث النبوي، بل استعادة لنسبته الحقيقية في الاقتصاد الزمني للوحي.

من المعلوم أن البخاري نفسه يروي أنه مر على ستمئة ألف حديث واختار منها ما صح عنده حتى وصل إلى هذا العدد. وهذا الانتقاء الصارم، الذي يُحسب للبخاري علميا ومنهجيا، يؤكد في الوقت نفسه أن ما وصلنا ليس “كل ما قاله النبي ﷺ”، بل جزء مما رُوي، مما صح سنده عند إمام بعينه، وفق منهج محدد تشكّل في القرن الثالث الهجري. ولا يعني ذلك التشكيك في المنهج — فهو منهج رصين في إطاره — بل التذكير بأن المنهج نفسه له غاية محددة ومحدودة، وأنه لم يكن يدّعي أبدا أنه يحوي كل ما يحتاجه المسلم في رحلته الدينية.

ولمن يريد مزيدا من السياق: الكتب الستة مجتمعةً — البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه — لا تتجاوز في مجموعها بضعة آلاف من الأحاديث غير المكررة. وهذا، في إطار حياة بشر امتدت ثلاثة وعشرين سنة من الرسالة، يُشير إلى أن المحدّثين أنفسهم كانوا يعلمون أنهم يحفظون جزءا من كل، وأن الكل لا يستوعبه كتاب واحد ولا مجموعة كتب.

السلطة غير المقروءة

هذه الفجوة بين الزمن المتاح والحضور الرمزي الضخم تكشف لنا ظاهرة لافتة: جزءا كبيرا من “مركزية البخاري” في الوعي الخطابي الإسلامي لم يأت من علاقة قراءة حية ومستمرة، بل من هالة رمزية تشكلت عبر قرون حتى صار اسمه يُستحضر في كل نقاش ديني تقريبا، حتى من قِبَل من لم يفتحوا الكتاب يوما. وهذه ظاهرة تستحق التأمل: كيف يتحول كتاب إلى سلطة غير مقروءة؟ كيف يُحتجّ باسم متن دون أن يُقرأ المتن نفسه؟ وما الفرق بين احترام الكتاب بوصفه إنجازا علميا تاريخيا وبين تحويله إلى رمز يُختبئ خلفه في النقاش العقدي؟

الفرق بين الأمرين ليس بسيطا. الاحترام التاريخي للبخاري مبرر ومطلوب: هو عمل علمي ضخم أنجزه إمام بذل فيه عقودا من الجهد المضني. لكن السلطة الرمزية المضخمة التي تحوّلت إلى درع في النقاش تحتاج إلى مساءلة. وحين يُقال “قال البخاري” في سياق يُراد به إسكات السؤال لا فتح البحث، فنحن لسنا في حضرة العلم بل في حضرة التبجيل. والتبجيل غير العلم، وكلاهما لا يُغني عن الآخر.

قد يمضي المسلم سنوات طويلة وهو يسمع باسم البخاري بوصفه المرجع الأعلى بعد القرآن، لكن من غير أن يقرأه قراءة منهجية، أو يميز بين طبقاته — إذ يشمل الكتاب أبوابا في التفسير والسيرة والأخلاق والطب، لا الأحكام الفقهية وحدها — أو يفهم سياق جمعه وظروف تصنيفه، أو يعرف الفرق بين احترام الكتاب وبين بناء المنظومة التربوية العامة حوله. وهنا يظهر السؤال الحاسم: إذا كانت العلاقة العملية بهذا المتن محدودة إلى هذا الحد في حياة عامة المسلمين، فلماذا نصر على جعله مركز الثقل في تشكيل الوعي الديني العام بدل ما هو أكثر قربا من حياة الناس؟

الخلط بين المستويات

ما أسعى إليه ليس هدم البخاري، بل تمييز دقيق بين طبقتين لا ينبغي الخلط بينهما: القيمة التراثية والقيمة التكوينية العامة. البخاري عمل تراثي عظيم في مكانه الصحيح داخل علوم الحديث والدراسات الإسلامية التخصصية، ومرجع لا غنى عنه لطالب متخصص يريد أن يفهم منهج المحدثين أو يبحث في درجة حديث بعينه أو يتعرف على الفقه الحديثي. لكنه ليس، بالضرورة، المادة الأنسب لتكوين المسلم العام في القرن الحادي والعشرين. وهذا الخلط بين المستويين هو بالضبط ما يخلق أزمة ترتيب الأولويات في تعليمنا الديني، ويجعل كثيرا من المناهج الدينية تبدأ بما هو تخصصي ومتأخر في السلم المعرفي بدل ما هو تأسيسي ومركزي.

ينبغي أن نسأل بصراحة: ما الذي ينبغي أن يحتل المركز الأول في تربية المسلم المعاصر؟ النص القرآني وتدبره؟ البناء القيمي المقاصدي؟ السيرة النبوية بوصفها أسلوب حياة؟ مهارات التفكير الديني المستقل؟ أم متون الحديث المطولة التي تحتاج إلى تأهيل تخصصي قبل قراءتها بفائدة حقيقية؟ أميل إلى أن الأزمة عندنا بدأت حين خلطنا بين طبقات المعرفة، فقدمنا ما هو تخصصي على ما هو تأسيسي، وما هو تراثي على ما هو بنائي، وما هو مرجعي على ما هو تربوي. وهذا الخلط لم يأت بسوء نية، بل نتيجة تبجيل غير نقدي تراكم عبر الأجيال حتى صار بديهية.

وضع البخاري في مكانه الصحيح

إعادة النظر في مركزية البخاري لا تعني إسقاطه، بل وضعه في مكانه الصحيح: مرجع تخصصي يُقرأ بسياقه ومنهجه وحدوده، لا ورقة رابحة في كل نقاش، ولا حصن يُختبئ خلفه في وجه كل سؤال تجديدي. والتقديس الاجتماعي لبعض الكتب حين يكون أكبر من أثرها المعرفي المباشر في حياة الناس، لا يُهين التراث — بل يُهينه فعلا بتحويله إلى أيقونة جامدة بدل أن يبقى نصا حيا في حوار علمي متواصل. الكتاب الذي لا يُقرأ بل يُقدَّس يفقد نصفه على الأقل.

والمفارقة هنا عميقة: إن أعظم ما يمكن أن نفعله للبخاري هو أن نقرأه فعلا، وأن نفهم حدوده فعلا، وأن نضعه في سياقه التاريخي فعلا. ذلك أكثر احتراما له من الاحتجاج باسمه في كل سجال من غير أن نعرف ما في كتابه. وهو أكثر أمانة أيضا للوظيفة التي أرادها البخاري نفسه حين سمّى كتابه: الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه — مختصر، مسند، في أمور بعينها. لا ادعاء بأنه الكل، ولا بأنه يغني عن كل شيء.