يُستعمل حديث “تزوجوا الودود الولود” في بعض الخطابات الدينية بطريقة تُحوّله عمليا إلى معيار قاس في النظر إلى الزواج والمرأة والإنجاب. والإشكال في نظري لا يبدأ فقط من البحث في درجته الحديثية، بل أيضا من طريقة قراءته وتطبيقه، ومن تحويله أحيانا إلى أداة لإنتاج وصمة أخلاقية أو دينية ضد من لا تنجب.
وحتى إذا أخذ المرء بكون الحديث مقبولا عند طائفة من أهل العلم، فإن هذا لا يعفيه من واجب قراءته في ضوء القرآن وسيرة النبي ومقاصد الزواج والعدل مع الناس.
الإنجاب في القرآن هبة لا استحقاق
يقرر القرآن بوضوح: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور… ويجعل من يشاء عقيما (الشورى: 49-50). معنى هذا أن الإنجاب ليس مجرد صفة يملكها الإنسان متى شاء، بل مجال من مجالات القدر الإلهي. ومن هنا يصبح من الخطأ الأخلاقي والديني تحويل العقم إلى وصمة أو إلى مقياس تفاضل يمس كرامة الشخص.
الزواج في القرآن أوسع من الإنجاب
الآية الجامعة في مقصد الزواج تقول: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة (الروم: 21). السكن والمودة والرحمة هي المقاصد المؤسسة. ولا شك أن الإنجاب نعمة عظيمة وثمرة مرجوة، لكنه ليس وحده ما يفسر معنى الزواج، ولا يجوز أن يبتلع بقية المقاصد.
ولهذا يبدو غير منسجم مع روح القرآن أن يُقرأ الحديث وكأن قيمة المرأة أو قيمة الزواج تختزل في القدرة على الإكثار العددي.
سيرة الأنبياء أهدأ من هذا التوظيف
القرآن نفسه يذكر نماذج لنساء وُصفن بالعقم، مثل زوجة إبراهيم في قوله: عجوز عقيم (الذاريات: 29)، وزوجة زكريا في قوله: وكانت امرأتي عاقرا (مريم: 5). ومع ذلك لا يُبنى في القصص القرآني أي منطق يحمّل المرأة عارا دينيا أو ينظر إليها من زاوية النقص الأخلاقي بسبب عدم الإنجاب.
وسيرة النبي نفسها تدعو إلى قراءة أكثر اتزانا. فقد كانت حياته الزوجية أوسع بكثير من أن تختزل في معيار الإنجاب وحده، ولم تُنقل عنه معاملة تجعل عدم الإنجاب سببا للانتقاص من الزوجة أو لإهدار مقاصد الزواج الأخرى.
أين يقع الخلل إذن؟
الخلل يقع حين يُقرأ الحديث بمعزل عن بقية النصوص، ثم يُنقل من مقام الترغيب العام إلى مقام المعيار القاسي الذي يُحاكم به الأفراد. وحين يحدث ذلك تتحول رواية واحدة إلى أداة اجتماعية تجرح الناس باسم الدين.
وهذا خطأ منهجي متكرر: ليس كل نص يُفهم حرفيا على أنه قاعدة مطلقة في كل الحالات. بل يجب أن يُقرأ ضمن شبكة النصوص والمقاصد والواقع الإنساني الذي يتنزل عليه.
خاتمة
الموقف الأعدل في نظري هو هذا: يمكن للإنسان أن يناقش الحديث إسنادا ودلالة، لكن في جميع الأحوال لا يجوز أن يُستخدم لإنتاج احتقار للمرأة العقيم، ولا لتقليص معنى الزواج إلى وظيفة إنجابية فقط.
القرآن أوسع رحمة من هذا، وسيرة النبي أهدأ من هذا، والفقه الأنضج هو الذي يحفظ كرامة الناس قبل أن يحول النصوص إلى أدوات ضغط اجتماعي عليهم.